بقلم د.نادي شلقامي
— حين يكون البلاء تاجاً والجراح نجوماً
في زمن تكاثرت فيه الأزمات وتسارعت فيه نبضات القلق، وتراصت الهموم كالسحب الداكنة في سماء النفوس، يظل السؤال الأبدي يحير الإنسان: لماذا أنا؟ لماذا الآن؟ لماذا هذا المرض الموجع، وهذا الفقد الموجع، وهذه الحاجة الموجعة؟ غير أن النظرة الإسلامية العميقة، المستلة من مشكاة النبوة، تقلب المعادلة الكونية رأساً على عقب، وتعيد صياغة الألم في قالب التكريم، وتصنع من دموع المبتلين أنهاراً تروي حدائق العارفين.
إنها لا ترى في البلاء مجرد عقوبة أو نغصان في العيش، ولا تعده نكبة تحل بالضعفاء، بل تراه بطاقة عبور نحو مقامات عليا، ومحرقة تصهر الشوائب، ومصنعاً إلهياً يصنع من الطين العادي خزفاً يعلو به الثمن، ومن الحجر الصلد جوهرة تتلألأ في تاج الملكوت. إنه وسيلة التحول العجيبة من “مُبتلى” يئن تحت وطأة الألم وتتقاذفه أمواج الحيرة، إلى “مُصطفى” تشرق على روحه أنوار الاختيار الإلهي، وتتوج رأسه وسام “إن الله أحب قوماً فابتلاهم”.
دع الأيام تفعل ما تشاء
وطب نفساً إذا حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي
فما لحوادث الدنيا بقاء
وكن رجلاً على الأهوال جلداً
ففعل الخير ما دام الحياء
(الإمام الشافعي رحمه الله)
فما سر هذه المعادلة الربانية؟ وكيف تتحول النار المحرقة إلى نور يضيء الدرب؟ هذا ما يستقصيه هذا التقرير، غائصاً في أعماق النص القرآني، ومتتبعاً خطى الهدي النبوي، ومقتفياً آثار السلف الصالح، ليكشف النقاب عن سيكولوجية الصبر بوصفها أعجوبة القوة النفسية، وآلية التحويل الربانية التي تجعل من المحنة منحة، ومن الجرح مرقاة للسمو، ومن السقوط قفزة نحو العلا.
— الصبر…
( حبس النفس عن الشكوى وتجريدها للعلو)
أولاً… البلاء سنة كونية وميزان اصطفاء
— حين يتأمل الباحث في آيات الذكر الحكيم، لا يجد الابتلاء استثناءً طارئاً في الحياة، بل هو القاعدة المضطردة التي تجري عليها الأكوان، والناموس الأكبر الذي يحكم مسار البشرية. يقول الله تعالى: “أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ” (العنكبوت: 2). فالفتنة إذن شرط الإيمان، ومحك الصدق، وميزان الرجال.
— ويقول الشيخ الدكتور أسامة بن عبد الله خياط، إمام وخطيب المسجد الحرام، شارحاً حقيقة الابتلاء: 1-“يُبتلى المسلم في حياته لحكمةٍ لا يعلمها البشر، بل يعلمها ربّ البشر، وجعل الله تعالى حياة الإنسان في الدنيا تتقلّب بين السعادة والشقاء، والعسر واليسر، والغنى والفقر”.
2- ويؤكد أن “الابتلاء أمر حتمي في حياة المسلم ليميّز الله الخبيث من الطيّب، تلك سنّة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً”.
— بل إن الأمر يتسع ليشمل الخير والشر معاً، قال تعالى: “وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ” (الأنبياء: 35). وهنا يكمن السر الأعظم: فالابتلاء بالخير قد يكون أشد وطأة من الابتلاء بالشر، لأن النفس تميل إلى النعمة كما يميل الفراش إلى النار، فتغفل عن شكر المنعم، فيكون الاستدراج أخذاً بغتة. — يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: “الابتلاء بالخير أشد من الابتلاء بالشر، ألا ترى أن الله تعالى ابتلى بني إسرائيل بالخير فكان وبالاً عليهم، فقال: فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ” .
— وقد جمع الله بين الصبر والشكر في موضعين من كتابه، ليدل على أن المؤمن لا يخلو منهما، وأن كليهما مناط النجاة. قال تعالى: “إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ” (إبراهيم: 5)، (لقمان: 31). وقال ابن القيم في “عدة الصابرين”: “الصبر نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر”.
ثانياً: سيكولوجية الصبر في القرآن: إعادة هيكلة الذات
–الصبر في القرآن ليس استسلاماً للواقع، ولا انتظاراً سلبياً لمجهول، بل هو ثورة على اليأس، وانتصار على النفس الأمارة بالسوء، وجهاد لا ينتهي حتى يحين الوعد الإلهي.
— إنه برنامج عمل نفسي متكامل لإعادة هيكلة الذات الإنسانية على أسس متينة.
— فقد ورد لفظ “الصبر” في القرآن الكريم في ثلاثة ومائة موضع (103)، ولا نعلم شيئاً ذكره الله بهذا العدد إلا الصبر، مما يدل على عظم منزلته. ويكشف التحليل اللغوي أن المعنى المحوري للصبر هو “الحبس” و “المنع” .
— يقول الطبري في تفسيره: “أصل الصبر: منع النفس محابها، وكفها عن هواها”. فهو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشكي.
— وهذه السيكولوجية القرآنية تقدم آليات متعددة للارتقاء:
1- الصبر بمعنى الثبات (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا):
— وهو تدريب للنفس على عدم الانهيار أمام الصدمات، كالجبل الراسخ أمام العواصف. في قصة نوح -عليه السلام- الذي مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم ليل نهار، سراً وجهاراً، لا يزيدهم دعاؤه إلا فراراً، نرى نموذجاً فريداً للصبر الإيجابي الفاعل الذي لا يعرف اليأس. إنه “صبر أولي العزم” الذي يستحق التنويه الإلهي: “فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ” (الأحقاف: 35).
— وقد قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ” (البقرة: 153). فالصبر يجلب المعية الإلهية الخاصة، وهي أعلى مراتب القرب النفسي. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: “معية الله للصابرين بالعون والنصر والتأييد”.
2- الصبر بمعنى اليقين والإمامة:
— هناك معادلة ذهبية وضعها الإمام ابن القيم عن شيخه ابن تيمية، صارت دستوراً للسالكين: “بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين” .
— ويتلوها قوله تعالى: “وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ” (السجدة: 24). فالصبر هنا هو الرافعة التي ترفع الإنسان من درجة الاتباع إلى درجة الإمامة والاقتداء.
— إنه ليس مجرد فضيلة عابرة، بل هو صنعة القادة، وطريق الزعامة الدينية والدنيوية.
3- الصبر بمعنى التلقي بلا حدود:
— هناك مفارقة كونية عجيبة في ميزان الله: فكل الحسنات تُوزن وتُحسب، إلا حسنة الصبر، فهي تخرج عن نطاق العدّ الإلهي إلى نطاق الكرم الإلهي المطلق. — يقول تعالى في الحديث القدسي: “إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ” (الزمر: 10).
— ويعلق الإمام الغزالي على هذه الآية في “إحياء علوم الدين” قائلاً: “فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر، فإنه لا نهاية له، لأنه صفة الربوبية”.
— إنه الأجر المطلق الذي لا تحده حدود، لأن الصابر قد تحلى بخلق من أخلاق الله، والله هو “الصبور”.
4- الصبر مرتبطاً باليقين والتوكل:
— يقول الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: “الصبر صبران: صبرٌ لله، وصبرٌ بالله. فالصبر لله: غايته، والصبر بالله: عدته” .
— فمن صبر بالله (أي استمد قوته من الله وعونه) لم يهتز، ومن صبر لله (أي كانت نيته خالصة لوجهه) أثابه الله.
— وهذه إشارة دقيقة إلى أن الصبر ليس قوة ذاتية، بل هو استمداد من القوة الإلهية.
ثالثاً… السنة النبوية ومدرسة الرضا
— في السنة النبوية، يبلغ المفهوم ذروته في البيان النبوي العظيم الذي يقلب الموازين: “عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِن، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيْراً له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْراً له” (رواه مسلم).
— هنا يتحول الواقع كله إلى خير محض، ليس لذاته، بل لقدرة المؤمن على التعامل معه بصبر وشكر. والرضا يحول الضراء إلى خير، والشكر يجعل السراء باباً للعلو.
— ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن عِظَم الجزاء من عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط” (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
— في هذا الحديث جوهر التحول من “المُبتلى” إلى “المُصطفى” ، فابتلاء الله للعبد ليس دليل غضب، بل هو في أغلب الأحيان دليل محبة وتكريم، يريد الله أن يرى عبده في أحواله كلها عبداً، في الشدة والرخاء، في المرض والصحة.
— وقال صلى الله عليه وسلم: “والصبر ضياء” (رواه مسلم).
— فهو نور نفسي يبدد ظلام القلق، ويصاحبه معاناة تصقل الروح. والضياء نار تحرق وتضيء في آن، كذلك الصبر يؤلم لكنه ينير الطريق.
— ومن أعظم ما ورد في السنة: “ما أُعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر” (متفق عليه). وفي رواية: “ومن يتصبر يصبره الله” (البخاري)، أي أن الله يمنح الصبر لمن يسعى إليه، فهو استمداد من معين لا ينضب.
