كريمة الجايي
إنَّ تصور العلاقة بين اللُّغة والفِكر في الدراسات اللغويَّة المعاصِرة أصبح أكثر تعقيدًا بسبب تطوُّر الدراسات في علم اللغة؛ حيث إنَّ هذه الدِّراسات المعاصرة تتَّصل بميادين أخرى، منها: الميدان النفسي، والميدان الروحي، والميدان الاجتماعي، هذا التداخل بين علم اللُّغة وعِلم النَّفس أدَّى إلى ظهور ما يُعرف بـعلم اللُّغة النَّفسي؛ لأنَّ اللُّغة مظهر من مظاهِر السلوك الإنسانيِّ، هذا الأخير الذي يُعتبر مبحثًا من مباحث عِلم النَّفس، وهو من المباحث التي يَرتبط فيها علمُ اللُّغة وعلم النفس.ومهما يكن من أمرٍ، فإنَّ الدراسات اللغويَّة المعاصرة قدَّمَت آراء مختلفة ونظريات عدَّة توضح العلاقةَ بين اللغة والفِكر، ويمكن القول: إنَّ خلاصة تلك النظريَّات والآراء تكمن في نظريَّتين رئيستين، هما:النظرية الأولى: نظرية استقلال الفِكر عن اللُّغة استقلالاً غير نسبي، مع وجود التأثير المتبادل بينهما.النظرية الثانية: نظرية العزل، ومضمون هذه النظريَّة هو الإقرار بأنَّ اللُّغة معزولة عن الفِكر، فأصحاب نظريَّة العزل يجرِّدون التفكير من جميع ارتباطاته الحسيَّة الماديَّة باللُّغة، وينظرون إلى كلٍّ منهما بمعزل تامٍّ عن الآخر[5].
وعلى الرغم من كلِّ هذه النظريَّات والمحاولات، فقد ظلَّت العلاقة بين اللُّغة والفِكر من الأمور التي لم يستقر على تحديدها الباحثون بعد، ولم يتَّفقوا على رأيٍ قاطع فيها، ولعلَّ لطبيعة تلك المشكلة من حيث هي مشكلة فلسفيَّة أكثر منها مشكلة لغويَّة دخلاً كبيرًا[6].
والخلاف القائم ليس في مدى ارتباط اللُّغة بالفِكر، فهذه قضيَّة يبدو أنَّ هناك قدرًا من الاتفاق عليها؛ وإنَّما الخلاف في أسبقيَّة وجود كلٍّ منهما على الآخر، هل الفِكر وُجد قبل اللغة؟ أم اللُّغة قبل الفِكر؟ هل الفِكر خالق اللُّغة وموجِدها؟ أم أنَّ اللغة هي التي تَصنع الفِكرَ وتكوِّنه؟هذا الخلاف في الواقع خلافٌ طويل، ويكاد يكون الخوض فيه عملاً قليل الجدوى، ضعيف النتائج، ولكن على أيَّة حال، فالعلاقة بين اللُّغة والفِكر هي علاقة قائمة على الاتِّحاد بينهما، كلٌّ منهما يتأثَّر بالآخر ويؤثِّر فيه؛ فالفِكر إذَا تغيَّر أو تطوَّر تغيَّرَت معاني الكلمات وتطوَّرَت هي الأخرى، وكذلك اللُّغة فهي لم تَقتصر على كونها معبِّرة عن الفِكر، بل كانت كذلك أداة نموِّه وارتقائه أو كما قال إدوارد سابير: “إنَّ نموَّ وتطور اللغة يعتمد إلى حدٍّ كبير على نمو وتطور الفكر”[7].
هذا عن علاقة اللُّغة بالفِكر، أمَّا إذا أردنا معرفة أصل اللُّغة وكيف نشأَت، فهي كذلك من الأمور التي ما زالت غامِضة، ولكي نَكشف هذا الغموض علينا أن نَرجع إلى العهود القديمة التي لا نعلم عنها شيئًا يقينًا، والعِلم لا يأخذ بالغيبيَّات أو الحدس، إلاَّ إذا كانت افتراضات قيد البرهان[8].
ولكن أصل الإنسان ونشأة لغته أمرٌ يثير الخيال، وأصل اللُّغة ليست قضيَّة لغوية بحتة، ولا تدخل في نطاق عِلم اللُّغة، بل في نطاق البسيكولوجيا والأنتروبولوجيا والفلسفة.ومعرفة أصل اللُّغة من أقدم المشاكل الفكريَّة التي جابهَت عقل الإنسان، وليس من السَّهل اليسير البحث فيها؛ ذلك أنَّ اللُّغة أداة مركَّبة معقَّدة، فهي ذات جوانب كثيرة، وتتألَّف من عناصر متعدِّدة، وتأخذ خلال الزَّمن أشكالاً مختلفة تتنوَّع وتتعدَّد بتنوُّع وتعدُّد البيئات والمجتمعات.ونجد أنَّ العرب انقسموا إلى قِسمين إزاء هذه المشكلة – أصل اللغة – فقالت جماعة: إنَّ اللغة توقيفيَّة في عهد آدم عليه السلام؛ أي: إنَّ الله علَّمها الإنسان، ويمثِّل هذه النظريَّة ابن فارس المتوفي عام 395 هـ؛ إذ يقول: “إنَّ لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قولُه عز وجل: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: 31 – 33].
وقالت جماعة: إنَّها “اصطلاحيَّة توافقيَّة اجتماعية” في العهود التالية؛ لأنَّ الحياة تتطوَّر وتتغيَّر، ولا بدَّ لهذا التغيُّر من مسايرَة اللُّغة لكي تعبِّر عن متطلبات أهلها، يقول ابن جني: “وذلك بأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء والمعلومات، فيضعوا لكلِّ واحدة منها سِمَة ولفظًا إذا ذُكر عرف به مسمَّاه؛ ليمتاز عن غيره، ويغني بذكره عن إحضاره لبلوغ الغرض في إبانة حاله”[9].
ولكن الملاحظ أنَّ كلَّ الآراء التي كانت تدور حول أصل اللُّغة كانت تدور في حلقة مفرغة، فكثر القولُ فيها إلى حدