البدوي الأحمر: من حزنٍ في ضوء القمر إلى مسرحٍ يهتف بالحرية في مدينةٍ صغيرة تُدعى السلمية، وُلد عام 1934 طفلٌ نحيل سيحمل لاحقًا حقيبةً من الريح، ويكتب للعرب تاريخهم بالحبر الأسود. كان اسمه محمد الماغوط، لكن اسمه الحقيقي كان الجوع، والخوف، والحرية المؤجّلة.نشأ في بيتٍ إسماعيلي فقير بمحافظة حماة، وكان أبوه فلاحًا بسيطًا يعمل أجيرًا في أرض ليست له. ترك المدرسة مبكرًا، كأن المعرفة لا تُنال إلا بالمشقّة، وكأن السجون وحدها تُخرّج الشعراء. في سجن المزة، إثر اعتقاله بعد تداعيات اغتيال عدنان المالكي، تعرّف إلى الشاعر أدونيس. هناك، خلف القضبان، بدأ يكتب لا كمن ينظّم قصيدة، بل كمن يحفر نفقًا نحو الهواء.هرب إلى بيروت أواخر الخمسينيات، مدينة الأرصفة والقصائد المعلّقة على حبال الغسيل. في مجلة «شعر» التي أسّسها يوسف الخال، وجد لغته الخاصة: قصيدة نثر تشبهه، لا وزن لها إلا وجعه. في تلك المدينة أيضًا صادق بدر شاكر السياب، وتعرّف إلى الشاعرة سنية صالح التي ستصبح زوجته ورفيقة عزلته.عام 1959 أصدر «حزن في ضوء القمر»، ثم «غرفة بملايين الجدران»، فكان كمن يعلن أن القصيدة يمكن أن تمشي حافية في الشارع. لم يكن شاعر تيار أو مدرسة، بل شاعر الرصيف. كتب عن الوطن كأنه سرير ضيق، وعن الحرية كأنها ثلجٌ يتمنى النوم فوقه.عاد إلى دمشق، المدينة التي أحبّها ونازعها. عمل في الصحافة، وأسهم في تأسيس جريدة «تشرين»، وكتب زاوية «الورقة الأخيرة» كما لو كانت وصيته اليومية. ثم صعد إلى خشبة المسرح مع الفنان دريد لحام، فأنجبا معًا مسرحًا سياسيًا لاذعًا: «ضيعة تشرين»، «غربة»، «كاسك يا وطن»، «شقائق النعمان». كانت الضحكة في نصوصه طلقةً مؤجّلة، وكان التصفيق أحيانًا يشبه البكاء.كتب للسينما «الحدود» و«التقرير»، وكتب الرواية في «الأرجوحة»، ودوّن خيبته في «سأخون وطني». وفي سنواته الأخيرة، بدا كأنه يعود إلى صحرائه الداخلية في «شرق عدن غرب الله» و«البدوي الأحمر»؛ ذلك البدوي الذي يحمل وطنه على كتفيه ويمشي، لا لأن الطريق واضحة، بل لأن التوقّف موتٌ بطيء.الثمانينيات كانت قاسية عليه: رحيل شقيقته، ثم والده، ثم زوجته سنية صالح بعد صراع مع السرطان. تراكمت الفواجع كأحجار في صدره، فازدادت كتابته اختصارًا وحدّة. كان يقول: «بدأت وحيدًا، وانتهيت وحيدًا». لكنه في الحقيقة لم يكن وحيدًا؛ كان معه شعبٌ كامل يبحث عن صوته.نال جوائز عدة، منها جائزة سلطان بن علي العويس عام 2005، ووسام الاستحقاق السوري، لكن أوسمته الحقيقية كانت جملًا صارت أمثالًا: «لو كانت الحرية ثلجًا لنمت في العراء»، و«أعطونا البرلمانات وأخذوا الحرية».في 3 نيسان 2006، رحل الماغوط إثر جلطة دماغية في منزله بدمشق. رحل البدوي الأحمر، لكن صحراءه بقيت مفتوحة في اللغة. ترك لنا قصيدة بلا سياج، ووطنًا من كلمات، وكرسيًا عتيقًا على باب الحزن………………………… #سوريات_Souriat# مجلة ايليت فوتو -رت..


