في البدء كانت الكلمة الفنية..
ثمة فنانون لا تكفيهم خشبة المسرح لكي يقدّموا أدوارهم، لأنهم يحملون الخشبة معهم أينما ذهبوا؛ في أصواتهم، وفي ملامحهم، وفي طريقة وقوفهم أمام الجمهور، وفي تلك المسافة الغامضة بين الممثل والشخصية. ومن هؤلاء الفنان السوري الفلسطيني زيناتي قدسية، الذي تحوّل عبر أكثر من خمسة عقود من العمل إلى واحد من الوجوه المميزة في المسرح العربي، وإلى اسم ارتبط على نحو خاص بفن المونودراما، حيث يصبح الممثل الواحد عالماً مسرحياً كاملاً، وتتحول الكلمة إلى فضاء، والصمت إلى حوار، والجسد إلى ذاكرة.
وُلد زيناتي قدسية عام 1948م. في قرية إجزم بقضاء حيفا، في فلسطين، في عامٍ كان يحمل في بدايته ملامح ميلاد فنان، قبل أن يتحول في التاريخ الفلسطيني إلى عام النكبة والاقتلاع. ومن هذه المفارقة الزمنية ستتكوّن، بصورة أو بأخرى، إحدى أهم الطبقات العميقة في تجربته؛ ففلسطين لم تكن بالنسبة إليه موضوعاً فنياً عابراً، ولا خلفيةً تاريخية لأدواره، وإنما ذاكرة شخصية وجرحاً إنسانياً ومرجعية ثقافية ظلت تتردد في اختياراته المسرحية والفنية.
إنه مكان لاستعادة ما فقدته الذاكرة، ومساحة لإعادة صياغة الأسئلة التي لا تجد إجاباتها خارج الفن .وربما لهذا يبدو المسرح في تجربته أكثر من مجرد مهنة. فعندما يقف قدسية منفرداً على الخشبة، لا يبدو وكأنه يؤدي شخصية وحيدة، بل كأنه يستدعي خلفه طابوراً طويلاً من الأصوات والشخصيات والذكريات؛ وكأن الممثل الواحد قادر على اختصار جماعة كاملة، أو حمل حكاية وطن على كتفيه.لكتابة تغريبة ملحمة وطنه،برأس دبوس على حبة قمح لتنبت وتملأ الوادي سنابل مناضلة.
لم يبدأ الطريق من التمثيل مباشرة. كانت بوابة الفن الأولى بالنسبة إليه الرسم والنحت وتصميم الديكور، وهي تجارب تركت أثرها لاحقاً في نظرته إلى المسرح بوصفه فناً متكاملاً لا ينفصل فيه الممثل عن الفضاء والضوء والحركة والتكوين. ثم جاءت المصادفة التي غيّرت اتجاه حياته، حين اقترب من التمثيل بعد حرب حزيران/يونيو 1967، قبل أن ينتقل عام 1971 إلى دمشق، المدينة التي ستحتضن تجربته المسرحية وتمنحه المجال لكي يتحول من هاوٍ شغوف بالفن إلى واحد من الأسماء البارزة في الحركة المسرحية السورية والعربية.
دخل فضاء المسرح الجامعي ومسرح الهواة في دمشق، ولحسن حظة بانه عاصر مرحلة كانت فيها الخشبة السورية تشهد تحولات فكرية وجمالية عميقة. هناك تفتح وعيه المسرحي، وتقاطعت تجربته مع أسماء وتجارب تركت أثراً بارزاً في المسرح السوري، قبل أن ينخرط في مشاريع الإخراج والتمثيل والمسرح التجريبي، ويعمل في المسرح القومي ومسرح العمال والمختبر المسرحي، ويتولى لاحقاً مسؤوليات فنية وإدارية في الحركة المسرحية.
لكن اسم زيناتي قدسية سيجد هويته الأوضح في المونودراما؛ ذلك الفن المسرحي شديد الصعوبة، الذي يضع الممثل في مواجهة مباشرة مع الجمهور، من دون جوقة تحميه، ولا شريك يقاسمه عبء اللحظة المسرحية. وفي هذا الحيز تحديداً تشكلت شراكته المهمة مع الكاتب المسرحي ممدوح عدوان، لتنتج مجموعة من الأعمال التي أصبحت علامات في تجربة المسرح الفردي العربي، ومن بينها «حال الدنيا» و«القيامة» و«الزبال».
كانت تلك الشراكة أكثر من تعاون بين كاتب وممثل؛ كانت حواراً بين الكلمة والجسد، بين النص والأداء، وبين الفكر المسرحي والقدرة على تجسيده أمام الجمهور. وقد استطاع قدسية من خلالها أن يثبت أن الممثل الواحد يستطيع أن يحمل عرضاً كاملاً، وأن يحوّل وحدته على الخشبة إلى قوة درامية، وأن يجعل من حضوره الشخصي مادةً فنية قابلة لإعادة التشكيل.
ولم تكن فلسطين بعيدة عن هذه الرحلة. فقد ظل غسان كنفاني، والمأساة الفلسطينية، وأسئلة المنفى والاقتلاع والهوية، حاضرةً في جانب مهم من مشروعه المسرحي، كما في «شيء من غسان كنفاني» وغيره من الأعمال التي جعلت من المسرح مساحةً للذاكرة والمساءلة.
ومع انتقاله إلى التلفزيون والسينما، لم يفقد قدسية ملامحه المسرحية. شارك في عشرات الأعمال السورية التاريخية والاجتماعية والشعبية، وقدم شخصيات تركت حضورها لدى المشاهد، كما جسّد شخصية ياسر عرفات في مسلسل «في حضرة الغياب»، في عمل يستحضر سيرة الشاعر الفلسطيني محمود درويش. وكان هذا الدور بالنسبة إليه يتجاوز حدود المشاركة الفنية، ليلامس علاقة قديمة بين الفنان وقضيته وذاكرته الفلسطينية.
ومع ذلك، ظل المسرح هو البيت الأول والأكثر حميمية في تجربته. فمهما تعددت الشخصيات التي أداها أمام كاميرات التلفزيون والسينما، بقيت صورته الأشد رسوخاً مرتبطة بالممثل الذي يقف وحده أمام جمهور حي، ويستمد من صمته وصوته وحركته طاقة العرض كاملة.
إن الحديث عن زيناتي قدسية، لذلك، ليس حديثاً عن ممثل سوري من أصول فلسطينية فحسب، ولا عن رائد في المونودراما العربية فقط؛ بل هو استعادة لمسيرة فنان جعل من المسرح وسيلة للبحث عن الإنسان، ومن الممثل أداةً للذاكرة، ومن الفن موقفاً في مواجهة النسيان.
وفي زمن تتغير فيه أشكال العرض وتتسارع فيه الصورة، تبقى تجربة زيناتي قدسية شاهدة على زمن كان فيه الممثل يستطيع أن يقف وحده في مواجهة العتمة، ثم يشعل الخشبة بصوته؛ وأن يجعل من جسده مساحةً للآخرين، ومن حكايته الشخصية نافذةً على حكاية شعب، ومن لحظة مسرحية عابرة أثراً يستمر طويلاً في ذاكرة المتلقي.
إنها مسيرة فنان لم يكن يبحث عن كثرة الظهور بقدر ما كان يبحث عن قيمة الحضور؛ ولذلك بقي اسمه مرتبطاً بالمسرح الجاد، وبالمونودراما، وبفلسطين، وبذلك النوع من الأداء الذي يجعل الممثل، للحظات، أكثر من ممثل: شاهداً، وراوياً، وذاكرةً حية تمشي على الخشبة.
اثره الفني بالمسرح العربي:
في المسرح العربي أسماءٌ لا تُقاس مسيرتها بعدد الأدوار التي أدّتها، ولا بعدد العروض التي اعتلت خشبتها، بل بما تركته في الذاكرة من أثرٍ جمالي وفكري. ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان السوري الفلسطيني زيناتي قدسية، أحد أبرز وجوه المسرح العربي، وأحد الذين ارتبط اسمهم بفن المونودراما، أو «مسرح الممثل الواحد»، حتى غدا هذا الفن جزءاً أساسياً من هويته الإبداعية.
منذ ولد زيناتي قدسية. حملت طفولته المبكرة تجربة الاقتلاع والتهجير، لتبقى فلسطين، بما تختزنه من ذاكرة وألم وانتماء، حاضرةً في وجدانه وفي الكثير من اختياراته الفنية.
لم يبدأ قدسية من بوابة التمثيل مباشرة. كانت علاقته الأولى بالفن عبر الرسم والنحت وتصميم الديكور، قبل أن تقوده المصادفة إلى المسرح بعد حرب حزيران/يونيو 1967، حين دعاه أحد المخرجين الأردنيين للمشاركة في عمل مسرحي. كانت تلك اللحظة بمثابة اكتشافٍ لمسارٍ جديد، سرعان ما تحوّل من تجربة عابرة إلى مشروع حياة.
دمشق.. المدينة التي فتحت أبواب المسرح:
عام 1971 انتقل زيناتي قدسية إلى دمشق، المدينة التي ستصبح فضاءه الفني والمهني الأهم. هناك انضم إلى فرقة المسرح الجامعي المركزية، وبدأ مرحلة امتدت لسنوات في المسرح الجامعي ومسرح الهواة، مشاركاً في التمثيل والإخراج والإعداد.
وفي سبعينيات القرن العشرين، كانت دمشق تعيش حراكاً مسرحياً وفكرياً لافتاً، وكان المسرح السوري يبحث عن أشكال جديدة تتجاوز الوظيفة الترفيهية نحو المسرح الذي يطرح الأسئلة السياسية والاجتماعية والإنسانية. وفي هذا المناخ تبلورت شخصية قدسية المسرحية.
عام 1977 أسهم في تأسيس تجربة المسرح التجريبي، كما عمل في مسرح الهواة، وشارك في تجارب إخراجية وتمثيلية متعددة. وفي عام 1978 أصبح عضواً في نقابة الفنانين، ثم انضم إلى المسرح القومي السوري ممثلاً، قبل أن يتولى لاحقاً مهاماً فنية وإدارية، من بينها الإدارة الفنية لفرقة مسرح العمال، والعمل في الكتابة والإخراج، والمشاركة في فرقة المختبر المسرحي.
لم يكن المسرح بالنسبة إليه مجرد مهنة، بل كان مختبراً للبحث عن الإنسان، وعن العلاقة بين الممثل والجمهور، وعن قدرة الخشبة على أن تكون مساحةً للتأمل والمواجهة.
ممدوح عدوان.. شراكة صنعت ظاهرة مونودرامية:
في مسيرة زيناتي قدسية محطة يصعب تجاوزها: شراكته الفنية مع الكاتب والمسرحي السوري الكبير ممدوح عدوان.
خلال ثمانينيات القرن العشرين، التقى الممثل والكاتب في مشروع مسرحي استثنائي، أنتج مجموعة من الأعمال المونودرامية التي أصبحت من العلامات البارزة في تجربة المسرح الفردي العربي.
في عروض مثل «حال الدنيا» و«القيامة» و«الزبال»، لم يكن الممثل يقف وحيداً على الخشبة بالمعنى التقني فحسب؛ بل كان يتحول إلى عالمٍ كامل، يحمل على جسده وصوته وذاكرته شخصياتٍ وأسئلةً ومواقف متناقضة.
كان التحدي في المونودراما أن يتحمل ممثل واحد عبء العرض بأكمله: أن يصنع الإيقاع، ويشد انتباه الجمهور، ويخلق الشخصيات، ويملأ الفراغ المسرحي بالحضور والطاقة. وقد امتلك قدسية قدرة خاصة على بناء هذه العلاقة المباشرة مع الجمهور.
ومن هنا ترسخ لقبه «فنان المونودراما»، ليس بوصفه تسمية إعلامية عابرة، وإنما باعتباره توصيفاً لتجربة فنية امتدت سنوات طويلة، وجعلت من الممثل الفرد أداةً للتعبير عن قضايا جماعية.
المسرح.. منبر الذاكرة الفلسطينية:
ظلت فلسطين حاضرة في مشروع زيناتي قدسية، لا كشعارٍ سياسي منفصل عن الفن، وإنما كذاكرة إنسانية وجذرٍ ثقافي.
قدم أعمالاً تناولت المأساة الفلسطينية، واستلهم بعض تجاربه من أدب غسان كنفاني، ومن بينها «شيء من غسان كنفاني»، حيث تحولت الكتابة الفلسطينية إلى مادة مسرحية تستعيد الإنسان الفلسطيني في غربته ومقاومته وحنينه.
كما جسّد اهتمامه بالقضية الفلسطينية في اختياراته الفنية وشخصياته المسرحية، فكان المسرح عنده مساحة لاستعادة الذاكرة، ومساءلة التاريخ، والتعبير عن الإنسان الذي يجد نفسه في مواجهة المنفى والفقد والاقتلاع.
وفي تجربة أخرى لافتة، أخرج مسرحية «رأس الغول»، التي زاوج فيها بين نصوص للكاتب محمد الماغوط والكاتب زكريا تامر، في محاولة لخلق صيغة مسرحية تستفيد من السخرية والمرارة واللغة المكثفة التي تميز عالم الكاتبين.
فنان لا يهادن المسرح الاستهلاكي:
تميزت تجربة زيناتي قدسية بإصرار واضح على المسرح الجاد، وابتعاده عن الاستسهال الفني. كان يؤمن بأن المسرح الحقيقي لا يكتفي بإمتاع الجمهور، بل يترك لديه سؤالاً، أو قلقاً، أو أثراً فكرياً.
ولهذا جاءت تجربته بعيدة عن منطق العمل المسرحي العابر أو الاستهلاكي. فالخشبة بالنسبة إليه مكانٌ للمواجهة: مواجهة الذات، والواقع، والتاريخ، والذاكرة.
وقد شارك في مهرجانات مسرحية عربية ودولية، وترأس عدداً من لجان التحكيم في مهرجانات محلية وعربية، كما تولى عام 2002 إدارة المسرح التجريبي، في امتداد طبيعي لمساره الطويل في البحث المسرحي.
ممثل يحمل الشخصية ولا تختبئ الشخصية خلفه:
في أداء زيناتي قدسية ملمح خاص يصعب فصله عن حضوره الشخصي. فالمشاهد غالباً لا يرى ممثلاً يؤدي الشخصية وحسب، بل يشعر بحضور الفنان نفسه وهو يعيد تشكيل الشخصية أمامه.
أسلوبه التمثيلي يميل إلى الأداء الكلاسيكي، مع اعتماد واضح على الصوت والإلقاء والحضور الجسدي، لكنه استطاع أن يمنح هذا الأسلوب بصمته الخاصة. وفي المونودراما تحديداً، يصبح الصوت أداةً درامية بقدر ما هو وسيلة للحوار، ويصبح الصمت جزءاً من الجملة المسرحية.
إنه ممثل يعرف كيف يصغي إلى الجمهور، وكيف يستخدم المسافة بين الكلمة والصمت، وبين الحركة والسكون، لبناء حالة مسرحية قائمة على التوتر الداخلي.
من الخشبة إلى الشاشة:
لم يحصر زيناتي قدسية تجربته في المسرح. فقد انتقل إلى الدراما التلفزيونية والسينما، وشارك في عشرات الأعمال السورية، خصوصاً في الدراما التاريخية والاجتماعية والشعبية.
ومن أعماله التلفزيونية: «عز الدين القسام» (1981)، «الدخيلة» (1992)، «طرائف أبي دلامة» (1993)، «حنظلة أبو ريحانة» (1995)، «عودة الفارس» (1996)، «العوسج» (1997)، «رمح النار» و«جواد الليل» (1999)، «ليل المسافرين» و«البواسل» (2000)، «هروب» و«المقامات الصحراوية» و«البحث عن صلاح الدين» (2001)، «آخر الفرسان» (2002)، «عذراء الجبل» (2004)، «الظاهر بيبرس» (2005)، «خالد بن الوليد» و«حكايا الليل والنهار» (2006)، «عنترة» (2007)، «صراع على الرمال» و«ابن قزمان» (2008)، «ما ملكت أيمانكم» (2010)، «الحسن والحسين» (2011)، «بواب الريح» (2014)، «امرأة من رماد» (2015)، «باب الحارة 8» (2016)، «هارون الرشيد» و«وهم» (2018)، و«مقامات العشق» (2019).
وفي التلفزيون حافظ، رغم تعدد الشخصيات والأنماط، على حضوره الخاص، خصوصاً في الأدوار التي تحتاج إلى ثقلٍ درامي وصوتٍ قادر على حمل الشخصية. ومن بين الشخصيات التي عرفها الجمهور دوره كحكواتي في مسلسل «بروكار».
أما سينمائياً، فشارك في عدد من الأفلام، من بينها «الأبطال يولدون مرتين» (1977)، «بستان الموت» (2001)، «الهوية» (2007)، و«فانية وتتبدد» (2016).
زيناتي قدسية في شخصية ياسر عرفات:
من أكثر محطات مسيرته الفنية دلالةً على علاقته بفلسطين، تجسيده لشخصية الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مسلسل «في حضرة الغياب»، الذي تناول سيرة الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.
بالنسبة إلى قدسية، لم يكن الدور مجرد مشاركة في عمل تلفزيوني، بل كان موقفاً فنياً ووجدانياً تجاه قضية رافقته منذ طفولته. فقد رأى في تجسيد شخصية عرفات مسؤولية تجاه الذاكرة الفلسطينية، حتى لو كان الدور محدود المساحة.
وتدور أحداث الشخصية ضمن المرحلة الممتدة تقريباً بين عامي 1972 و1988، حيث يلتقي عرفات بالشاعر محمود درويش في عدد من المناسبات. وقد ظهر في العمل بوصفه شخصية مرتبطة بالمشهد الفلسطيني السياسي والثقافي، وبالعلاقة الخاصة التي جمعت عرفات بدرويش.
وهنا تلتقي ثلاثة عوالم في تجربة قدسية: المسرح، وفلسطين، والشخصية التاريخية؛ وهي عوالم ستظل حاضرة في معظم قراءتنا لمسيرته.
«حفلة على الخازوق».. الممثل الذي ظل يعود إلى الخشبة:
كان آخر أعماله المسرحية «حفلة على الخازوق»، من إعداده وإخراجه، في استمرار لتلك العلاقة الطويلة بينه وبين المسرح.
وبالنظر إلى مسيرته، يبدو واضحاً أن زيناتي قدسية لم يتعامل مع المسرح باعتباره مرحلةً من مراحل العمل الفني يمكن تجاوزها نحو التلفزيون والسينما، بل ظل المسرح مركز الدائرة، بينما جاءت الشاشة امتداداً لها.
فحتى عندما ظهر في الدراما التلفزيونية، ظل في أدائه شيء من خشبة المسرح: وضوح الصوت، قوة الحضور، القدرة على تكثيف الشخصية، والإيمان بأن الممثل ليس مجرد منفذ للنص، بل شريك في صناعة المعنى.
إرث فني يتجاوز المونودراما:
اختزال زيناتي قدسية في لقب «فنان المونودراما» صحيح من جهة، لكنه لا يكفي من جهة أخرى.
فهو ممثل مسرحي، ومخرج، ومعد، وفنان شارك في إدارة الحركة المسرحية، وعمل في المسرح القومي والتجريبي ومسرح العمال، وشارك في المهرجانات، وخاض تجربة التلفزيون والسينما، وظلت القضية الفلسطينية إحدى البوصلات الأساسية في مشروعه.
لكن القيمة الأعمق في تجربته ربما تكمن في شيء آخر: إيمانه بالممثل بوصفه مركزاً حياً للفعل المسرحي.
على خشبة المسرح، لا يحتاج الممثل الحقيقي إلى ازدحام العناصر كي يفرض حضوره. يكفيه جسده، وصوته، وذاكرته، ونص يؤمن به. وهذا تحديداً ما منح تجربة زيناتي قدسية خصوصيتها؛ فقد استطاع أن يقف وحيداً أمام الجمهور، من دون أن يبدو وحيداً.
لقد حمل إلى الخشبة أصواتاً كثيرة، وشخصيات كثيرة، وذاكرة وطنٍ اقتُلع أهله من أرضهم، وأسئلة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان.
ومن هنا يمكن قراءة مسيرته لا بوصفها رحلة ممثل سوري من أصل فلسطيني فحسب، بل بوصفها جزءاً من تاريخ المسرح العربي الحديث؛ تاريخ حاول فيه الفنان أن يجعل من الخشبة مكاناً للذاكرة، ومن الممثل جسراً بين النص والجمهور، ومن الفن وسيلةً لمقاومة النسيان.
زيناتي قدسية هو، في النهاية، واحد من أولئك الفنانين الذين لم يكتفوا بأن يمثلوا على المسرح، بل جعلوا من المسرح وطناً فنياً موازياً؛ وطنًا يسكنه الصوت، والذاكرة، والإنسان.
معرض الصور:






