المصور المصري:مصطفى الشوربجي.. حين تتحوّل تفاصيل الحياة المصرية إلى جوائز عالمية في ذاكرة الضوء.- إعداد: فريد ظفور.

المصور الفوتوغرافي المصري الذي جعل من الشارع مسرحًا للحياة، ومن الإنسان حكايةً تستحق أن تُروى

إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

مقدمة: عدسةٌ لا تكتفي برؤية العالم، بل تُصغي إليه

في عالم التصوير الفوتوغرافي، لا تُقاس قيمة الصورة بما تحمله من جماليات الضوء والتكوين فحسب، بل بقدرتها على اقتناص لحظة إنسانية عابرة وتحويلها إلى ذاكرة نابضة بالحياة. هناك مصورون يطاردون المشهد المدهش، وآخرون يبحثون عن الجمال في التفاصيل التي يمرّ بها الناس دون أن ينتبهوا إليها؛ بين هؤلاء يبرز الفنان الفوتوغرافي المصري مصطفى الشوربجي، الذي استطاع أن يجعل من الحياة اليومية مادةً بصرية غنية، وأن يحوّل الشارع المصري، بوجوهه وحركته وتناقضاته، إلى مساحة مفتوحة للحكايات الإنسانية. وبفضل شغفه بالتصوير الوثائقي وتصوير الشارع والبورتريه، استطاع أن يلفت الأنظار إلى تجربته، محققًا حضورًا في مسابقات ومعارض محلية ودولية، ومؤكدًا أن الصورة الصادقة تستطيع أن تعبر الحدود دون أن تفقد جذورها المحلية.

من شغف الكاميرا إلى لغة الصورة

تبدأ حكاية مصطفى الشوربجي مع التصوير من علاقة مبكرة بكاميرا والده؛ فقد استهوته في طفولته تلك الأداة التي تستطيع أن تحتفظ بلحظة من الزمن، وأن تجعل المشهد العابر حاضرًا بعد غيابه. ومع مرور الوقت، لم يعد التصوير مجرد انجذاب إلى آلة تلتقط الصور، بل تحول إلى شغف يرافقه في اكتشاف الناس والأماكن، ومراقبة التفاصيل التي تصنع إيقاع الحياة اليومية.

وتشير نبذته المنشورة ضمن جوائز «تصوير» لعام 2024 إلى امتلاكه خبرة تمتد لنحو ثلاثة عشر عامًا في التصوير، مع اهتمام خاص بتصوير الشارع وتوثيق تنوع الحياة والثقافات. وقد اتجه في أعماله إلى التقاط المشاهد الطبيعية للواقع الإنساني، بعيدًا عن افتعال اللحظة أو إخضاعها بالضرورة لترتيبات مسبقة، ليمنح الصورة فرصة أن تتحدث بلغتها الخاصة.

إن ما يلفت النظر في هذا المسار ليس عدد الصور التي يلتقطها المصور، بل طبيعة العلاقة التي يبنيها مع موضوعه؛ فالمصور الحقيقي لا يقف خلف الكاميرا بوصفه شاهدًا محايدًا فحسب، وإنما يختار زاوية النظر، ويحدد لحظة الضغط على الغالق، ويصوغ من الضوء والمسافة والتعبير البشري رؤيةً تحمل شيئًا من شخصيته ومن إحساسه بالعالم.

تصوير الشارع.. حين يصبح الرصيف مسرحًا إنسانيًا

يمثل تصوير الشارع أحد أبرز ملامح تجربة مصطفى الشوربجي. ففي هذا اللون الفوتوغرافي، لا يحتاج المصور إلى استوديو مجهّز أو مشهد مصطنع؛ فالمدينة نفسها تتحول إلى استوديو مفتوح، وتصبح الأزقة والأسواق والوجوه وحركة المارة عناصر في بناء بصري لا يتكرر.

وتكمن صعوبة هذا النوع من التصوير في أن اللحظة المناسبة قد تمر خلال ثوانٍ، وأن التعبير الإنساني لا ينتظر المصور حتى يستعد. لذلك يحتاج اقتناصها إلى يقظة بصرية، وسرعة في اتخاذ القرار، وإحساس بالتوقيت، إلى جانب القدرة على قراءة العلاقة بين الشخص والمكان والخلفية والضوء.

وفي الشارع المصري، تتجاور طبقات متعددة من الحياة: ملامح التراث، وإيقاع العمل، وحركة الأسواق، وتفاصيل العلاقات الاجتماعية، والتباين بين القديم والجديد. ومن هنا تتسع مهمة المصور لتتجاوز تسجيل المشهد، نحو الكشف عن دلالاته؛ فقد تحمل ابتسامة عابرة معنىً إنسانيًا، وقد تختصر حركة يد حكاية مهنة، وقد تختزن نظرة وجه ذاكرة مكان بأكمله.

إن الصورة الوثائقية الجيدة لا تفرض على المشاهد تفسيرًا واحدًا، بل تفتح أمامه بابًا للتأمل، وتترك له مساحة لاكتشاف ما وراء الظاهر. وهذا ما يمنح تصوير الشارع قيمته الفنية والتاريخية، ويجعل أرشيف المصور سجلًا بصريًا للحياة التي تتغير باستمرار.

البورتريه.. الوجه بوصفه خريطةً للمشاعر

إلى جانب تصوير الشارع، يحتل البورتريه مساحة مهمة في الاهتمامات الفنية للشوربجي. فالوجه الإنساني ليس مجرد ملامح يمكن تسجيلها، بل عالم من التعبيرات والتجارب والانفعالات. وقد تنجح صورة الوجه في الكشف عن شخصية صاحبها بفضل نظرة العين، أو انحناءة الرأس، أو أثر الزمن على الملامح، أو العلاقة بين الشخصية والبيئة المحيطة بها.

ومن الناحية الفنية، يقوم البورتريه المؤثر على التوازن بين التقنية والحس الإنساني؛ فالإضاءة تحدد طبيعة الملامح، والتكوين يوجّه انتباه المشاهد، والخلفية قد تكشف عن البيئة الاجتماعية أو تمنح الوجه استقلاله البصري، بينما يظل التواصل مع الشخص المصوَّر عنصرًا أساسيًا في الوصول إلى تعبير صادق.

ولا تعني قوة البورتريه بالضرورة أن يكون وجه صاحبه مثاليًا وفق معايير الجمال التقليدية؛ فقد تكون التجاعيد، أو علامات التعب، أو نظرة التأمل، هي العناصر التي تمنح الصورة صدقها وقيمتها. فالفوتوغرافيا، في أعمق تجلياتها، لا تبحث عن الوجه الذي يخلو من آثار الحياة، وإنما عن الوجه الذي يحمل الحياة في تفاصيله.

جوائز متعددة.. اعترافٌ يتجاوز حدود المكان

لم يكن حضور مصطفى الشوربجي في التصوير مقتصرًا على الممارسة الشخصية؛ فقد حقق مجموعة من الإنجازات التي عززت مكانته في مجال التصوير الوثائقي وتصوير الشارع. ووفق النبذة المنشورة عنه في منصة «تصوير» القطرية ضمن جوائز الصورة الفردية لعام 2024، حصل على نحو خمس وثلاثين جائزة محلية ودولية، من بينها جوائز مرتبطة بمسابقات الاتحاد الأوروبي للتصوير في مصر عامي 2017 و2020، وجائزة «ويكي تهوى أفريقيا»، وجائزة SOOC من فوجي فيلم الشرق الأوسط. كما ورد اسمه ضمن الفائزين بجائزة تصوير للصورة الفردية لعام 2024 عن عمل حمل عنوان «تلك الأيام».

وتشمل محطاته المعلنة أيضًا الفوز بالمركز الأول في مسابقة «تراثي للتصوير الفوتوغرافي»، التي أُقيمت في سياق الاحتفاء بالقاهرة عاصمةً للثقافة في العالم الإسلامي، وكذلك الفوز بالمركز الأول في مسابقة «السراج» الدولية للصورة الفوتوغرافية في العراق عام 2023. كما حقق المركز الأول في فئة الأبيض والأسود ضمن مسابقة «بالمصري»، التي ارتبطت باتحاد المصورين العرب وشركة نيكون، وفق ما نشرته وسائل إعلام مصرية.

وتكتسب هذه الجوائز أهميتها من تنوع موضوعاتها وسياقاتها؛ فهي لا تشير إلى نجاح صورة واحدة فحسب، بل إلى قدرة المصور على تقديم أعمال تستوقف لجان التحكيم وجمهور التصوير في مناسبات مختلفة. ومع ذلك، تبقى الجائزة محطةً في المسيرة وليست نهايتها، لأن القيمة الأعمق لأي تجربة فوتوغرافية تتحدد بما تتركه من أثر بصري وإنساني، وبما تضيفه إلى فهمنا للعالم الذي نعيش فيه.

ومن المهم هنا التمييز بين الفوز في المسابقات وبين بناء مشروع فني متكامل؛ فالأول اعتراف بلحظة إبداعية، أما الثاني فيحتاج إلى رؤية متواصلة، وموضوعات مترابطة، وأرشيف من الصور يكشف تطور أسلوب المصور ونظرته إلى الإنسان والمكان والزمن.

«حكاية وصورة».. حين تتحول الخبرة إلى رسالة ثقافية

من المحطات اللافتة في تجربة مصطفى الشوربجي تأسيس مبادرة «حكاية وصورة»، التي تسعى إلى تعليم الشباب مهارات تصوير الشارع والتصوير الوثائقي. وهنا تتجاوز العلاقة بالتصوير حدود الإنجاز الفردي إلى فضاء المشاركة ونقل الخبرة، حيث يصبح المصور مساهمًا في بناء جيل جديد يمتلك أدوات التعبير البصري، ويستطيع أن يوثّق بيئته ويحكي قصص مجتمعه من خلال الصورة.

إن تعليم التصوير لا يقتصر على شرح إعدادات الكاميرا، مثل سرعة الغالق وفتحة العدسة وحساسية الضوء، بل يشمل أيضًا تدريب العين على الملاحظة، وفهم التكوين، واختيار اللحظة، واحترام خصوصية الأشخاص المصوَّرين، والتمييز بين توثيق الواقع والتدخل في مجرياته. فالمصور الشاب يحتاج إلى التقنية كي ينجز صورة سليمة، لكنه يحتاج إلى الثقافة البصرية والوعي الإنساني كي ينجز صورة ذات معنى.

ومن هذه الزاوية، تمثل المبادرات التعليمية مساحة مهمة لتوسيع مفهوم التصوير بوصفه لغة ثقافية مشتركة، قادرة على توثيق المجتمعات وتبادل الخبرات وإتاحة الفرصة أمام المواهب الجديدة كي تجد طريقها إلى المشهد الفوتوغرافي.

بين الوثيقة والفن.. فلسفة الصورة في تجربة الشوربجي

تكتسب الصورة الفوتوغرافية قيمتها من قدرتها على الجمع بين وظيفتين متكاملتين: تسجيل ما حدث، وإعادة تقديمه في صياغة فنية تجعل المشاهد يعيد التفكير فيما يراه. فالوثيقة تحفظ أثر اللحظة، بينما يمنحها الفن أبعادًا تتجاوز حدودها المباشرة.

وفي تصوير الشارع، لا تنفصل جمالية التكوين عن صدق المضمون؛ فقد تتشكل الصورة من تباين الضوء والظل، أو من تداخل الشخصيات في فضاء واحد، أو من علاقة غير متوقعة بين عنصر في المقدمة وآخر في الخلفية. وقد تمنح الصورة بالأبيض والأسود المشهد كثافة تعبيرية خاصة، إذ تختزل الألوان وتبرز البنية الضوئية والملمس والتباينات، فيما يتيح التصوير الملون قراءة إضافية للعلاقات بين الألوان والبيئة والمزاج البصري.

لكن التقنية، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها أن تصنع صورة عظيمة. فالصورة التي تبقى في الذاكرة هي تلك التي تجمع بين سلامة التنفيذ وخصوصية الرؤية وصدق اللحظة. وقد تكون قيمتها في بساطتها، أو في قدرتها على إثارة سؤال، أو في احتفاظها بتفصيل صغير كان يمكن أن يختفي إلى الأبد لولا عين المصور.

ومن هنا يمكن قراءة تجربة الشوربجي بوصفها اهتمامًا بتلك المساحة التي يتقاطع فيها الفن مع الحياة اليومية؛ حيث لا يحتاج الجمال إلى مسرح استثنائي، ولا تتطلب الحكاية الإنسانية حدثًا ضخمًا كي تستحق التوثيق.

الصورة المصرية في فضاء عالمي

حين يشارك المصور المصري في مسابقات دولية، فإنه لا يقدم عملًا فنيًا منفصلًا عن بيئته فحسب، بل يحمل معه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شيئًا من ملامح مجتمعه وثقافته وذاكرته البصرية. فالصور التي تنطلق من الشارع المحلي تستطيع أن تخاطب جمهورًا عالميًا، لأن المشاعر الإنسانية الأساسية لا تعرف حدودًا جغرافية ثابتة.

وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص التصوير الوثائقي: القدرة على جعل المحلي إنسانيًا، وجعل التفاصيل اليومية قابلة للقراءة عبر ثقافات متعددة. فوجه مصري، أو مشهد من سوق شعبي، أو لحظة عمل في شارع مزدحم، قد تتحول إلى مساحة للتأمل في الكرامة الإنسانية والعمل والعلاقات الاجتماعية ومرور الزمن.

وقد أسهم حضور مصطفى الشوربجي في مسابقات ومعارض متعددة، إلى جانب مشاركاته ومبادراته التعليمية، في إبراز هذا النوع من التصوير ضمن المشهد الفوتوغرافي المصري والعربي. وتظل قيمة هذا الحضور مرتبطة باستمرار التجربة وتطورها، وبقدرة الأعمال الجديدة على تقديم رؤى متجددة لا تكتفي بتكرار النجاحات السابقة.

خاتمة: حين تنتصر العين التي ترى الإنسان

إن مسيرة الفنان الفوتوغرافي المصري مصطفى الشوربجي تذكّرنا بأن الكاميرا ليست مجرد جهاز لتسجيل الضوء، بل وسيلة لاكتشاف الإنسان في تفاصيله اليومية، وحفظ ما قد يطويه النسيان من وجوه ومشاهد وعلاقات. فالجوائز التي حققها تمثل محطات تقدير مهمة، لكن ما يمنح تجربته بعدها الأعمق هو ارتباط اهتمامه الفوتوغرافي بالحياة اليومية، وشغفه بتصوير الشارع، وسعيه إلى نقل خبرته إلى أجيال جديدة من المصورين.

وفي زمن تتدفق فيه ملايين الصور كل يوم، تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا إلى المصور الذي لا يكتفي بإنتاج صورة جميلة، بل يبحث عن صورة صادقة، تحمل معنى، وتحترم الإنسان، وتمنح اللحظة العابرة فرصةً للبقاء. فالصورة التي تنجح في اقتناص لحظة من الحياة قد تتحول، مع مرور الزمن، إلى وثيقة اجتماعية وشهادة ثقافية وقطعة من ذاكرة المكان.

وهكذا، تظل الكاميرا في يد الفنان الواعي أكثر من أداة للرؤية؛ إنها وسيلة للإصغاء إلى العالم، ولرواية الحكايات التي لا تستطيع الكلمات وحدها أن تقولها. وبين عدسة تراقب الشارع وعين تتأمل الإنسان، يواصل التصوير الفوتوغرافي أداء رسالته الأجمل: أن يجعل من اللحظة ذاكرة، ومن الضوء لغة، ومن الصورة حكايةً مفتوحة على الزمن.


أخر المقالات

منكم وإليكم