
الميثولوجيا وفنون التصوير… من أسطورة الخلق إلى أسطورة الصورة الرقمية، حين يتحول الخيال الإنساني إلى واقع بصري..رحلة الأسطورة من الذاكرة الإنسانية إلى عوالم الصورة المعاصرة.- إعداد: فريد ظفور.
من حكايات الآلهة والأبطال والرموز القديمة إلى عدسة الكاميرا والسينما والتصوير الرقمي والحاسوبي والتخليق البصري بالذكاء الاصطناعي… رحلة الأسطورة من الذاكرة الإنسانية إلى عوالم الصورة المعاصرة
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: عندما تلتقي الأسطورة بالضوء
منذ فجر الحضارات، لم يكن الإنسان يكتفي بمشاهدة العالم من حوله، بل كان يسعى إلى تفسير أسراره، وفهم ظواهره، وإيجاد إجابات لأسئلته الكبرى حول الخلق والحياة والموت والخلود. ومن هذه الحاجة الإنسانية العميقة ولدت الأساطير، وتحولت مع مرور الزمن إلى منظومات من الحكايات والرموز والمعتقدات التي شكلت الذاكرة الثقافية والحضارية للشعوب.
واليوم، وبعد آلاف السنين، لم تختفِ الأسطورة من حياة الإنسان، بل انتقلت من جدران المعابد والمخطوطات والمنحوتات إلى شاشات السينما، وعدسات الكاميرات، وأجهزة التصوير الرقمي، ومنظومات التصوير الحاسوبي، وصولاً إلى تقنيات التخليق البصري والذكاء الاصطناعي التوليدي.
وهنا تبرز علاقة استثنائية بين الميثولوجيا (Mythology) وفنون التصوير بمختلف أشكالها؛ فالكاميرا لم تعد مجرد أداة لتسجيل ما تراه العين، بل أصبحت وسيلة لإعادة بناء العوالم الأسطورية، وتجسيد الرموز القديمة، وصناعة مشاهد تتجاوز حدود الواقع المادي إلى فضاءات الخيال والفلسفة والتأويل.
إنها رحلة من الأسطورة التي كان الإنسان يرويها بالكلمات، إلى الصورة التي بات قادراً على صناعتها بالضوء والعدسات والخوارزميات.
أولاً: الميثولوجيا… علم الأساطير وذاكرة الحضارات
الميثولوجيا مصطلح يوناني الأصل (Mythologia)، يتكون من مقطعين:
- Mythos – ميثوس: وتعني الحكاية أو القصة أو الرواية المنقولة.
- Logos – لوغوس: وتعني القول أو الدراسة أو البحث أو المنطق، بحسب السياق.
ويشير المصطلح إلى علم دراسة الأساطير، وإلى مجموع الحكايات التقليدية التي تناقلتها الشعوب عبر الأجيال، والمتصلة بأصل الكون والآلهة والأبطال والظواهر الطبيعية والحياة والموت.
ولم تكن الأساطير مجرد قصص خيالية للتسلية، بل أدت وظائف ثقافية ودينية واجتماعية وفلسفية، إذ حاولت تفسير البرق والرعد والفيضانات والفصول، والإجابة عن تساؤلات الإنسان حول بداية الخلق ونهاية العالم ومصير الروح.
كما أسهمت في ترسيخ القيم والعادات، وتشكيل الهوية الجماعية، وصناعة منظومات رمزية تعبر عن تصورات الشعوب للكون والطبيعة والوجود.
ومن أشهر المنظومات الميثولوجية:
- الميثولوجيا اليونانية: زيوس وبوسيدون وأثينا وهرقل وبروميثيوس.
- الميثولوجيا المصرية القديمة: رع وأوزيريس وإيزيس وحورس وأنوبيس.
- الميثولوجيا الرافدينية: جلجامش وعشتار وإنكي ومردوخ.
- الميثولوجيا الكنعانية والأوغاريتية: بعل وإيل وعشتارت ويم وموت.
- الميثولوجيا النوردية: أودين وثور ولوكي وفريا وراجناروك.
وكل منظومة من هذه المنظومات تمثل عالماً بصرياً ورمزياً غنياً، يمكن للفنان والمصور والسينمائي أن يستلهم منه موضوعات لا تنتهي.
ثانياً: الميثولوجيا والتصوير الضوئي… عندما تتحول الأسطورة إلى مشهد فوتوغرافي
قد يبدو للوهلة الأولى أن التصوير الفوتوغرافي والميثولوجيا ينتميان إلى عالمين مختلفين؛ فالأول يرتبط بتسجيل الضوء المنعكس عن الأشياء، والثاني يرتبط بالحكايات القديمة والخيال والرموز الخارقة للطبيعة.
لكن العلاقة بينهما أعمق من ذلك بكثير.
فالتصوير الضوئي لا يقتصر على توثيق الواقع، وإنما يمتلك قدرة فنية على إعادة تشكيله، وتقديمه من خلال رؤية ذاتية ومفاهيمية، تسمح للمصور بتحويل الحكاية الأسطورية إلى تكوين بصري يحمل دلالات فلسفية وجمالية.
ويمكن للمصور استلهام الأساطير في عدة اتجاهات:
1. التصوير المفاهيمي (Conceptual Photography)
يقوم على تحويل الفكرة الفلسفية أو الأسطورية إلى صورة تحمل رسالة رمزية.
فيمكن مثلاً استلهام أسطورة بروميثيوس، الذي ارتبط بسرقة النار ومنحها للبشر، لتصوير اليد البشرية وهي تحمل شعلة مضيئة وسط الظلام، في إشارة إلى المعرفة والاكتشاف والتمرد على المجهول.
2. التصوير الرمزي (Symbolic Photography)
يعتمد على توظيف عناصر ذات دلالات ثقافية وأساطيرية، مثل المرآة والماء والأقنعة والثعابين والأجنحة والنار والطيور.
فقد تتحول المرآة إلى رمز للذات، والماء إلى رمز للتجدد، والثعبان إلى إشارة إلى التحول أو الخطر أو الحكمة، تبعاً للسياق الثقافي للعمل.
3. التصوير السريالي (Surreal Photography)
يتيح للمصور تجاوز القواعد المنطقية للواقع، وابتكار مشاهد تجمع بين عناصر غير متجانسة، مثل إنسان بأجنحة طائر، أو مدينة معلقة في السماء، أو كائنات أسطورية تعيش داخل فضاء معماري واقعي.
4. التصوير الدرامي (Dramatic Photography)
من خلال الإضاءة الحادة، والظلال العميقة، والتباين بين النور والعتمة، يمكن بناء مشاهد تستحضر الصراع الأسطوري بين قوى الخير والشر، والحياة والموت، والنور والظلام.
5. التصوير التشكيلي والبورتريه الأسطوري
يستطيع المصور إعادة تقديم الشخصيات الميثولوجية من خلال المكياج والأزياء والإكسسوارات وتعبيرات الوجه ووضعيات الجسد، بحيث تتحول الشخصية البشرية إلى تجسيد معاصر لإحدى الشخصيات الأسطورية.
وهنا يصبح المصور مؤلفاً بصرياً يعيد كتابة الأسطورة بواسطة الضوء، بدلاً من الكلمات.
ثالثاً: الميثولوجيا والتصوير السينمائي… الأسطورة تتحرك على الشاشة
إذا كان التصوير الفوتوغرافي يجمد لحظة من الزمن، فإن التصوير السينمائي يمنح الأسطورة القدرة على الحركة والتنفس والتطور الدرامي.
فالسينما من أكثر الفنون قدرة على إعادة بناء العوالم الميثولوجية، لأنها تجمع بين الصورة المتحركة والصوت والموسيقى والحركة والديكور والإضاءة والمؤثرات البصرية.
ومن خلال لغة السينما، يمكن تحويل الأساطير القديمة إلى عوالم متكاملة، تضم المعابد والمدن الخيالية والآلهة والأبطال والمخلوقات الخارقة والمعارك الكونية.
وتظهر العلاقة بين الميثولوجيا والتصوير السينمائي في عناصر أساسية:
أ- التكوين السينمائي (Cinematography):
اختيار زاوية التصوير، وحجم اللقطة، وحركة الكاميرا، والعمق البصري، كلها عناصر تساهم في تقديم الشخصية الأسطورية بصورة تليق بمكانتها الدرامية.
فاللقطة المنخفضة قد تمنح الشخصية إحساساً بالعظمة والهيمنة، بينما تستطيع اللقطة الواسعة أن تكشف ضآلة الإنسان أمام قوى الطبيعة والكون.
ب- الإضاءة السينمائية (Cinematic Lighting):
تلعب الإضاءة دوراً محورياً في تشكيل العالم الأسطوري؛ فالضوء الذهبي قد يوحي بالألوهية والقداسة، والضوء الأزرق بالبرودة والغموض، والظلال القوية بالصراع والخطر.
ج- تصميم المشهد (Production Design):
يساهم بناء الديكورات والأزياء والعمارة والإكسسوارات في إقناع المشاهد بوجود عالم أسطوري متكامل، حتى وإن لم يكن له وجود مادي.
د- المؤثرات البصرية (Visual Effects – VFX):
تسمح بإظهار الكائنات الخارقة والظواهر الكونية والمدن المفقودة والمخلوقات العملاقة، وتحويل التصورات الأسطورية إلى مشاهد قابلة للمشاهدة.
ومن النماذج السينمائية التي استلهمت الميثولوجيا أعمال مثل فيلم Clash of the Titans، وأفلام Thor، وفيلم Troy، التي أعادت تقديم شخصيات وحكايات مستمدة من التراث الأسطوري، مع اختلاف مستويات الالتزام بالمرويات الأصلية.
إن السينما هنا لا تكتفي بنقل الأسطورة، بل تعيد تفسيرها وفق لغة العصر واحتياجات السرد البصري الحديث.
رابعاً: الميثولوجيا والتصوير الرقمي (Digital Photography)… من تسجيل الواقع إلى بناء الرؤية
أحدث التصوير الرقمي تحولاً جوهرياً في العلاقة بين الإنسان والصورة؛ إذ لم تعد الصورة تعتمد على التفاعل الكيميائي داخل الفيلم الحساس، بل أصبحت تُسجل في هيئة بيانات رقمية تتكون من وحدات البكسل (Pixels).
وقد منح هذا التحول المصور إمكانات غير مسبوقة في التحكم بالصورة ومعالجتها وتعديل ألوانها ودرجاتها اللونية ودمج عناصرها.
وهذه الإمكانات فتحت آفاقاً جديدة أمام استلهام الميثولوجيا.
فيمكن للمصور الرقمي أن يلتقط صورة حقيقية لموقع أثري، ثم يعيد معالجتها لتبدو وكأنها مدينة أسطورية قديمة، أو يصور شخصاً في الاستوديو ثم يدمجه مع خلفية خيالية مستوحاة من الأساطير المصرية أو اليونانية.
ومن أبرز الأدوات والتقنيات المستخدمة:
- RAW Processing: معالجة الملفات الخام واستخراج التفاصيل اللونية والضوئية.
- Digital Compositing: دمج عدة صور في مشهد واحد متكامل.
- Digital Matte Painting: إنشاء خلفيات وبيئات بصرية خيالية.
- Color Grading: بناء الهوية اللونية والمزاج الدرامي للصورة.
- HDR Imaging: توسيع المجال الديناميكي لإظهار التفاصيل في المناطق المضيئة والظلال.
- Retouching: معالجة العناصر وتعديلها لتحقيق الرؤية الفنية المطلوبة.
وهكذا تتحول الصورة الرقمية إلى مساحة إبداعية يستطيع المصور من خلالها إعادة بناء العالم الأسطوري، مستفيداً من عناصر الواقع ومن إمكانات المعالجة الرقمية.
لكن القيمة الفنية لا تكمن في كثرة المؤثرات، وإنما في قدرة المصور على توظيفها لخدمة الفكرة والدلالة.
خامساً: الميثولوجيا والتصوير الحاسوبي (Computational Photography)… عندما تدخل الخوارزميات إلى عالم الأسطورة
يمثل التصوير الحاسوبي مرحلة متقدمة في تطور التصوير، إذ لم تعد الصورة ناتجة فقط عن مرور الضوء عبر العدسة ووصوله إلى المستشعر، بل أصبحت نتاجاً مشتركاً بين الالتقاط البصري والمعالجة الحسابية والخوارزميات البرمجية.
فالتصوير الحاسوبي يستخدم البيانات الضوئية الملتقطة، ويعالجها حسابياً للوصول إلى صورة أو معلومات بصرية تتجاوز أحياناً ما يمكن الحصول عليه من لقطة واحدة تقليدية.
ومن تطبيقاته المعروفة:
1. التصوير متعدد الإطارات (Multi-Frame Imaging):
دمج عدة لقطات مختلفة للحصول على صورة أكثر وضوحاً أو مجال ديناميكي أوسع، أو تقليل الضجيج الرقمي.
2. التصوير الحاسوبي للعمق (Depth Mapping):
استخلاص معلومات العمق والمسافات بين العناصر، بما يسمح بإعادة بناء المشهد أو تغيير مناطق التركيز.
3. التصوير البانورامي (Panoramic Imaging):
دمج مجموعة من الصور في مشهد واسع، يمكن توظيفه في إعادة بناء البيئات المعمارية والأسطورية.
4. إعادة البناء ثلاثي الأبعاد (3D Reconstruction):
إنشاء نماذج رقمية للأجسام والمواقع اعتماداً على صور متعددة وتقنيات مثل التصوير المجسم من الحركة (Structure from Motion – SfM).
5. التصوير الحجمي (Volumetric Imaging):
تمثيل الأشخاص والأجسام والفضاءات في صورة ثلاثية الأبعاد قابلة للمشاهدة من زوايا مختلفة، وفق التقنية المستخدمة.
وهنا تبرز إمكانية توظيف التصوير الحاسوبي في إعادة بناء المعابد القديمة، والتماثيل المتضررة، والمواقع الأثرية، أو تصميم عوالم افتراضية تستحضر الحضارات والأساطير.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن الإنسان الذي كان يتخيل الآلهة والكائنات الخارقة في الماضي، أصبح يمتلك اليوم أدوات حسابية قادرة على بناء نماذج بصرية شديدة التعقيد لهذه التصورات.
سادساً: الميثولوجيا والتخليق الحاسوبي (Computer-Generated Imagery – CGI)… صناعة عوالم لم ترها العين
يُعد التخليق الحاسوبي للصور أحد أهم التحولات في تاريخ الفنون البصرية، فهو يسمح بإنشاء عناصر ومشاهد رقمية لا تتطلب وجوداً مادياً أمام الكاميرا.
ومن خلال برامج النمذجة ثلاثية الأبعاد والتحريك والمحاكاة، يستطيع الفنان إنشاء كائنات أسطورية ومدن خيالية ومعابد وفضاءات كونية.
وتشمل أبرز تقنياته:
النمذجة ثلاثية الأبعاد (3D Modeling): إنشاء مجسمات رقمية لشخصيات أسطورية مثل العمالقة والتنانين والآلهة والأبطال.
الإكساء الرقمي (Texturing): منح المجسمات أسطحاً ومواد تحاكي الحجر والجلد والمعادن والأنسجة القديمة.
الإضاءة الحاسوبية (CG Lighting): بناء مصادر ضوئية افتراضية تحاكي ضوء الشمس أو النار أو الأجرام السماوية.
المحاكاة الفيزيائية (Physics Simulation): إنتاج حركة المياه والدخان والنار والانفجارات والرياح بطريقة تحاكي السلوك الفيزيائي.
التحريك ثلاثي الأبعاد (3D Animation): إحياء الشخصيات والمخلوقات الأسطورية ومنحها الحركة والتعبير.
المؤثرات البصرية (VFX): دمج العناصر الحاسوبية مع المشاهد المصورة بالكاميرا الحقيقية.
ومن خلال هذه التقنيات يمكن إعادة تشكيل عالم جلجامش، أو بناء أولمبوس الأسطوري، أو تخيل رحلة رع في السماء والعالم السفلي، أو ابتكار كائنات مستوحاة من الميثولوجيا الكنعانية.
وهنا يصبح التخليق الحاسوبي امتداداً معاصراً للفن التشكيلي والنحت والسينوغرافيا، لكنه يعمل بلغة هندسية وضوئية وخوارزمية.
سابعاً: الميثولوجيا والذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)… الأسطورة في عصر الصورة التي تصنع نفسها
دخلت العلاقة بين الميثولوجيا والتصوير مرحلة جديدة مع ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي تستطيع إنشاء صور جديدة انطلاقاً من أوصاف نصية أو صور مرجعية أو تعليمات متعددة الوسائط.
لقد أصبح بالإمكان كتابة وصف مثل: «إله الشمس في الحضارة المصرية القديمة يقف أمام معبد ضخم عند شروق الشمس، بأسلوب تصوير سينمائي واقعي»، لتقوم المنظومة بتوليد تصور بصري لهذا المشهد.
لكن ما يحدث هنا ليس تصويراً فوتوغرافياً تقليدياً، بل عملية تخليق بصري حاسوبي تعتمد على نماذج تعلم آلي مدربة على مجموعات كبيرة من البيانات.
وتتعدد استخدامات الذكاء الاصطناعي في هذا المجال:
- Text-to-Image: تحويل الوصف النصي إلى صورة.
- Image-to-Image: إعادة توليد صورة اعتماداً على صورة مرجعية.
- AI Inpainting: إضافة عناصر أو استكمال مناطق داخل الصورة.
- AI Outpainting: توسيع المشهد خارج حدوده الأصلية.
- Style Transfer: تحويل المظهر الفني للصورة إلى أسلوب بصري مختلف.
- AI Video Generation: توليد مقاطع فيديو من الأوصاف النصية أو الصور.
- AI Animation: إضفاء الحركة على الشخصيات والمشاهد المولدة.
وتفتح هذه التقنيات آفاقاً واسعة أمام الفنانين والمصورين لإعادة تخيل الأساطير، وصناعة مشاهد تجمع بين التاريخ والخيال، وبين الرموز القديمة واللغة البصرية المعاصرة.
ومع ذلك، تبرز قضية مهمة تتعلق بالأمانة التاريخية والفنية؛ فالصورة التي يولدها الذكاء الاصطناعي لا تصبح وثيقة تاريخية لمجرد أنها تبدو واقعية. وقد ينتج النظام تفاصيل معمارية أو أزياء أو رموزاً غير صحيحة تاريخياً.
لذلك ينبغي التمييز بين الصورة التوثيقية، والصورة التفسيرية، والصورة الفنية المتخيلة، والإفصاح عن استخدام التخليق الاصطناعي عندما يكون ذلك ضرورياً لفهم طبيعة العمل.
إن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح شكلاً جديداً للأسطورة، لكن الفنان هو الذي يحدد رؤيتها ودلالتها وموقفها الثقافي والجمالي.
ثامناً: من الصورة الفوتوغرافية إلى الصورة الخوارزمية… تحولات مفهوم الحقيقة البصرية
تمنحنا الميثولوجيا فرصة للتأمل في التحولات التي طرأت على مفهوم الصورة نفسها.
فالصورة الفوتوغرافية التقليدية ترتبط بحدث ضوئي وقع أمام الكاميرا، وإن كانت تتأثر باختيارات المصور والعدسة والتعريض والمعالجة.
أما الصورة الرقمية فتتحول إلى بيانات قابلة للتعديل والتركيب.
والتصوير الحاسوبي يضيف طبقة من الحسابات والخوارزميات التي تشارك في بناء النتيجة البصرية.
بينما يستطيع التخليق الحاسوبي والذكاء الاصطناعي إنتاج صور لمشهد لم يحدث أمام أي كاميرا أصلاً.
ويمكننا تلخيص هذا التحول في أربع مراحل:
- التسجيل البصري (Optical Recording): التقاط الضوء المنعكس عن العالم.
- التمثيل الرقمي (Digital Representation): تحويل الإشارة الضوئية إلى بيانات وبكسلات.
- المعالجة الحسابية (Computational Processing): استخدام الخوارزميات لتحليل الصورة وإعادة بنائها وتحسينها.
- التخليق البصري (Visual Synthesis): إنشاء مشاهد وصور جديدة اعتماداً على النماذج الحاسوبية والذكاء الاصطناعي.
وهذا التطور يطرح أسئلة فلسفية عميقة:
هل كل صورة واقعية بالضرورة؟ وهل يمكن لصورة لم يلتقطها الضوء عن مشهد حقيقي أن تحمل قيمة فنية؟ وأين تنتهي حدود التصوير وتبدأ حدود الرسم والتخليق الحاسوبي؟
إنها أسئلة لم تعد تخص التقنيين وحدهم، بل أصبحت جزءاً من فلسفة الصورة المعاصرة، ومن مسؤولية المصور والفنان والباحث في فهم طبيعة الوسيط البصري الجديد.
تاسعاً: مشروع بصري مقترح… إعادة بناء الأساطير عبر فنون التصوير الحديثة
يمكن للفنان أو المصور أن يحول العلاقة بين الميثولوجيا والتقنيات البصرية إلى مشروع فني متكامل، يحمل عنوان:
«الميثولوجيا… من الذاكرة الأسطورية إلى الصورة الخوارزمية»
ويمكن تنفيذ المشروع عبر مجموعة من المحاور:
المحور الأول: الأسطورة الفوتوغرافية
إنتاج سلسلة بورتريهات وشخصيات مستوحاة من الآلهة والأبطال، باستخدام الإضاءة الدرامية والأزياء والرموز.
المحور الثاني: الأسطورة السينمائية
تصوير مشاهد قصيرة تحاكي الحكايات القديمة، مع توظيف حركة الكاميرا والمؤثرات الصوتية والإضاءة والمونتاج.
المحور الثالث: الأسطورة الرقمية
إنتاج أعمال مركبة تجمع بين التصوير الحقيقي والخلفيات الرقمية والعناصر المصممة حاسوبياً.
المحور الرابع: الأسطورة الحاسوبية
إعادة بناء مواقع ومعابد وشخصيات أسطورية في بيئات ثلاثية الأبعاد، بالاعتماد على النمذجة والتصوير الحجمي والمحاكاة.
المحور الخامس: الأسطورة التوليدية
استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد تصورات بصرية جديدة للأساطير، مع توثيق مراحل العمل والتمييز بين المصادر التاريخية والخيال الفني.
ومن الممكن أن يتحول هذا المشروع إلى معرض فوتوغرافي أو فيلم بصري تجريبي أو موسوعة رقمية تجمع بين النص والصورة والتوثيق والتحليل الفني.
عاشراً: مسؤولية المصور في قراءة الأسطورة وإعادة إنتاجها
إن استلهام الميثولوجيا لا يعني استخدام الرموز القديمة بطريقة زخرفية أو عشوائية، بل يتطلب معرفة بتاريخ الحضارة التي أنتجتها، وفهم دلالات شخصياتها ورموزها ومعتقداتها.
فإيزيس ليست مجرد امرأة تحمل جناحين، وأوزيريس ليس مجرد ملك متوج، وبعل ليس مجرد شخصية مرتبطة بالعاصفة، وجلجامش ليس مجرد بطل خارق.
إن لكل شخصية سياقاً تاريخياً وثقافياً ودينياً، ولكل رمز شبكة من المعاني التي تختلف باختلاف الحضارة والفترة التاريخية.
ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين المعرفة الميثولوجية والوعي السيميولوجي والخبرة التقنية والجماليات الفوتوغرافية.
فالمصور الناجح لا يكتفي بإنتاج صورة مبهرة، بل يسعى إلى بناء خطاب بصري متماسك، يجعل المتلقي يفكر ويتأمل ويعيد اكتشاف المعنى الكامن خلف المشهد.
خاتمة: من أسطورة الإنسان إلى أسطورة الآلة… هل أصبح الضوء خالقاً لعوالم جديدة؟
لقد قطعت الصورة رحلة طويلة منذ أن حاول الإنسان القديم تخليد معتقداته على جدران الكهوف والمعابد، مروراً باللوحات والمنحوتات والمخطوطات، وصولاً إلى التصوير الفوتوغرافي والسينمائي والرقمي والحاسوبي والتخليق البصري بالذكاء الاصطناعي.
وفي كل مرحلة تغيرت أدوات التعبير، لكن الحاجة الإنسانية إلى الحكاية والرمز والخيال بقيت حاضرة.
كانت الميثولوجيا في الماضي وسيلة الإنسان لتفسير العالم الذي لم يكن يفهم أسراره، وأصبحت اليوم مصدراً فنياً وفلسفياً لإعادة بناء عوالم لم تعد الكاميرا وحدها قادرة على إنشائها.
لقد انتقلنا من الضوء الذي يسجل الواقع، إلى البكسل الذي يمثل الصورة، ثم إلى الخوارزمية التي تحللها وتعيد تركيبها، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي الذي يستطيع تخليق عوالم بصرية كاملة لم ترها العين من قبل.
وبين هذه المراحل تتجدد العلاقة بين الأسطورة والتصوير، وتصبح الكاميرا والبرمجيات والخوارزميات أدوات جديدة لإعادة قراءة الذاكرة الإنسانية.
فالأسطورة لا تنتمي إلى الماضي وحده، والصورة لا تنتمي إلى الواقع وحده؛ وبينهما يقف الفنان، حاملاً الضوء والخيال والمعرفة، ليصنع من الحكاية القديمة رؤية بصرية جديدة.
وربما تكون أعظم مفارقات عصرنا أن الإنسان الذي بدأ بتفسير الكون من خلال الأسطورة، أصبح اليوم يمتلك أدوات حاسوبية قادرة على تخليق أكوان بصرية كاملة؛ لكنه، مهما بلغت قدراته التقنية، سيظل بحاجة إلى الفكرة والخيال والوعي الإنساني كي يمنح الصورة روحها ومعناها.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت



