المعتصم بالله الخليفة “المثمن”.. فتح عمورية وغيّر خريطة الحكم العباسي

المعتصم بالله

محمد عبد الرحمن

ارتبط اسم الخليفة العباسي المعتصم بالله بواحدة من أبرز المحطات العسكرية في التاريخ الإسلامي، وهي فتح مدينة عمورية عام 838م، كما ارتبط عهده بتحولات سياسية وعسكرية أثّرت في مسار الدولة العباسية لسنوات طويلة، وبين القوة العسكرية التي أظهرها في حملاته، والقرارات التي أعادت تشكيل العلاقة بين الخليفة والجيش، تبرز شخصية أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد بوصفها شخصية محورية في تاريخ الخلافة العباسية.

تولى المعتصم الخلافة سنة 833م، بعد وفاة أخيه المأمون، واستمر حكمه حتى وفاته سنة 842م. ويُعرف في كتب التاريخ بلقب “المثمن”، لارتباط عدد من محطات حياته وحكمه بالرقم ثمانية، كما كان عهده بداية مرحلة مهمة في صعود نفوذ القادة الأتراك داخل المؤسسة العسكرية العباسية. 

نشأة المعتصم بالله.. ابن هارون الرشيد

هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، وُلد سنة 179 أو 180هـ، الموافق نحو 796م، وهو ابن الخليفة هارون الرشيد، ونشأ في بيت الخلافة العباسية، في مرحلة كانت فيها الدولة تمتلك نفوذًا واسعًا، لكنها واجهت كذلك صراعات على السلطة وتحديات في إدارة الأقاليم.

وخلال عهد أخيه المأمون، اكتسب المعتصم خبرة في الشؤون العسكرية والإدارية، وتولى مسؤوليات مكنته من تعزيز موقعه داخل الأسرة العباسية، وعندما توفي المأمون سنة 833م، بويع المعتصم بالخلافة، ليبدأ عهدًا اعتمد فيه بصورة كبيرة على القوة العسكرية في مواجهة التمردات وحماية حدود الدولة. 

لماذا لُقّب بـ”الخليفة المثمن”؟ 

يُعد لقب “المثمن” من أشهر الألقاب المرتبطة بالمعتصم بالله، وقد أورد السيوطي في كتابه “تاريخ الخلفاء” رواية تربط اللقب بتكرار الرقم ثمانية في عدد من تفاصيل حياته وحكمه.

فالمعتصم هو ثامن الخلفاء العباسيين، وتذكر الرواية أنه تولى الخلافة سنة 218هـ، واستمرت خلافته ثماني سنوات وثمانية أشهر وثمانية أيام، كما ارتبطت به روايات عن عدد أبنائه وفتوحاته، غير أن بعض هذه التفاصيل يرد في كتب التراث ضمن الأخبار التي جمعت المصادفات العددية، ولا ينبغي التعامل مع جميعها باعتبارها حقائق تاريخية متفقًا عليها. 

سامراء.. عاصمة جديدة للخلافة

من أبرز قرارات المعتصم بالله تأسيس مدينة سامراء واتخاذها مقرًا للحكم عام 836م. وجاء هذا القرار في سياق التوتر الذي نشأ بين سكان بغداد وبعض الجنود الأتراك الذين ازداد حضورهم في الجيش العباسي.

اعتمد المعتصم على الجنود الأتراك، ووسّع دورهم في المؤسسة العسكرية، وهو ما منحه قوة يعتمد عليها في مواجهة خصومه. لكن وجود هذه القوات بأعداد كبيرة في بغداد أدى إلى احتكاكات مع السكان، فاختار الخليفة إنشاء مركز جديد يتيح له تنظيم الجيش وإدارة شؤونه بعيدًا عن قلب العاصمة القديمة.

ولم يكن انتقال مركز الحكم مجرد تغيير جغرافي؛ فقد ارتبط بتطورات أوسع في بنية السلطة العباسية، إذ ازداد نفوذ القادة العسكريين الأتراك، وأصبح لهم دور متنامٍ في الحياة السياسية خلال العهود التالية. 

القضاء على بابك الخرمي.. نهاية تمرد استمر سنوات

واجه المعتصم بالله عند توليه الخلافة تحديًا عسكريًا كبيرًا تمثل في حركة بابك الخرمي، التي نشطت في أذربيجان ومناطق مجاورة، وشكلت تهديدًا طويل الأمد للسلطة العباسية.

واستكمل المعتصم الحملة التي بدأت في عهد المأمون، وأسند دورًا رئيسيًا فيها إلى القائد الأفشين حيدر بن كاوس. وبعد سلسلة من المواجهات، تمكن الجيش العباسي من هزيمة قوات بابك والقبض عليه سنة 837م، ثم نُقل إلى سامراء وأُعدم.

مثّل القضاء على الحركة انتصارًا مهمًا للخلافة، بعدما استنزفت المواجهات معها موارد عسكرية ومالية على مدى سنوات. كما عزز نجاح الحملة مكانة الأفشين والقادة الذين اعتمد عليهم المعتصم في إدارة العمليات العسكرية. 

فتح عمورية.. الحملة التي رسخت مكانته العسكرية

تُعد حملة عمورية سنة 838م أشهر الأحداث العسكرية في عهد المعتصم بالله. وجاءت في سياق الصراع المستمر بين الدولة العباسية والإمبراطورية البيزنطية، بعد هجمات بيزنطية على مناطق وثغور تابعة للدولة العباسية، من بينها زبطرة.

جهز المعتصم جيشًا كبيرًا، وقاد الحملة بنفسه، فيما تولى الأفشين قيادة أحد محاورها. وتوجهت القوات نحو عمورية، التي كانت من أهم المدن البيزنطية في آسيا الصغرى، وتتمتع بمكانة عسكرية ورمزية كبيرة.

وبعد حصار المدينة، تمكن الجيش العباسي من اختراق تحصيناتها ودخولها في شهر رمضان سنة 223هـ، الموافق أغسطس 838م. وكان سقوط عمورية ضربة قوية للبيزنطيين، ورسالة تؤكد قدرة الخلافة العباسية على تنفيذ حملات عسكرية واسعة داخل الأراضي المعادية. 

وترتبط الحملة في الذاكرة الشعبية بقصة المرأة التي استغاثت بالخليفة قائلة «وامعتصماه»، لكن التفاصيل المتداولة عن هذه القصة تختلف بين الروايات، لذلك ينبغي التمييز بين الروايات الأدبية الشائعة وما يمكن إثباته من سياق الحملة ومصادرها التاريخية.

الزط والتمردات الداخلية

إلى جانب الحروب الخارجية، واجه المعتصم تحديات داخلية، من بينها تمرد جماعات الزط في جنوب العراق، التي ارتبط نشاطها بتهديد طرق الحركة والتجارة في بعض المناطق. وتذكر المصادر التاريخية أن السلطات العباسية أرسلت حملات عسكرية لمواجهتهم، وانتهت العمليات بنقل جماعات منهم إلى مناطق أخرى.

كما واصل المعتصم التعامل مع حركات معارضة للسلطة العباسية في بعض الأقاليم، معتمدًا على القادة العسكريين في إخمادها. وتكشف هذه الحملات أن الحفاظ على تماسك الدولة كان أحد الملفات الأساسية في عهده، إلى جانب مواجهة الإمبراطورية البيزنطية.

الإرث السياسي والعمراني

ارتبط اسم المعتصم بتأسيس سامراء وتوسيع دورها بوصفها مركزًا للحكم والجيش. وأصبحت المدينة لاحقًا من أبرز المواقع الأثرية التي تكشف عن تطور العمارة العباسية، بما تضمه من قصور ومساجد ومنشآت عمرانية.

لكن إرثه لم يكن عمرانيًا وعسكريًا فقط؛ فقد أسهم الاعتماد المتزايد على القادة الأتراك في تغيير ميزان القوى داخل الدولة. وعلى الرغم من أن هذه السياسة ساعدته على بناء قوة عسكرية موالية له، فإن تنامي نفوذ الجيش في الحياة السياسية أصبح تحديًا متزايدًا للخلفاء الذين جاءوا بعده.

وفاة المعتصم بالله ونهاية عهده

توفي المعتصم بالله في سامراء سنة 842م، بعد حكم استمر نحو ثماني سنوات ونصف. وخلفه ابنه الواثق بالله، الذي ورث دولة ما زالت تتمتع بقوة عسكرية معتبرة، لكنها كانت تشهد في الوقت نفسه تحولات في طبيعة العلاقة بين الخليفة والقادة العسكريين.

******
المصادر
اليوم السابع
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم