
عارف دليلة
الاقتصادي الذي واجه الاستبداد بسؤال العدالة
وُلد الدكتور عارف دليلة في اللاذقية عام 1942، ليغدو واحدًا من أبرز الاقتصاديين والمفكرين السوريين الذين تجاوزوا حدود الاختصاص الأكاديمي إلى مساءلة العلاقة بين الاقتصاد والعدالة والسلطة وحقوق الإنسان.
تخرّج في كلية التجارة بجامعة دمشق، ثم نال الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة موسكو الحكومية «لومونوسوف» عام 1972، وعاد إلى سورية حاملًا رؤية ترى التنمية مشروعًا اجتماعيًا وإنسانيًا متكاملًا، لا مجرد مؤشرات وأرقام في تقارير الموازنات.
عمل أستاذًا في جامعة حلب وتولى عمادة كلية الاقتصاد وفق عدد من المصادر، قبل أن ينتقل خلال الثمانينيات إلى الكويت، حيث عمل مستشارًا اقتصاديًا لدى المعهد العربي للتخطيط ووزارة الصناعة والنفط، مكتسبًا خبرة أوسع في قضايا التنمية والاقتصاد العربي.
عاد إلى سورية عام 1986، وواصل مسيرته الأكاديمية في جامعة دمشق حتى عام 1998، حين انتهت خدمته الجامعية في سياق ارتبط بمواقفه النقدية ومطالباته بالإصلاح ومواجهته للفساد والاختلالات البنيوية في الاقتصاد السوري.
وفي مؤلفاته وأبحاثه حول نظرية القيمة والاقتصاد السياسي للتقدم والتخلف والنظام الاقتصادي العالمي، سعى إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين الثروة والسلطة، ورأى أن اقتصادًا ينمو بلا عدالة قد يراكم الأرقام، لكنه يوسّع في الوقت نفسه الفجوة بين الدولة والمجتمع.
ومع انطلاق ربيع دمشق مطلع الألفية، انتقل دليلة من النقد الأكاديمي إلى المجال العام، داعيًا إلى الحريات والمساءلة والإصلاح السياسي والاقتصادي، ومؤكدًا أن مكافحة الفساد لا تستقيم من دون مؤسسات تحمي حق المواطن في السؤال والمشاركة والمحاسبة.
وفي 9 أيلول/سبتمبر 2001 اعتُقل على خلفية نشاطه ومحاضرته الشهيرة «الاقتصاد السوري: مشكلات وحلول»، ثم حُكم عليه بالسجن عشر سنوات، في واحدة من أبرز القضايا التي جسدت إغلاق المجال العام وإنهاء مرحلة ربيع دمشق.
أمضى قرابة سبع سنوات في السجن، بينها فترات طويلة من العزل الانفرادي، وتدهورت حالته الصحية بصورة خطيرة، فيما اعتبرته منظمات حقوقية دولية سجين رأي وطالبت مرارًا بإطلاق سراحه.
خرج من المعتقل في 7 آب/أغسطس 2008 بعفو رئاسي، لكن سنوات السجن لم تدفعه إلى الصمت؛ إذ بقي حاضرًا في النقاش الوطني، متمسكًا بفكرته الأساسية بأن إصلاح الاقتصاد لا ينفصل عن سيادة القانون والحريات العامة وكرامة المواطن.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011 كان دليلة من أوائل الأصوات المعارضة التي انحازت إلى مطالب التغيير، وشارك في تأسيس هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، وتولى موقع النائب الأول لمنسقها العام، محافظًا في الوقت نفسه على موقف نقدي من أخطاء النظام ومسارات المعارضة معًا.
ولعل أبرز ما يميز تجربته أنه لم يمنح أي طرف حصانة من النقد؛ فقد عارض الاستبداد بوضوح، وحذّر في الوقت ذاته من العنف والانقسامات والتبعية السياسية، باحثًا عن مشروع وطني يجعل السوري وحقوقه ومصلحته معيارًا للحكم على السلطة والمعارضة على السواء.
واليوم، تبدو مكانة عارف دليلة في المشهد العام أقل من حجم تجربته وما دفعه من أثمان، وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا حول إنصاف الشخصيات التي سبقت إلى قول ما كان مكلفًا قوله. فدليلة ما يزال حاضرًا في الوجدان السوري وفي تاريخ النضال المدني والفكري، بما يتجاوز حدود التكريم الرسمي أو الحضور المؤسسي.
ويُنظر إلى فكره بوصفه أحد الأصوات الاقتصادية العربية التي قرأت التنمية من زاوية مختلفة؛ مشروعًا إنسانيًا وأخلاقيًا قبل أن تكون مجرد أرقام ومعدلات نمو. ولهذا لا يُختصر عارف دليلة في لقب اقتصادي أو معارض؛ فهو نموذج لمثقف دفع من حريته وصحته ثمنًا لفكرته، وترك سيرة تذكّر بأن الدول لا تُبنى بالنمو وحده، بل بالعدالة والحرية والاعتراف بمن دفعوا ثمن المطالبة بهما..
……………………………….
تحرير: حسان سعد
انفوغرافيك #سوريات_Souriat
رابط المقال في موقع سوريات
https://backend.souriat.com/share/article/1317
***&***
الأخ العزيز د. عارف دليلة خصني بهذا النص المؤثر، الهام، وفيه لمحة عن الأهوال الأسدية الفظيعة التي أنهكت الشعب العربي السوري كله على مدى خمسة وخمسين عاما، وبخاصة الأمهات السوريات.. يقول الأخ عارف:
الرحمة للوالدة الكريمة وطول العمر لك، اخي نصر، ولمحبيك..
عند اعتقالي من قبل ارباب الفساد والاستبداد في ٩/٩ /٢٠٠١، كانت والدتي تنتظر زيارتي لها، وكلما كان يمر يوم على تاخري كانت تسأل: اين عارف ، وعدني سيزورني في الصيف وقد انتهى الصيف؟ وكانوا يقولون لها: إنه مسافر، بينما انا مشغول ب ” ربيع دمشق ” الذي اختتم باعتقالنا! وطالت الشهور حتى اخذت تقول لهم: انكم تكذبون على! وازداد ضعفها حتى الشلل الكامل عن الحركة، ماعدا سلامة السمع والبصر، والكلام الخافت، واضطروا الى أخبارها اني في السجن،وبقيت على هذه الحال سنتين ونصف مستلقية، كاملة الوعي وعديمة الحركة، حتى ودعت هذه الدنيا الفانية.. وفي صباح اليوم التالي، استلمت الجريدة، وفتحتها، واذ قرات النعوة على الصفحة الثالثة ألقيت الجريدة على السرير في الزنزانة الانفرادية (التي قضيت فيها سبع سنوات) وقمت أتمشى ذهابا وايابا وانا استعرض عمر الوالدين المليء بالجهد والجهاد الحقيقي الذي امر الله به عباده، وليس “الجهاد” المعاكس، جهارا نهارا لأوامر الله، مثل بعض ما صدر الى سورية(بعد تنظيف بلدان ولادته منه!) وبعد دقيقتين من تسلمي الجريدة يفتح نافذة الباب الحديدي الشرطي الذي جاءني بالجريدة وهو يلهث من السرعة وينظر الى الجريدة الملقاة على السرير ويقول: ممكن تعطيني الجريدة لخمس دقائق ليطلع عليها مدير السجن ثم اعيدها لك؟ فاعطيته اياها متظاهرا بعدم فتحها، ومتاكدا من ان قيادتهم اطلعت على النعوة فطلبوا منهم عدم تسليمي الجريدة او استعادتها فورا (وكنا في جناح السجن السياسي ممنوعين من اللقاء بأحد او من الخروج من زنزاناتنا، باعتبارنا، بتصنيفهم، أسوأ من أسوأ المجرمين، وحتى من الجواسيس، إذ صدرت خلال اعتقالي خمسة مراسيم عفو اطلق خلالها سراح معظم السجناء الجنائيين المجرمين قانونيا، ولم يطلق سراحي! وهذا”حق!” فهل هناك أخطر ممن قاوم سرقتهم لأهم مورد مالي للخزينة، كما اعترفوا بعظمة لسانهم بعد اعتقالي بسنوات طويلة، إذ قرات في الجرائد مطالبتهم لرامي مخلوف خازن أموالهم المسروقة من أموال الدولة والفقراء الجياع، بعد تشليحه ما استطاعوا من قبل حملة مفتاح الخزنة الجدد، عام ٢٠١٧ ب ٢٣٤ مليار ليرة، من بقايا التهرب الضريبي فقط، على أرباح سيرياتيل (الخليوي المسروق!) والتي كنت قد اعترضت في محاضرات ندوة الثلاثاء الاقتصادي على اهدائها له “لنفسهم”! مجانا، وهم يمررون توقيع عقدها عام ٢٠٠١، بعيد اعتقالنا، بمخالفة فاضحة للدستور والقانون، وكان أول ما سألوني عنه، بدون أي خجل، لحظة اعتقالي، هو عن موقفي من توقيع هذاالعقد!). أعود إلى وفاة الوالدة المجاهدة عقودا طويلة ضد أشد انواع الفقر والحرمان والمعاناة، هي والوالد المجاهد معها، حاملين أعباء معجزة حقيقية بمقاييس هذا الزمان الزفت، يوم استطاعا، من لاشيء على الإطلاق غير عنفوانهم ، ليس فقط أن يقيما أود تسعة أطفال وهما على راسهم، بل ان يوصلانهم الى اعلى مراتب العلم والعمل، ويودعانهم، مجهدين جدا، طبعا، ولكنهما نظيفين كالثلج، مرتاحي الضمير، كالانبياء، غير متهمين ولو برغيف خبز حرام او ورقة نقد مستلبة من احد او من أموال الدولة والشعب! وذهب الشرطي بالجريدة ولم يعد!
فكرت طويلا، وانا اتمشى داخل زنزانتي، وانا اسأل نفسي: هل من سبيل للسماح لي، محاطا بمرافقين من السجن يضمنان عدم افلات “العدو الخطير” من يد العدالة، بالخروج لعشر ساعات كافية للسفر من دمشق الى اللاذقية وحضور جنازة والدتي ومواساة والدي واخوتي واعادتي الى الزنزاتة لاكمل السنوات العشر او اموت قبل اكمالها، حسبما وعدوني، بجد؟ أخذت قلما وورقة وكتبت طلبا بهذه الرغبة الى ادارة السجن، وقبل ان اسلم الكتاب لهم فكرت طويلا، ثم مزقت الكتاب وعدلت عن الفكرة، بعدما توصلت الى يقين تام بان تلبية هكذا طلب ليس من اخلاقهم، فلماذا اكسر نفسي لهم؟ وبعد ايام وانا اسمع الراديو ، وكان المناضل الراحل الصديق ميشيل كيلو قد أصبح ايضا نزيل السجن، قد توفيت والدته وطلب من إدارة السجن اخراجه للمشاركة في وداعها والعودة الى السجن، ورفضوا طلبه، فارتاح ضميري!
ولقد سألت صديقي ميشيل، يوم زارني، بعد سنوات من خروجنا الى الحرية، ان كان فعلا قد طلب منهم ذلك، فاجأبني بانه لم يطلب ذلك ، وانما اخوته طلبوا ذلك وقوبل طلبهم بالرفض! فحمدت الله على صبري ودقة تقديري! وليس على أني اعيش في ظل (“دولة قانون” حريصة على تمكين المجرمين الحقيقيين من الإفلات من العقاب).


