المطرب والموسيقار: وديع الصافي…صوت الجبل الذي صار ذاكرة لبنان وأغنية الأرض.- إعداد: فريد ظفور.

وديع الصافي… صوت الجبل الذي صار ذاكرة لبنان وأغنية الأرض

إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
في الحادي عشر من أكتوبر، تحلّ ذكرى رحيل الفنان اللبناني الكبير وديع الصافي، أحد الأصوات التي تجاوزت حدود الغناء لتصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية والوجدانية للبنان والعالم العربي. لم يكن وديع الصافي مجرد مطرب امتلك حنجرة استثنائية، بل كان حارسًا لتراث غنائي عريق، حمل في صوته رائحة الجبل اللبناني، ودفء القرى، وحنين الأرض، وصدق الإنسان البسيط. فمن المواويل والعتابا إلى الأغنية اللبنانية الحديثة، استطاع أن يصوغ لنفسه مدرسة فنية خاصة، جمعت بين أصالة التراث ورحابة التطوير، حتى استحق ألقابًا رافقته طوال مسيرته، وفي مقدمتها «صوت الجبل» و«ريّس الأغنية اللبنانية».
وُلد وديع بشارة يوسف جبرائيل فرنسيس في الأول من نوفمبر عام 1921، في بلدة نيحا الشوفية بجبل لبنان، ونشأ في أسرة كبيرة كان ترتيبه الثاني بين ثمانية إخوة. ومنذ طفولته، كانت الموسيقى تحيط بعالمه؛ فقد تعرّف إلى الميجانا والعتابا من خلال جده، وتعلّم العزف على العود بمساعدة خاله نمر العجيلي، الذي اصطحبه أحيانًا إلى السهرات الموسيقية، حيث كانت الأغنية الشعبية مساحة للبوح والتواصل واستعادة حكايات الناس. ولم ينتظر طويلًا حتى يكشف عن موهبته، إذ غنّى أمام نظيرة جنبلاط وهو في الثامنة من عمره، في بداية مبكرة لمسيرة كان مقدّرًا لها أن تمتد عقودًا طويلة.
انتقلت أسرته إلى بيروت عام 1930 بحثًا عن ظروف معيشية أفضل، فالتحق بمدرسة دير المخلّص، وانضم إلى جوقتها منشِدًا أول. لكن الظروف المادية دفعته إلى ترك الدراسة بعد سنوات قليلة، فعمل في مهن بسيطة، منها العمل في محل للأحذية وصالون للحلاقة، من دون أن يتخلى عن شغفه بالغناء. وفي عام 1938، شارك في مسابقة غنائية نظمتها إذاعة الشرق الأدنى، وفاز بالمركز الأول بين أربعين متسابقًا، لتكون تلك المسابقة بوابته الحقيقية إلى عالم الاحتراف. هناك اختير له اسم «وديع الصافي»، تعبيرًا عن صفاء صوته وعذوبته، وبدأت ملامح شخصيته الفنية تتبلور من خلال الاحتكاك بالموسيقيين والملحنين وأهل الخبرة الإذاعية.
كانت بداياته الإذاعية مرحلة تأسيسية مهمة، قدّم خلالها أغنيته «يا مرسال النغم»، وراح يطوّر أداءه مستندًا إلى خامة صوتية واسعة المدى، تجمع بين القوة والمرونة والقدرة على الانتقال من الهمس الوجداني إلى الانطلاق الطربي. وقد امتاز صوته بقدرته على أداء الموال الشعبي من دون أن يفقد وضوح الكلمة أو حرارة التعبير، وهي خصائص جعلته قريبًا من المستمع العادي، كما جعلته موضع اهتمام الموسيقيين والنقاد. ومع مرور الوقت، لم تعد حنجرته مجرد أداة للغناء، بل أصبحت وسيلة لاستحضار المكان والهوية، حتى إن المستمع كان يستطيع أن يتخيّل الجبل والحقول والقرية من خلال نبرة صوته وحدها.
في عام 1944 ، سافر إلى مصر، مستفيدًا من مساعدة الفنانة نور الهدى، طامحًا إلى توسيع حضوره في الساحة الفنية العربية. ولم تكن التجربة في بدايتها على مستوى تطلعاته، فعاد إلى لبنان واستأنف نشاطه الغنائي، وتعاون في تلك المرحلة مع الأخوين عاصي ومنصور الرحباني، اللذين كانا من الأسماء الصاعدة في تجديد الموسيقى والأغنية اللبنانية. وقد شكل هذا المناخ الفني فرصة للتفاعل بين الصوت الجبلي الأصيل والاتجاهات الموسيقية الجديدة التي أخذت تتشكل في لبنان في زمن كانت فيه الأغنية العربية تبحث عن آفاق أوسع في التلحين والتوزيع والأداء.
وفي عام 1947، سافر وديع الصافي إلى البرازيل ضمن فرقة فنية، وأقام فيها نحو ثلاثة أعوام فازدادت شهرته بين أبناء الجالية اللبنانية والعربية. وكانت الغربة بالنسبة إليه تجربة إنسانية وفنية تركت أثرها في علاقته بالوطن، إذ ظل لبنان حاضرًا في وجدانه وأغانيه، بوصفه أرضًا وذاكرة وانتماء. وبعد عودته، واصل بناء مشروعه الغنائي الذي ارتكز على اللهجة اللبنانية المحكية، وعلى الألحان المستمدة من البيئة الشعبية، مع قدرة واضحة على منحها صياغة فنية تتجاوز حدود المناسبة المحلية.
ومن المحطات البارزة في مسيرته أغنية «عاللوما»، التي ارتبطت باسمه وأسهمت في انتشار اللون الغنائي اللبناني الشعبي، بما يحمله من إيقاع قريب من الحياة اليومية ومفردات تتصل بوجدان الناس. لقد آمن وديع الصافي بأن اللهجة المحكية ليست عائقًا أمام التطور الفني، بل مصدر غني للتعبير، وأن الموال والعتابا ليسا مجرد شكلين تراثيين، وإنما فضاءان قادران على احتضان المشاعر الإنسانية المعاصرة. ومن هنا جاءت خصوصيته؛ فقد حافظ على الجذور الشعبية، لكنه لم يحبس نفسه داخلها، بل انفتح على أشكال لحنية متنوعة، وعلى تعاونات أثرت تجربته وأغنت مكتبة الأغنية العربية.
وفي ستينيات القرن العشرين، اتسعت دائرة تعاونه مع أسماء بارزة في الموسيقى العربية، من بينهم زكي ناصيف وفيلمون وهبي ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش. وقد أسهم هذا التنوع في ترسيخ حضوره خارج لبنان، وأتاح لصوته أن يتفاعل مع مدارس تلحينية مختلفة، من دون أن يفقد هويته الأساسية. كما قدم أعمالاً مشتركة مع عدد من نجوم الغناء اللبناني، ومنهم فيروز وصباح، في مرحلة شهدت ازدهارا لافتًا للأغنية اللبنانية وانتشارها في العالم العربي.
ولم تقتصر موهبة وديع الصافي على الغناء، بل امتدت إلى التلحين، إذ كان يفضل أن يضع الألحان لعدد من أعماله، مستفيدا من معرفته العميقة بالمقامات والإيقاعات وبنية الموال الشعبي. وقد منحته هذه القدرة استقلالية فنية، جعلته شريكا في تشكيل أغنيته لا مجرد مؤد لها. وكان يتعامل مع صوته بوصفه آلة موسيقية حية، يعرف كيف يوزع أنفاسه، وكيف يمد الجملة اللحنية، وكيف يترك للكلمة مساحتها كي تصل إلى المستمع محملة بمعناها وانفعالها. وفي أدائه، لم تكن القوة الصوتية غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لخدمة التعبير، ولذلك استطاع أن يجمع بين الطرب والصدق وبين المهارة التقنية والإحساس الإنساني.
ومن أشهر أغانيه دار يا دار» و «يا عيني على الصبر»، و«عندك بحرية»، و«على الله تعود»، و «الليل يا ليلى»، و «على رمش عيونها»، إلى جانب أعمال أخرى رسخت حضوره في الذاكرة الغنائية العربية. كما قدم أغنية عظيمة يا مصر»، التي عبرت عن محبته لمصر ومكانتها في وجدانه الفني، وارتبطت روايات سيرته بمنحه الجنسية المصرية تقديرًا لهذه الأغنية. وتكشف هذه الأعمال عن فنان لم يحصر انتماءه في حدود جغرافية ضيقة، بل رأى في الموسيقى لغة قادرة على وصل الشعوب، وفي الأغنية مساحة مشتركة تتجاوز اختلاف اللهجات والبلدان.
وعلى الشاشة السينمائية، شارك وديع الصافي في عدد من الأفلام الغنائية، من بينها «الخمسة جنيه» و «غزل البنات» و «موال» و «نار الشوق»، مستفيدا من الحضور المسرحي الذي منحته إياه الحفلات والخبرة الطويلة أمام الجمهور. ومع ذلك، ظل الغناء هو المجال الذي عبر فيه عن جوهر موهبته، إذ كانت شخصيته الفنية تتجلى بأوضح صورها عندما يقف أمام الميكروفون، ويبدأ الموال، ثم ينساب اللحن من صوته كما لو أنه امتداد طبيعي للأرض التي جاء منها.
وفي عام 1976 ، دفعت الحرب الأهلية اللبنانية الفنان إلى مغادرة وطنه، فانتقل إلى مصر، ثم إلى بريطانيا، قبل أن يستقر في باريس عام 1978. وكانت الغربة مرحلة قاسية على فنان ارتبط اسمه بالأرض والقرية والجبل، لكن صوته بقي حاضرًا في الوجدان اللبناني، يحمل صورة الوطن الذي ابتعد عنه جسديًا ولم يغادره روحيًا. وعندما عاد إلى لبنان بعد سنوات الاضطراب، عاد معه شيء من الحنين الجماعي إلى زمن كانت فيه الأغنية تجمع الناس على اختلاف مشاربهم، وتمنحهم شعورًا بأن الفن قادر على حماية الذاكرة من التفتت والنسيان.
وقد حظي وديع الصافي بتكريمات وأوسمة عديدة، تقديرًا لإسهاماته في الموسيقى والغناء، ومن بينها وسام الأرز اللبناني برتبة فارس، كما نال الدكتوراه الفخرية في الموسيقى من جامعة الروحالقدس في الكسليك عام 1991، وحصل على تكريم من سلطنة عُمان عام 2007. ولم تكن هذه الجوائز مجرد علامات على مكانته، بل إشارات إلى الاعتراف بتجربة فنية أسهمت في صون التراث الغنائي اللبناني وتقديمه إلى أجيال متعاقبة. أما حياته العائلية، فقد ارتبطت بزوجته ملفينا فرنسيس، التي تزوجها عام 1952 ، ورزق منها ستة أبناء هم دنيا ومرلين وفادي وأنطوان وجورج وميلاد.

وفي الحادي عشر من أكتوبر عام 2013 ، أسدل الموت الستار على حياة وديع الصافي عن عمر ناهز 91 عامًا، إثر هبوط في الدورة الدموية، ودفن في بلدته نيحا الشوف، حيث بدأت الحكاية الأولى لطفل حمل الغناء في قلبه قبل أن يعرف أن صوته سيصبح يومًا جزءًا من تاريخ الموسيقى العربية. وبرحيله، فقدت الساحة الفنية قامة غنائية كبيرة، لكن أعماله بقيت تتردد في الحفلات والإذاعات والذاكرة الشعبية شاهدة على قدرة الصوت الأصيل على تجاوز الزمن.
إن استعادة تجربة وديع الصافي في ذكرى رحيله ليست مجرد استذكار السيرة مطرب شهير، بل عودة إلى مرحلة من تاريخ الأغنية العربية كان فيها الصوت يحمل هوية المكان، وكانت الكلمة واللحن والأداء تتضافر لصناعة عمل يعيش بعد صاحبه. لقد غنى للجبل، وللأرض، وللحب وللوطن فصار صوته أشبه بوثيقة سمعية تحفظ ملامح الحياة اللبنانية في أفراحها وأحزانها. وربما تكمن عظمته الأعمق في أنه لم يحاول أن يكون صوتًا عابرًا في زمنه بل ظل وفيا لجذوره، حتى أصبحصوته جسرا بين التراث والحداثة، وبين الذاكرة الفردية والوجدان الجماعي. رحم الله وديع الصافي، صاحب الحنجرة التي جعلت من الغناء حكاية وطن، ومن الموال نافذة مفتوحة على روحالإنسان.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – ایلیت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم