الناقدة السورية ( دعد ديب ) ..كتبت عن :ثيمة الحلم كدلالة رمزية وسردية.

رمزية الحلم كثيمة سردية

 دعد ديب 1 يناير 2026 م.

يأتي الحلم للإنسان بلا سابق ترتيب أو تخطيط، أشبه بمشهد أو لقطة سينمائية تعبُر عالمه الباطني، ليستقر بعضُها في الذاكرة، ويُنسى البعض الآخر ويخفت تأثيره. لكنه، في الوقت ذاته، يكشف عن أنساق ثقافية كامنة في اللاوعي. وبين الطبيعة والثقافة تنفتح تأويلات ثيمة الحلم كدلالة تستبطن الطبيعة بوصفها حالة ذهنية غير عاقلة وغير منضبطة، ولكن بعملية تأويلها تنتمي إلى الثقافة، وفق دراسة شهلا العجيلي “التكوين الثقافي للحلم في الرواية العربية”، حيث يشير التأويل والتفسير إلى مكونات هذه الثقافة في المجتمع المدروس.

وقد انشغل علم النفس والفقه الديني بانعكاسات الأحلام على وعي الفرد، في محاولات لكشف معانيها وسبر أغوارها، ومن هنا نستطيع أن نفسر استفادة الفنون والآداب جميعها من توظيف الحلم في التقنيات الفنية والإبداعية، وخصوصًا في مجال السرد، حيث جرى توظيف ثيمة الحلم في الكثير من الأعمال الروائية.

فرواية أمل الفاران “حجرة” (2021) تتحرك فيها البطلة مريم بين الذهان والحلم، مما يشي بعالمها المرتبك والمتوتر ضمن حالة من القلق والالتباس الذهني والاغتراب والوحدة التي تعيشها، وهو ما يذكرنا بقول هاملت: “وما الحلم نفسه إلا ظل”، حيث يشتبك الوهم بالواقع. وهنا تستخدم الكاتبة أسلوب تيار الوعي في الدخول إلى كوامن الشخصية، فمريم تدخل الحلم بلا استئذان دائمًا، ليتراءى لها ما تخافه من كوابيس تتجسد أمامها وكأنها حقيقة، لتعطي دلالة على حالة الرعب من المحيط، وعدم الثقة بنفسها وبمن حولها، وآثار البيئة المغلقة في كينونتها. ثم تفاجأ باليقظة التي تعيدها إلى الواقع، ولا تلبث أن تغرق في استيهامات يظهر فيها كيف ترى العالم من حولها ضمن الحالة النفسية الخاصة التي تعيشها، لتكون العزلة ملجأها، ومصدرًا لمزيد من الشك والارتياب بمن حولها.

وذلك القرين الذي يتلاعب بخيالاتها، كظلٍّ لها أنشأته من ذاتها بديلًا عن الآخرين، يأتي كإشارة مرمزة لكائن متألم وخائف ومنعزل. ومن خلال أسلوب الكاتبة في توظيف الحلم والتداعيات الداخلية التي تشعر بها بطلتها “مريم”، نقف على الخوف الذي يعذب أعماقها، وتمضي بعيدًا في تلمس ذاتها القلقة وشخصيتها المصابة بوسواس قهري، مع ترك مجال التخمين مفتوحًا لدى القارئ لمعرفة ماضي الشخصية التي تصمت عنه. لكنها جعلت العنوان عتبة نصية تومئ إلى المعنى؛ “حجرة” بلا أل التعريف، دلالة على اتساع مجال التأويل والتعميم، لتكون أي حجرة أخرى تشبهها في حيزها الخاص والضيق.

صُنِّفت “حجرة” من قبل النقاد على أنها من الروايات النفسية، إذ تتميز بغرابة أسلوبها السردي، حيث الجمل المتقطعة والانتقالات السريعة بين الواقع الحلمي والواقع الحقيقي، من دون أن يشعر المتلقي بترهل السرد، بل بجمل رشيقة تختصر عالمًا غير واضح نشعر به أكثر مما نستطيع التعبير عنه. وهنا تتجلى قدرتها الفائقة على إيصال خيط سري بينها وبين القارئ، وكأنها موتيفات لحالات نفسية متقطعة ومتكررة، باقتصاد في اللغة وتكثيف للحالة النفسية التي تعيشها البطلة.

أما في رواية المصري عمار علي حسن “احتياج خاص” (2023)، فيخلق الكاتب لبطله البائس والمقهور، “موظف التموين البسيط”، حلمًا سعيدًا مستمرًا ومتواصلًا، وكأنه حياة جديدة ملوّنة تأتيه كلما غرق في النوم، كحياة موازية يشعر فيها بالتوازن والسعادة. وقد استطاع الكاتب توظيف ثيمة الحلم ليخدم غرضين دلاليين: الأول هو وجود أمل بحياة أخرى ممكنة بعد حين، تعين الإنسان على تحمّل بؤس الحياة من حوله، من شظف العيش ونكد الزوجة، وتعوضه عن العجز في تحمّل أعباء المعيشة. أما الثاني فهو تجسيد هذا الأمل من خلال الحلم بصورة مثالية للحياة؛ إذ يصبح في الحلم أستاذ جامعة يدرّس علم النفس، ويتلقى الاحترام من الآخرين، ويتبوأ مكانة رفيعة في المجتمع، مع زوجة جميلة هنية المعشر وبيت دافئ.


وبين الصحو والمنام، والغشاوة بينهما، يتجاور عالمان متناقضان بين الواقع والحلم. ذلك الحلم الذي أفصح عنه لجيل الشباب، مما عرضه لملاحقة العسس خشية من تبنّي الشباب لهذا الحلم؛ حلم الحياة الكريمة، وأن يدرجوه ضمن مطالبهم، حيث تصبح الحياة الطبيعية أقصى أحلام الفرد. فالبطل “علم الدين” يرى هذا الحلم بشكل مستمر، ثم ينقطع فجأة ولا يعود يراه، وهنا يبدأ ضياعه، ومنه تنطلق رحلة بحثه، وكذلك رحلة البحث من قبل السارد الصديق الذي يروي حكايته في رواية يكتبها، كتقنية “رواية داخل رواية”. ويأتي فقدان أثر الحالم بإشارة مضمرة إلى خيبة الأمل بنتائج ثورة 25 يناير، التي لم تُحسّن من معيشة الإنسان ولا من حلمه بالرفاه والحرية، بل تفاقمت فيها المشكلات والهموم العامة، عبر التناقض بين ما يجري في الواقع من عجز، وما يأتيه في الحلم من فحولة مبهجة، وما يعنيه الترابط بين الوضع الشخصي للفرد من حيث الخصوبة، وحال البلد، في إشارة ملغزة إلى فيلم عادل إمام “النوم في العسل”، حيث العجز الخاص لدى الفرد كناية عن عجز المجتمع.

“استفادت الفنون والآداب جميعها من توظيف الحلم في التقنيات الفنية والإبداعية، وخصوصًا في مجال السرد، حيث جرى توظيف ثيمة الحلم في الكثير من الأعمال الروائية”

وفي النهاية، تمسك الاستخبارات بكل الخيوط، في إشارة إلى رجل الأمن بوصفه من أوحى للكاتب سمير عبيد أن يكتب رواية عن صاحب الحلم، كرمزية واقعية للخضوع، تكثفت في الإشارة إلى نبات القلقاس. غير أن أمر تلك الجميلة المعشوقة “سهى”، التي لم يجدوا لها أثرًا في متعلقاته الشخصية، بقيت هي خيط الأمل وشرارة الضوء التي لا تنطفئ، لتكون العبارة الذهبية التي يودعها صديقه، وكأنها صفوة قوله: “امضِ خلف أحلامك مبصرًا، ولا تسأل أحدًا”.

أما في رواية المغربية الأميركية ليلى العلمي، فتأخذنا إلى مكان آخر مختلف تمامًا لتوظيف الحلم في روايتها “فندق الأحلام” (2025) The Dream Hotel، حيث يكون الحلم، في سرديتها، وبالًا على صاحبه. إذ يعيش أغلب شخوص العمل، وهم رواد الفندق، حالة صراع لتشكيل الذات في زمن متغيرات ثقافية واجتماعية ونفسية، في ظل العولمة، حيث تنفتح كل المتغيرات على بعضها بالأثر المتبادل. وبطلة الرواية تجمع في الأصل بين هويتين وانتماءين: بلدها الأصلي المغرب، وبلد الإقامة الذي حازت جنسيته في أميركا، مما يجعل هاجسها البحث عن الذات في خضم عالم متسارع في تطوره وتقنياته.

فالذكاء الاصطناعي دخل في كل مفاصل الحياة، إلى درجة أن التكنولوجيا سيطرت على حياة الإنسان بالكامل، وخصوصًا أجهزة الرقابة الرقمية التي تتابع أدق خصوصيات الإنسان المعاصر. وهنا تكون الساردة امرأة تعاني من الأرق، وتلجأ إلى اختراع تقني يدعى “حافظة الأحلام”، يعمل على تهدئة الأعصاب ليحظى صاحبه بنوم جيد، ولكن بضريبة تبدو بسيطة، وهي السماح لمُشغّليه باستخلاص البيانات الإحصائية والبيولوجية، بما فيها الأحلام، والتصرف بها، كبيعها أو وضعها بتصرف أي جهة. لتتفاجأ، عند عودتها، بتصنيفها كائنًا ذا خطورة عالية، استُنتجت من خلال أحلامها، حيث صار الجهاز الذي اعتقدت به وسيلة لراحتها جاسوسًا على هواجسها ورغباتها المكبوتة. وقد استطاعت ليلى العلمي، من خلال هذه الثيمة، النفاذ إلى وجه من الأوجه الحديثة لاستعباد الإنسان، والسيطرة على ما يمكن أن يستقر في لاوعيه، ناهيك عن تفكيره وسلوكه، وكأننا ندخل عصرًا من “العبودية الطوعية”، وبالنتيجة ضياع الخصوصية والحرية إلى الأبد.

ويبقى الحلم، في التغيير وتبديل الأحوال، والأمل بما هو آتٍ، نافذة يهرع إليها المرء كلما تكاثرت حوله الضغوط والمتاعب وحاصرته الهموم؛ فالأحلام مسموح بها لأنها حالة جوانية لا يلحظها الرقيب، إلا إذا تجاوزت الشفاه.

وبين الحلم الضائع، والحلم المريض، والحلم المراقَب، تتصاعد معاناة إنسان العصر، وتزداد أزماته المركبة النفسية والوجودية. ورغم كل ذلك، يبقى الأمل الحالم في فضاء الوجود مبررًا لبقاء الإنسان، ورغبته المتصاعدة في مجابهة تحديات الحياة وخوض غمارها.

المصادر:

– مجلة الدراسات العربية، “التكوين الثقافي للحلم في الرواية العربية”، العدد 4 (2025)، ص 91–119.
– رواية “حجرة”، أمل الفاران (2021).
– رواية “احتياج خاص”، عمار علي حسن (2023).
– رواية “فندق الأحلام”، ليلى العلمي (2025).

*******************
المصادر:
– موقع روسيا اليوم
– موقع : ضفة ثالثة
– موقع: الحدث
– موقع: صحيفة عكاظ
– موقع «الشرق الأوسط»
– موقع:  المواهب الفوتوغرافية – يحيى مساد.
-موقع : مجلة التشكيل (جمعية الإمارات للفنون التشكيلية).
موقع: سكاي نيوز عربية
– موقع هيبا: www.hipa.ae
– موقع: الراية
– الإتحاد العربي للثقافة
– مجلة العربي الكويتية الورقية.
– موقع: مصراوي.
– موقع الجزيرة .نت
– موقع تلفزيون سورية
– موقع (اليوم السابع)
– موقع: الرأي ميديا
– موقع : العربية .نت
– موقع الجزيرة .نت
– موقع النهار العربي
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع القدس العربي
– موقع الشرق الاوسط
– مجلة الحرف والكلمة
– الإتحاد العربي للثقافة
– موقع :صحيفة سبق الإلكترونية.
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN
.bbc /arabic
– موقع موزاييك
–  جريدة الدستور
– موقع العربي الجديد
– سكاي نيوز عربية – أبوظبي
– موقع سبق- اليوم السابع
– الإمارات اليوم
– العربية .نت – الرياض
-صحيفة الثورة السورية
– موقع المصرى اليوم
– مواقع تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– مجلة فن التصوير
– إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
***********

أخر المقالات

منكم وإليكم