رابعاً…..أقوال السلف.. الصبر في الميدان
— ينقل السلف الصالح هذه المعاني إلى أرض الواقع العملي، فيجسدونها نماذج حية ناطقة:
1- عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: يختصر الدنيا كلها في كلمة جامعة مانعة: “أدركنا خيرَ عيشنا الصبر” . إنه إعلان صريح أن السعادة الحقيقية ليست في انتفاخ الأموال أو صحة الأبدان، بل في سعة الصدر التي تأتي من الصبر.
2- علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: يضع الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ويقول: “ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له” . ويصفه بأنه “مطية لا تكبو” ، أي الدابة التي لا تتعثر، توصل راكبها إلى غاياته مهما كان الطريق وعراً. وفي كرم الله يقول: “الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد” .
3- عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: يضرب المثل الأعلى في التصور العقدي للتعويض الإلهي، قائلاً: “ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه، فعاضه مكانها الصبر، إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه” . فإذا أخذ الله منك عافية جسدك، وعوضك صبراً جميلاً، تكون قد ربحت الصفقة. وإذا أخذ منك ولدك وعوضك صبراً جميلاً، كانت الجنة مثواه.
4- الحسن البصري -رحمه الله-: يصف الصبر بأنه “كنزٌ من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده” . ويضيف تصويراً بديعاً: “ما جرعتين أحب إلى الله من جرعة مصيبة موجعة محزنة، ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر، وجرعة غيظ ردها بحلم” .
5- الجنيد -رحمه الله-: يُعرّف الصبر بأنه “تجرُّع المرارة من غير تعبُّس” ، وهو هنا يرسم الملامح النفسية والسلوكية للصابر الذي يستقبل أقدار الله المؤلمة بوجه بشوش لا يعرف العبوس، مقتدياً بالنبي ﷺ الذي كان إذا اشتد به البلاء قال: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي” ولم يتعتبس وجهه الشريف.
6- الإمام ابن القيم -رحمه الله-: يضع تصنيفاً دقيقاً، فيذكر أن “الصبر الجميل: الذي لا شكوى معه” ، مستلهماً ذلك من قول الله عن نبي الله يعقوب: “فَصَبْرٌ جَمِيلٌ” (يوسف: 18). ثم يشرح: “صبر جميل لا جزع فيه، ولا شكوى إلى الخلق”.
7- الفضيل بن عياض -رحمه الله-: يقول في تفسير قوله تعالى “سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ” : “صبروا على ما أمروا به، وصبروا عما نهوا عنه”.
8- ميمون بن مهران -رحمه الله-: يقول: “الصبر صبران: فالصبر على المصيبة حسن، وأفضل منه الصبر عن المعصية” . فالصبر عن المعصية أشد، لأن النفس تتوق إليها، بينما المصيبة تأتي كرهاً.
9- أبو سليمان الداراني -رحمه الله-: يقول: “إنما خرج أهل البلاء من البلاء وهم في نعيم، فقيل لهم: بم؟ قالوا: صبروا عليها في الدنيا فصارت ريحانة في الآخرة” .
خامساً: فضائل الصبر في الإسلام (في القرآن والسنة)
أ- في القرآن الكريم:
1- المعية الإلهية: “وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ” (الأنفال: 46).
2- البشارة العظيمة: “وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ” (البقرة: 155-157). الصلوات هنا هي الثناء في الملأ الأعلى.
– الأجر غير المحدود: “إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ” (الزمر: 10).
4- الإمامة في الدين: “وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا” (السجدة: 24).
5- الخيرية المطلقة: “وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ” (النحل: 126).
6- النجاة من كيد الأعداء: “وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا” (آل عمران: 120).
7- محبة الله: “وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ” (آل عمران: 146).
ب- في السنة النبوية:
1- أفضل العطاء: “وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر” (متفق عليه).
2- الصبر ضياء: “والصبر ضياء” (رواه مسلم).
3- التصبر يجلب الصبر: “ومن يتصبر يصبره الله” (متفق عليه).
4- عجب أمر المؤمن: حديث “عجباً لأمر المؤمن” المتقدم.
5- عظم الجزاء مع عظم البلاء: حديث “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء” .
6- تكفير السيئات: “ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه” (متفق عليه).
7- رفعة الدرجات: “إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، حتى يبتليه الله بشيء في جسده، فيبلغها بذلك” (رواه أحمد وصححه الألباني).
سادساً: فضائل الشكر في الإسلام
أ- في القرآن الكريم:
1- الزيادة في النعم: “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ” (إبراهيم: 7).
2- رضا الله: “وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ” (الزمر: 7).
