اميرة ناجي تكتب عن تجربة التشكيلية زينة مصطفى.

.

تجليات الرمز والوجدان

في تجربة الفنانة زينة مصطفى

أميرة ناجي /بغداد

ناقدة وفنانة تشكيلية

الفن التشكيلي في جوهره ليس انعكاسا آليا للواقع المرئي إنما هو فعل إعادة صياغة للعالم وشهادة بصرية على الوجود الإنساني في أشد لحظاته تجليا وإن الحوار القائم بين الفنان وعمله هو ما يمنح اللوحة حياتها المستقلة ويجعل منها نصا مفتوحا للتأويل على هذا الصعيد تتفرد تجربة الفنانة التشكيلية زينة مصطفى

بتقديم رؤية بصرية مغايرة تتجاوز حدود التصوير السردي إلى رحاب التأمل الفلسفي والسيكولوجي عميقة الجذور في موروث حضاري ثري وغنية بأدوات تعبيرية معاصرة ومتميزة

يقول الفيلسوف فريدريك نيتشه :

إن لدينا الفن كي لا نهلك من الحقيقة

تكتسب هذه المقولة بعدا دلاليا عميقا في سياق تجربة زينة مصطفى إذ لا تسعى أعمالها إلى تمثيل الواقع بسطحيته المرئية بل إلى إعادة إنتاجه عبر مرشحات الوعي واللاوعي معا إن الفن هنا لا يكشف الحقيقة كمعطى جاهز بل يعيد تشكيلها ضمن بنية رمزية تسمح للمتلقي بأن يختبرها شعوريا وفكريا في آن واحد إن ما تقدمه الفنانة ليس استنساخا للمرئي بل تفكيك له وإعادة تركيبه بما ينسجم مع تعقيد التجربة الإنسانية وتوتراتها الداخلية

تندرج أعمال زينة مصطفى ضمن أفق تعبيري معاصر يتقاطع مع الحس السريالي الرمزي حيث لا تخضع الصورة لسلطة التمثيل الواقعي بقدر ما تنصاع لسلطة الانفعال والحدس إن التكوينات البصرية لديها تقوم على تشوهات مقصودة ومبنية بوعي عال ليست انحرافا عن القاعدة بل تأسيسا لبلاغة تشكيلية بديلة تعكس حالات نفسية مركبة تتسم بالقلق والترقب والتأمل إن حضور الجسد الإنساني في هذا السياق لا يأتي ككتلة فيزيائية مكتملة بل ككيان متحول يتماهى مع محيطه ويتداخل مع عناصره في إشارة إلى وحدة الوجود وتشظيه في آن واحد

تقوم البنية الرمزية في أعمالها على استدعاء عناصر ذات أبعاد ميثولوجية ووجودية لكنها لا تقدم كاقتباسات مباشرة من الموروث بل كتحولات معاصرة تعيد تأويل تلك الرموز ضمن سياق بصري جديد إن هذا الاشتغال يمنح العمل بعدا تأويليا مفتوحا حيث تتعدد القراءات بتعدد الخلفيات الثقافية والنفسية للمتلقي ويتحول العمل إلى فضاء ديناميكي لإنتاج المعنى لا إلى بنية مغلقة مكتفية بذاتها

أما اللون في تجربة زينة مصطفى بنية دلالية قائمة بذاتها تحمل كثافة شعورية ومعرفية إن معالجتها اللونية تقوم على توترات محسوبة بين الدرجات الحادة والخافتة بما يخلق إيقاعا بصريا متحركا يعكس اضطراب الحالة الداخلية واستقرارها النسبي في الوقت نفسه إن حضور الألوان يتأسس على وعي عميق بقيمها الرمزية والنفسية حيث تتجاور الكتل اللونية في علاقات جدلية تنتج معاني تتجاوز ظاهرها البصري اللون هنا ليس غطاء للشكل بل شريك في بنائه وفي إنتاج دلالته النهائية

تنهل تجربة زينة مصطفى من معين حضاري عراقي ورافديني عميق لا عبر استعادة الأشكال التراثية بشكل مباشر بل من خلال استيعاب الروح الأسطورية الكامنة في هذا الموروث وإعادة بثها ضمن خطاب بصري معاصر إن هذا التفاعل بين الماضي والحاضر لا ينتج قطيعة بل يؤسس لاستمرارية ثقافية تتجلى في البنية العميقة للعمل حيث تتقاطع الذاكرة مع الحداثة في صياغة رؤية فنية متماسكة تستحضر الإنسان كامتداد تاريخي ووجودي في آن واحد

على مستوى البناء التقني تكشف أعمال زينة مصطفى

عن دراية أكاديمية رصينة تتجلى في إحكام التكوين والسيطرة على العلاقات البصرية بين الكتل والمساحات غير أن هذه المعرفة لا تتحول إلى قيد شكلي بل إلى قاعدة انطلاق نحو تجريب حر وواع إن الفنانة توظف ما تمتلكه من أدوات معرفية لتفكيك القواعد ذاتها وإعادة بنائها وفق مقتضيات رؤيتها الخاصة ما يمنح أعمالها توازنا دقيقا بين الانضباط والحرية بين العقلانية والانفعال

إن تجربة زينة مصطفى تطرح نفسها خطابا بصريا مفتوحا على أسئلة الوجود والهوية والمعنى لا تسعى إلى تقديم إجابات نهائية بل تحفز المتلقي على الانخراط في عملية تأويل مستمرة حيث تتحول اللوحة إلى مرآة تعكس توتراته الداخلية بقدر ما تكشف عن أبعاد العالم الخارجي إنها تجربة تتسم بعمقها الفلسفي ونضجها الفني وقدرتها على تحويل الإحساس الفردي إلى لغة بصرية ذات أفق إنساني شامل تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية لتلامس جوهر التجربة الإنسانية في أكثر حالاتها كثافة وصدق

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم