المبدعة:شيخة جاسم السويدي..أم المصورين الإماراتيين. وذاكرة وطن بعدسة رائدة.- إعداد: فريد ظفور.


شيخة جاسم السويدي.. «أم المصورين الإماراتيين» وذاكرة وطن بعدسة رائدة
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين كانت الكاميرا حلماً
ثمة صور لا تنتهي بانتهاء لحظة التقاطها، بل تبدأ حياتها الحقيقية بعد ذلك بسنوات، حين يتحول المكان إلى ذكرى، والبيت إلى أثر، والوجه إلى وثيقة، والشارع إلى صفحة من كتاب التاريخ.
ومن هذا النوع النادر من الصور، جاءت تجربة المصورة الإماراتية شيخة جاسم محمد مبارك السويدي، التي ارتبط اسمها بلقب «أم المصورين»، بوصفها من أوائل الرائدات الإماراتيات في مجال التصوير الفوتوغرافي، وأول مصورة إماراتية عُرفت بهذه الريادة.
بدأت علاقتها بالكاميرا منذ خمسينيات القرن العشرين، في زمن لم تكن فيه آلة التصوير جزءاً مألوفاً من الحياة اليومية، ولم تكن ممارسة التصوير بالنسبة إلى المرأة أمراً معتاداً كما هي اليوم. ومع ذلك، حملت شيخة شغفها بالكاميرا، وجابت بها الأحياء والفرجان، وصورت الناس والبيوت والبحر والأسواق والسفن وملامح الحياة اليومية.
لم تكن تعرف آنذاك أنها تصنع أرشيفاً للتاريخ؛ كانت ببساطة تصوّر ما تحبه عيناها. لكن الزمن منح تلك الصور قيمة أخرى، فأصبحت اليوم نافذة على دبي والإمارات في مرحلة مبكرة من تاريخها، وشهادة بصرية على مجتمع كان يعيش على إيقاع البحر والفرجان وبيوت العريش والأسواق القديمة، قبل التحولات العمرانية الكبرى.
فتاة ترى العالم بعين الفنان
ولدت شيخة جاسم محمد مبارك السويدي عام 1936 في فريج المرر بمنطقة ديرة في دبي، ونشأت في بيئة اجتماعية كانت لا تزال تحتفظ بالكثير من ملامح الحياة الإماراتية التقليدية.
ومنذ سنواتها المبكرة، ظهرت لديها ميول فنية متعددة. لم تكن الكاميرا وحدها في عالمها؛ فقد أحبت الرسم والأشغال اليدوية والحياكة والتطريز والزراعة والخياطة والشعر، وهو تنوع يكشف عن شخصية فنية شاملة ترى الجمال في تفاصيل الحياة اليومية.
وكان الرسم أحد الأبواب الأولى التي قادتها نحو الصورة.
ففي سن الخامسة عشرة تقريباً، رسمت لوحة على الكرتون، وكانت تلك التجربة تعبيراً مبكراً عن عين تتعامل مع العالم بوصفه مجموعة من الأشكال والخطوط والظلال والعلاقات البصرية.
ولعل أهم ما يميز تجربة شيخة أن التصوير لم يبدأ عندها من كتاب نظري أو مؤسسة تعليمية متخصصة، بل بدأ من العين والشغف والملاحظة.
كانت تتعلم من الحياة نفسها.
من الصحيفة إلى الكاميرا
في خمسينيات القرن الماضي، كانت الصحف والمجلات القادمة من خارج الإمارات تحمل إلى عيني شيخة صوراً مختلفة عن تلك التي اعتادت رؤيتها في محيطها.
كانت الصور المطبوعة تثير فضولها، وتحفزها على الرسم والتقليد والتجريب، كما وجدت تشجيعاً من أشخاص أدركوا مبكراً أن لديها علاقة استثنائية بالصورة.
ثم جاءت الكاميرا.
استعارت شيخة كاميرا من شخص هندي يُدعى جيتاه، كان يعمل في مكتب لخدمة المراكب، كما تلقت التشجيع من بعض المقيمين والأجانب الذين تعرفت إليهم في تلك المرحلة، ومن بينهم جورج شبمان.
وكانت الكاميرا التي استخدمتها من نوع «أغفا»، لتصبح تلك الآلة رفيقة رحلة طويلة مع الصورة.
لم تكن المسألة بالنسبة إليها مجرد امتلاك آلة تصوير؛ فقد كانت الكاميرا بالنسبة إلى شيخة وسيلة لاكتشاف المكان، وقراءة المجتمع، والاحتفاظ بما قد يختفي ذات يوم.
ومن هنا بدأت جولاتها في الفرجان والأحياء القديمة.
رحلة إلى الهند.. والكاميرا على متن «سردانة»
من أكثر محطات بداياتها دلالة رحلتها إلى الهند في منتصف خمسينيات القرن العشرين.
كانت الرحلة لأغراض الاستشفاء، وكانت وسيلة السفر مركباً تقليدياً يُعرف باسم «سردانة».
لكن الفتاة التي غادرت الإمارات لم تترك شغفها بالصورة خلفها؛ حملت الكاميرا معها، وبدأت توثق المشاهد التي رأتْها في رحلتها.
كان وجود فتاة إماراتية تحمل كاميرا وتلتقط الصور أمراً لافتاً في ذلك الوقت، حتى إن تجربتها أثارت استغراب المحيطين بها.
وهنا تتجلى واحدة من أهم سمات شخصية شيخة السويدي: أن الفضول البصري لديها كان أقوى من ندرة الوسائل.
فالكاميرا لم تكن بالنسبة إليها ترفاً، وإنما لغة.
لغة تقول بها ما لا تستطيع الكلمات قوله.
فريج المرر.. المدرسة الأولى للصورة
في فريج المرر ومنطقة ديرة وبر دبي، وجدت شيخة مختبرها الحقيقي.
كانت الشوارع والبيوت والناس والبحر والفرجان مادة جاهزة أمام عدستها.
صورت البيوت القديمة، وبيوت العريش، والفرجان، وخور دبي، وسفن الصيد، واللؤلؤ والتجارة، والوجوه، والأطفال، والجيران.
وإذا كانت الكاميرا الحديثة تستطيع اليوم التقاط آلاف الصور في دقائق، فإن المصور في زمن شيخة كان يعرف أن كل صورة لها تكلفة ووقت وانتظار، وأن الفيلم محدود، وأن الخطأ قد يعني فقدان اللحظة.
ولهذا كان التصوير في تلك المرحلة أقرب إلى طقس من التأمل.
كان على المصور أن يرى قبل أن يصور.
وهذه واحدة من القيم التي يمكن استعادتها من تجربة شيخة السويدي اليوم: أن الصورة الجيدة لا تبدأ من الكاميرا، بل من العين.
صورة الأم.. حين يصبح البورتريه ذاكرة
من الصور القريبة إلى قلب شيخة صورة والدتها.
وفي البورتريه، لا تكون قيمة الصورة دائماً في وضوح الملامح أو جودة التقنية، بل في العلاقة التي تختبئ خلفها.
وجه الأم في الصورة ليس مجرد وجه؛ إنه بيت، وطفولة، وذاكرة، وزمن كامل.
وهكذا يمكن قراءة تجربة شيخة السويدي في تصوير الأشخاص باعتبارها ممارسة مبكرة لـ التصوير الاجتماعي والإنساني، حيث لا يكتفي المصور بتسجيل الشخص، وإنما يحاول الإمساك بشيء من روحه وبيئته وعلاقته بالمكان.
فالصورة عندها لم تكن مجرد «لقطة».
كانت صلة بين الإنسان والزمن.
حين تصبح الصورة وثيقة وطنية
لم تبدأ شيخة السويدي مشروعها وهي تحمل عنواناً أكاديمياً من قبيل «توثيق التراث».
لقد كانت تمارس التصوير بدافع الحب والفضول والشغف.
لكن التاريخ كثيراً ما يمنح الأعمال الإنسانية البسيطة معنى يتجاوز نوايا أصحابها الأولى.
فالأحياء تغيرت.
والبيوت اختفت.
والأسواق تبدلت.
والفرجان أعادت المدينة صياغتها.
والبحر الذي كان مركزاً للحياة أصبح محاطاً بمشهد عمراني عالمي.
وهنا ارتفعت قيمة الصور القديمة.
فالصورة التي كانت في لحظة التقاطها مجرد مشهد عادي، أصبحت بعد عقود وثيقة اجتماعية وتاريخية وبصرية.
وهذا هو أحد أسرار التصوير الحقيقي:
أن المصور لا يصور الحاضر فقط؛ بل يترك للمستقبل حق النظر إلى الماضي.
«أم المصورين».. لقب صنعته التجربة
لم يأت لقب «أم المصورين» من فراغ.
فهو لقب يحمل معنى الأمومة الفنية والريادة والتشجيع والاحتضان، ويرتبط بمكانة شيخة السويدي لدى أجيال من المصورين والمصورات في الإمارات.
وإذا كان تاريخ التصوير يُكتب عادة بأسماء الكاميرات والمخترعين والتقنيات والمعارض، فإنه يُكتب أيضاً بأسماء أولئك الذين مارسوا الصورة في ظروف صعبة، وفتحوا الطريق لمن جاء بعدهم.
وهنا تكمن أهمية تجربة شيخة.
فهي لم تكن فقط امرأة حملت كاميرا في زمن مبكر، وإنما كانت جزءاً من التحول الثقافي الذي جعل الصورة لاحقاً فناً ومهنة ووسيلة توثيق وفضاءً إبداعياً واسعاً في الإمارات.
«أوائل الإمارات».. اعتراف بالريادة
في عام 2014، حظيت شيخة السويدي بتكريم ضمن مبادرة «أوائل الإمارات» بوصفها أول مصورة إماراتية.
ويكتسب هذا التكريم أهمية خاصة لأنه وضع تجربتها ضمن الذاكرة الوطنية للرواد، وأعاد تسليط الضوء على جيل من النساء الإماراتيات اللواتي خضن مجالات جديدة في مراحل مبكرة من تاريخ الدولة.
فالريادة ليست دائماً في امتلاك الإمكانات.
أحياناً تكون الريادة في البدء قبل أن يصبح الطريق واضحاً.
الصورة بين الأمس وإكسبو 2020
ومن المفارقات الجميلة في مسيرة شيخة السويدي أن العدسة التي بدأت رحلتها في زمن الفرجان والبيوت التقليدية والبحر والسفن، ظلت حاضرة وهي توثق إكسبو 2020 دبي.
في ذلك الحدث العالمي، ظهرت شيخة وهي تحمل كاميرتها، وتوثق ملامح المكان ووجوه الزوار وابتساماتهم.
إنها صورة تختصر سبعة عقود تقريباً من التحول.
امرأة بدأت التصوير في خمسينيات القرن الماضي، حين كانت الإمارات تعيش مرحلة مختلفة تماماً، تقف في إكسبو 2020 أمام مدينة أصبحت إحدى أبرز مدن العالم.
لكن الكاميرا بقيت هي نفسها في جوهرها:
عين ترى، وذاكرة تحفظ، وزمن يمر.
شيخة السويدي وأركيولوجيا الصورة
من منظور فوتوغرافي معاصر، يمكن قراءة تجربة شيخة السويدي ضمن مفهوم أركيولوجيا الصورة؛ أي البحث في طبقات الصورة بوصفها أثراً يكشف ما وراء المشهد الظاهر.
فالصورة القديمة لا تخبرنا فقط عن شكل البيت.
إنها تكشف طبيعة العمارة، والملابس، والعلاقات الاجتماعية، وأنماط الحركة، وموقع المرأة، وشكل الأسواق، ووسائل النقل، وعلاقة الإنسان بالبحر، وحتى طبيعة الضوء الذي كان يسقط على المكان.
ولهذا فإن الأرشيف الفوتوغرافي الشخصي يمكن أن يتحول، مع مرور الزمن، إلى أرشيف اجتماعي ووطني.
وهذا تحديداً ما يمنح صور شيخة السويدي قيمتها.
إنها لا تحفظ الأشياء فحسب؛ بل تحفظ العلاقة بين الإنسان والأشياء.
بين الرسم والتصوير.. فنانة متعددة المواهب
لم تكن شيخة أسيرة الكاميرا وحدها.
فإلى جانب التصوير، أحبت الرسم والأشغال اليدوية والخياطة والتطريز والزراعة والطبخ والشعر وغيرها من الاهتمامات.
وهذه التعددية الفنية مهمة في قراءة تجربتها؛ لأن المصور الذي يمتلك حساً تشكيلياً يستطيع أن يرى الصورة بوصفها تكويناً، وأن يتعامل مع الضوء والخط والمساحة واللون والملمس بطريقة تتجاوز التسجيل المباشر.
ولهذا يمكن القول إن عين شيخة كانت تشكل الصورة قبل أن تضغط زر الغالق.
الكاميرا كانت الأداة.
أما الصورة الحقيقية، فكانت تبدأ داخل العين.
ذاكرة لا تنسى صورها
ومن الجوانب اللافتة في شخصية شيخة السويدي قدرتها على تذكر تفاصيل الصور التي التقطتها.
فهي لا تتذكر المشهد فقط، بل تستطيع استعادة الأشخاص والأماكن والمناسبات والظروف المحيطة بالصورة، بل والمشاعر التي رافقت لحظة الالتقاط.
وهنا تلتقي ذاكرة المصور مع ذاكرة الصورة.
فالصورة تحفظ ما قد ينساه الإنسان، لكن المصور أيضاً يحتفظ في ذاكرته بما لا تستطيع الصورة وحدها قوله.
ولهذا فإن الاستماع إلى المصورين الرواد ليس أقل أهمية من مشاهدة أرشيفهم.
فخلف كل صورة قصة.
وخلف كل وجه زمن.
وخلف كل مكان ذاكرة.
رسالة إلى المصورات الإماراتيات
لم تتوقف شيخة عند حدود تجربتها الشخصية، بل ظلت حاضرة في الفعاليات والمعارض الفوتوغرافية، ومتابعة لحركة التصوير في الإمارات.
وفي مشاركاتها ولقاءاتها، عبّرت عن سعادتها بما وصلت إليه المصورات الإماراتيات، وشجعتهن على الاستمرار في التصوير، وعلى توثيق التراث والبيئة ومفردات الهوية الوطنية.
إن رسالتها للأجيال الجديدة تختصر جوهر تجربتها:
صوّروا وطنكم قبل أن تختفي تفاصيله.
ففي عصر الهواتف الذكية والصورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، أصبحت عملية التقاط الصورة أسهل من أي وقت مضى، لكن مسؤولية اختيار الصورة التي تستحق أن تبقى أصبحت أكثر أهمية.
من عشرة دراهم إلى ذاكرة وطن
تروي المصادر المرتبطة بتجربتها أن شيخة اقتنت كاميرتها الأولى بمبلغ بسيط، وارتبطت رحلتها الأولى بالكاميرا بإمكانات محدودة.
لكن قيمة تلك الكاميرا لا تقاس اليوم بثمنها.
فقيمة الكاميرا الحقيقية ليست في سعرها، وإنما في ما استطاعت أن تحفظه من الزمن.
ومن هنا تصبح تجربة شيخة السويدي درساً فوتوغرافياً وإنسانياً:
ليس ضرورياً أن تبدأ بأحدث كاميرا.
المهم أن تمتلك عيناً ترى، وقلباً يشعر، وذاكرة تعرف قيمة ما ترى.
شيخة السويدي.. من ذاكرة المكان إلى ذاكرة الوطن
حين ننظر اليوم إلى الصور التي التقطتها شيخة السويدي، لا نرى الماضي فقط.
نرى الإمارات وهي تتشكل.
نرى الإنسان قبل المدينة العملاقة، والبحر قبل الأبراج، والفرجان قبل الشوارع الحديثة، والبيوت التقليدية قبل التحولات العمرانية، ونرى وجوهاً رحلت وبقيت ابتسامتها معلقة في فضاء الصورة.
وهنا تصبح شيخة السويدي أكثر من مصورة.
إنها شاهدة بصرية على زمن.
لقد حملت الكاميرا في وقت كانت فيه الكاميرا نفسها حدثاً، وصورت الحياة اليومية حين لم يكن أحد يتوقع أن تتحول تلك المشاهد البسيطة إلى وثائق ذات قيمة تاريخية.
خاتمة: حين تتحول العدسة إلى ذاكرة
في نهاية المطاف، لا تقاس تجربة المصور بعدد الصور التي التقطها، بل بعدد اللحظات التي استطاع أن ينقذها من النسيان.
وهذا ما فعلته شيخة جاسم السويدي.
من فريج المرر إلى بر دبي، ومن البيوت القديمة إلى البحر، ومن سفن الصيد واللؤلؤ إلى المدينة الحديثة، ومن الكاميرا الأولى إلى إكسبو 2020، ظلت العدسة شاهدة على رحلة وطن يتغير، ومجتمع يعبر من زمن إلى زمن.
لقد بدأت شيخة التصوير شغفاً، وأصبحت تجربتها مع مرور العقود ذاكرة بصرية.
وإذا كان لقب «أم المصورين الإماراتيين» قد اختصر مكانتها في تاريخ التصوير، فإن أرشيفها يضيف إلى ذلك لقباً آخر لا يقل أهمية:
حارسة الذاكرة البصرية.
فالصورة عند شيخة السويدي لم تكن مجرد ورق وفيلم وكاميرا؛ كانت محاولة صادقة لأن تقول للزمن:
مرّ من هنا إن شئت… لكن لا تأخذ كل شيء معك.
لقد تركت العدسة شاهدة، وتركت الصور أبواباً مفتوحة على ماضٍ لا يزال يتنفس.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم