قراءة تطبيقية
وبعد قراءة هذا النموذج يمكن رصد ما تميزت به على النحو الآتي:أولًا: أن الناقدة قرأت هذه القصيدة في سياقها الاجتماعي بما بُنِيت عليه من عناصر: الأرض، الفتايات الخمس، شهر آذار، المدرسة، الشاعر نفسه بوصفه مُمثلًا للفلسطينيين جميعهم. وكذلك سياقها الديني بكل عناصره التي تغلغلت فيها؛ فثَمَّ الرمز خديجة، واستدعاء الإسراء والمعراج، وكذلك بعض التناصَّات القرآنية التي احتوت في داخلها على بعضٍ من القصص القرآني.وقد غلَّفت ذلك كلَّه بالسياق التاريخي الذي لم يظهر على السطح، بل كان يعمل في الخفاء من خلال فِعل الآخر (العدو) وما أحدثه من دموية في حادث البنات الخمس.ثانيًا: اعتمدت الناقدة في إبراز الدلالة النصِّية على مبدأ الثنائيات، وبخاصة عندما ربطت هذه الثنائيات بشهر آذار؛ لتُبرز البُعد المزدوَج لهذا الشهر؛ فرغم أنه شهر البهجة والسعادة، بدا شهرًا حزينًا، فهو شهر الموت والحياة في الوقت نفسه.ثالثًا: أقرَّت الناقدة أن اللحظة الشعرية لحظة لا تعرف زمنًا مُحددًا، بل تقوم على تداخُل الأزمنة؛ فهي لحظة انصهارية تجمع بين الماضي والحاضر والمُستقبل، وتلتحِم فيها العناصر حتى تُصبح عنصرًا واحدًا، وهذا هو ما لُحِظ عند تداخُل الأشياء في شهر آذار. وهو سمة الإبداع السليم الذي لا ينقل الواقع نقلًا حرفيًّا بقدْر ما يُعَدُّ موازاة فنية يُخالف منطقها منطق الواقع المحسوس في العلاقات التي تجمع بين الأشياء.رابعًا: أرجعت الدكتورة فاطمة طحطح العمق الشعري الذي حظِيت به القصيدة إلى الفضاء العربي-الإسلامي، إذ استقى الشاعر أقنعته الفنية ورموزه من التراث العربي-الإسلامي، مما يدلُّ على حيوية هذا المنبع.وفي نهاية هذا الفصل أودُّ أن أشير إلى نقاط عدة:الأولى: أنَّ نظرية التلقِّي تختلف عن بقية المناهج الأخرى، رغم أنها تُعدُّ جميعها ضربًا من التلقي. ويعزو هذا الاختلاف في حقيقته إلى طبيعة الإجراءات التحليلية لكل منهجٍ وعلاقتها بكلٍّ من النص والمُتلقي؛ فبالنظر إلى المناهج السابقة، وهي البنيوية والسيميولوجية والأسلوبية، نجد أن إجراءاتها التحليلية قامت في أساسها على الارتباط بالنص المقروء ذاته، مما يجعل المُتلقي مرتبطًا — في عملية التحليل — بهذه الإجراءات، وإن كان بوسعه أن يُطوِّعها لتُناسب طبيعة بيئة شعرية مُعيَّنة.أما في نظرية التلقي، فالأمر يختلف؛ لأن مركز الثقل النقدي انتقل من النص إلى القارئ، وما دام القرَّاء يختلفون فيما بينهم في أفق توقعاتهم وتفاوت خبراتهم النقدية، فلا بدَّ أن يكون ثمَّة اختلاف بين القراءات المُتعدِّدة للنص الواحد، فلم تَعُد الإجراءات التحليلية ثابتة أو مُتعارفًا عليها، بقدر ما غدت نِسبية.الثانية: أنَّ كون التلقِّي أصبح نسبيًّا يختلف من ناقدٍ لآخر، فإن هذا يقودنا إلى عدم الانتقاص من قراءةٍ ما بُمقارنتها بقراءةٍ أخرى. وهذا الطرح أقرب إلى ما أنا بصدده الآن في القراءات المتنوعة لقصيدتَي محمود درويش: «عابرون في كلام عابر»، و«الأرض». فكل نصٍّ قُرِئ مرَّتَين تُكمل إحداهما الأخرى؛ فإذا كشفت إحداهما عن جانبٍ من النص، تكشف الأخرى عن جانبٍ آخر … وهكذا. وكلما تعدَّدت قراءات النص تميَّز هو بالثراء الفني الذي يضمن له الخلود على مرِّ الأزمنة.الثالثة: أنه في أحيان كثيرة يفرض النص دلالته على المُتلقي، مما يجعله يُحلل النص في إطار هذه الدلالة؛ فمثلًا في قصيدة «عابرون في كلام عابر» لا يخفى على أي ناقدٍ أنَّ المخاطب هنا هو العدو (الكيان الصهيوني) وأنَّ المُتكلم (الباقين) هم الفلسطينيون. لذلك جاءت قراءة هذا النص مُتقاربة عند الناقدين: الدكتور الغذامي والناقد حاتم الصكر. والأمر نفسه نجده في قصيدة «الأرض»، فلا يُعقَل أن يُحلل ناقدٌ ما هذه القصيدة دون الجزم بأن مدلول الأرض (خديجة) هو الأرض الفلسطينية، وأن ما فعله الشاعر محمود درويش يُعَد موازاة فنية لدرامية الواقع المحسوس. وإذا كان ثَمَّ اختلاف بين تلك القراءات، فهو يتمثَّل في الإشاعات اللغوية والتوسُّع في أفق التوقُّعات من ناقدٍ لآخر، مع ثبات الدلالة الأصلية في النصَّين، مما يجعلنا نُقر بتحقيق مبدأ القصدية في الشعر العربي.الأخيرة: أنه في بعض الأحيان — وهي نقيض النقطة السابقة — تختلف قراءات النص الواحد اختلافا جوهريًّا. ويحدُث هذا الأمر عندما يعتمد النص في بنائه على الرمز الذي يَشوبه شيء من الغموض. وهنا فقط، يستطيع كل ناقدٍ أن يُفسِّر الرمز تفسيرًا مُستقلًّا، فتعدُّد مدلولات الرمز من قراءةٍ لأخرى لا يعني ذلك أن يشتطَّ أيٌّ من النقَّاد في تفسيره؛ لأن مرجعه الأول والأخير هو النص نفسه؛ فكلما استطاع الناقد أن يُدلِّل على صحة مدلول الرمز في قراءته باعتماده على الجماليات الفنية للنص المقروء، حَظِيَت قراءته بالمشروعية والإقرار النقدي. مما يعني أن عملية التفسير ذاتها ليست عمليةً مائعة أو قائمة على اللامحدودية.وهذه الخشية من لامحدودية التفسير هي التي دفعت ستانلي فيش إلى القول بانتماء الناقد إلى جماعةٍ مُفسرة، حرصًا منه على عدم ضياع النص وسط تعدُّد القراءات واتِّصاف بعضها بالخلل في بعض الأحيان.٥٢١
من الكتب المُهمة في هذا الاتجاه: روبرت هولب، نظرية التلقي، ترجمة الدكتور عز الدين إسماعيل، النادي الأدبي بجدة، الطبعة الأولى ١٩٩٤م. وكذلك الدكتور حامد أبو أحمد: الخطاب والقارئ، النسر الذهبي للطباعة، بدون تاريخ.٢ انظر: هاني الخير، محمود درويش «رحلة عمر في دروب الشعر»، مؤسَّسة علاء الدين للطباعة والتوزيع، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى ٢٠٠٥م، ٩٩–١٠٢.٣ انظر: ثقافة الأسئلة، النادي الأدبي الثقافي، الطبعة الأولى ١٩٩٢م، ٤٧، ٤٨. وانظر في قراءة هذا الكتاب: الدكتور حامد أبو أحمد، نقد الحداثة، ١٤٤–١٥٨.٤ انظر: السابق، ٤٨.٥ انظر: ثقافة الأسئلة، ٥١.٦ انظر: ثقافة الأسئلة، ٥٢، ٥٣.٧ انظر: ثقافة الأسئلة، ٥٣–٥٥.٨ انظر: ثقافة الأسئلة، ٥٦.٩ انظر: ثقافة الأسئلة، ٥٦، ٥٧.١٠ انظر: ثقافة الأسئلة، ٥٧،عن مؤسؤة هنداوي


