المبالغة والغلو في الشعر

بقلم الشاعر عبد الواسع السقاف

تُعد قضية “المبالغة والغلو” من أقدم وأشهر المعارك النقدية في تاريخ الأدب العربي، وهي تتلخص في سؤال جوهري: هل يجب أن يكون الشعر صادقاً وواقعياً، أم أن جماله يكمن في قدرته على الخيال الجامح؟

في الحقيقة هناك رأيين متضادين، ولكي نفهم الموضوع بشكل مُبسط، سنقوم بإستعراض كلا 

الرأيين مع أمثلة من الشعر العربي الفصيح:

1. أولا مفهوم المبالغة: المبالغة هي تجاوز الحدّ المعتاد في الوصف، بهدف الـتعظيم أو التقبيح. ودرجاتها: التبليغ والإغراق والغلو. أما #التبليغ فهو وصف ممكن عقلاً وعادةً (مثل: الجود كالبحر). ومثله قول امرؤ القيس في وصف سرعة فرسه:مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا = كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ (وهنا وصف سرعة الفرس بصخرة ساقطة من جبل، وهو أمر ممكن ومشاهد في الواقع). وأما #الإغراق فهو وصفٌ ممكن عقلاً لكنه ممتنع عادةً (مثل: رجل يقاتل جيشاً كاملاً بمفرده). ومثله قول زهير بن أبي سلمى في المدح:تراهُ إذا ما جئتَهُ مُتهللاً = كأنك تُعطيهِ الذي أنتَ سائلُهْ (أن يفرح الشخص بالبذل كأنه هو من يأخذ العطاء هو أمر ممكن عقلاً، لكنه نادر جداً في العادة البشرية).وأما #الغلو فهو وصف مستحيل عقلاً وعادةً (مثل: شاعر يدعي أن دموعه أجرت أنهاراً، أو أن ممدوحه يحيي الموتى).مثله قول المتنبي:بَرِّد حَشايَ إِنِ اِستَطَعتَ بِلَفظَةٍ = فَلَقَد تَضُرُّ إِذا تَشاءُ وَتَنفَعُ(وهذا النوع كان موضع نقد وخلاف عند البلاغيين لأنه ينقل الممدوح إلى مقام شبه إلهي)

2. الانقسام النقديوقد انقسم النقاد قديماً وحديثاً إلى فريقين: الفريق الأول قال: “أعذب الشعر أكذبه”. ووجهة نظرهم أن الشعر فن تخيلي وليس تقريراً صحفياً. أي كلما ابتعد الشاعر عن الواقع وحلق في الخيال والمبالغة، كان شعره أكثر إدهاشاً وقوة. وأشهرهم: قدامة بن جعفر، الذي اعتبر أن المبالغة دليل على سعة قدرة الشاعر اللغوية.ومثال لمدرسة “أعذب الشعر أكذبه” قول المتنبي:كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ = لولا مخاطبتي إياك لم ترني. (وهنا يبالغ المتنبي في وصف نحافة جسمه لدرجة أنه أصبح غير مرئي، وهذا قمة الكذب الفني المحبب لدى هذا الفريق لأنه يصور شدة الألم ويستخدم المبالغة في النحافة كأداة بلاغية لتكثيف الانطباع وإظهار شدة الحالة النفسية).

الفريق الثاني قال: “أعذب الشعر أصدقه” ووجهة نظرهم هي رفض الغلو الذي يخرج عن حدود العقل أو الدين. فهم يرون أن الشعر يجب أن يحافظ على الصدق الفني ولا يتحول إلى ترهات غير مقبولة.وأشهرهم القاضي الجرجاني والآمدي، اللذان كانا يميلان إلى التوازن والوضوح.مثال لمدرسة “أعذب الشعر أصدقه” قول البحتري:صُنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي = وَتَرَفَّعتُ عَن جَدا كُلِّ جَبسِ(هنا يميل البحتري للصدق المباشر والترفع الواقعي، وهو ما يفضله النقاد الذين يبحثون عن الرصانة والوضوح دون شطحات خيالية).

3. النظرة النقدية الحديثة أما في النقد الحديث، فلم يعد السؤال هل كذب الشاعر أم صدق؟ بل أصبح التركيز على “الصدق الشعوري”. فالمبالغة كأداة نفسية يراها النقاد المعاصرون أنها ليست “كذباً”، بل هي تعبير عن حالة نفسية مكثفة. وعندما يقول الشاعر “كادت الأرض أن تميد من هول الخبر”، هو لا يصف زلزالاً جغرافياً، بل يصف زلزالاً في مشاعره.ومثال المبالغة كأداة نفسية قول بدر شاكر السياب:الشمسُ أجملُ في بلادي من سواها والظلامُحتّى الظلامُ هناك أجملُ، فهو يحتضنُ العراق(قوله «حتى الظلام هناك أجمل» مبالغة صريحة؛ فالظلام في ذاته لا يُوصف بالجمال عادة. لكن السيّاب لا يقصد المفاضلة الحسية، بل الإفراط الشعوري الناتج عن الحنين والاقتلاع. المبالغة هنا تعمل كـ آلية تعويض نفسي، حيث الشاعر يُعيد بناء الوطن في المخيلة بوصفه كاملًا، جميلًا حتى في عتمته).

أخيرا: متى تسقط المبالغة نقدياً؟ تسقط إذا كانت “باردة” أو “مصطنعة”؛ أي إذا استخدم الشاعر الغلو لمجرد التباهي بالكلمات دون أن يكون خلفها عاطفة حقيقية تبرر هذا الخروج عن الواقع.مثال قول أحد الشعراء في مدح ملك:مَلِكٌ لو أنَّ الشَّمسَ تَلقى نورَهُ = لَتَوارَتِ الشَّمسُ استِحياءً مِنْهُ(هذا النوع من الغلو يُنقد حديثاً بأنه “بارد ومكرر”؛ لأنه مديح وظيفي مصطنع لا يحمل تجربة شعورية حقيقية، بل مجرد تكرار لقوالب قديمة. وهي تختلف عن المبالغة الحارة التي ترتبط بتجربة شعورية حقيقية)

أخر المقالات

منكم وإليكم