3- الجزاء العظيم: “وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ” (آل عمران: 144).
4- النجاة من العذاب: “مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ” (النساء: 147).
5- صفة الأنبياء: قال عن نوح: “إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا” (الإسراء: 3). وقال عن إبراهيم: “شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ” (النحل: 121).
ب- في السنة النبوية:
1- الشكر نصف الإيمان: كما تقدم عن ابن القيم.
2- قيام الليل شكراً: كان النبي ﷺ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: “أفلا أكون عبداً شكوراً” (متفق عليه).
3- دعاؤه: “اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك” (رواه أبو داود والنسائي).
4- شكر الناس: “من لا يشكر الناس لا يشكر الله” (رواه أحمد وأبو داود والترمذي).
سابعاً: نماذج من صبر المصطفين.
(للتطبيق العملي)
1- صبر أيوب عليه السلام: نموذج فريد في الصبر على المرض وفقدان الأهل والمال. قال تعالى: “إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ” (ص: 44). لم يتسخط، ولم يشتك لغير ربه، بل نادى ربه بأدب جميل: “أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ” .
2- صبر يوسف عليه السلام: صبر على إخوته الذين ألقوه في الجب، وصبر على العبودية، وصبر على السجن سنوات طويلة، ثم صبر عن المعصية حين راودته امرأة العزيز عن نفسه، فقال: “مَعَاذَ اللَّهِ” . كان صبره سبباً في تمكينه في الأرض.
3- صبر محمد ﷺ: صبر على أذى قريش، وصبر على وفاة أعمامه وأهل بيته، وصبر على حصار الشعب، وصبر على الطائف حتى سالت دماء قدميه الشريفتين، فكان يقول: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي” . هذا هو الصبر المحمدي الذي غير وجه الأرض.
وختاما…. أنت في عين الله.. فاصبر
وها نحن نبلغ ختام هذا التطواف في رياض الصبر، ذلك المقام العظيم الذي جعله الله مفتاحاً لكل خير، وسلاحاً لكل مؤمن، ومطية تبلغ بالعبد أعلى الدرجات.
إن النظرة القرآنية والهدي النبوي وتجارب السلف تكشف عن حقيقة ساطعة كالشمس: الصبر هو مهبط السكينة، ومفتاح الفرج، وآلية الارتقاء الكبرى.
إنه ليس مجرد تحمل قاسٍ لألم عابر، بل هو إدراك عميق أن الإنسان في كل لحظة من لحظات ضعفه وبلائه، هو في معية الله الخاصة، وتحت عينه التي لا تنام.
لقد كان بعض العارفين يخرج من جيبه رقعة كل وقت ينظر فيها، وكان مكتوباً فيها: “وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا” (الطور: 48). هذه الآية هي لب الرسالة: أنت تحت أعيننا. أنت في كنفنا. أنت المُراد. أنت من اخترناك لهذا المقام.
فيا أيها المُبتلى، إن كنت تحسب نفسك وحدك في محنتك، فاعلم أن دموعك توزن عند الله بميزان الذهب، وأن أنينك يُسمع في الملأ الأعلى، وأن ملائكة الرحمن تستغفر لك في جوف الليل.
إنها ليست مجرد محنة تمر بها، بل هي رسالة خاصة من الله إليك، يقول لك فيها: “أنت عزيز عليّ، وأنا أريد أن أسمع صوتك، وأرى تضرعك، ثم أعوضك عوضاً لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر”.
اصبر قليلاً، فعمر الدنيا قصير، ونعيمها حقير، وما عند الله “خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ صَبَرُوا” (الشورى: 36).
اجعل من جراحك نجوماً تضيء لك الطريق، ومن آلامك سلماً تصعد به إلى الله.
وتذكر دائماً وعد الله الذي لا يتخلف: “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا” (الشرح: 5-6). يسران بوعد الله، عسر واحد ويسران، فهذه هي هندسة الله للكون: كل ضيق يعقبه سعتان، وكل شدة يعقبها فرجان.
وإن للصابرين منزلة لا تعلوها منزلة، يسمعون يوم القيامة نداءً تخلد له الأرواح: “سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ” (الرعد: 24). سلام من الرب الرحيم، على عباده الصابرين، جزاء ما صبروا في الدنيا على الطاعة، وعن المعصية، وعلى البلاء.
على قدرِ أهلِ العَزمِ تأتي العَزائِمُ
وتأتي على قدرِ الكِرامِ المكارمُ
وتَعظُمُ في عينِ الصَّغيرِ صِغارُها
وتَصغُرُ في عينِ العَظيمِ العَظائِمُ
ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج
فاصبر، فإن الله مع الصابرين.
فاصبر، فإن مع العسر يسراً.
فاصبر، فإنك بأعيننا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


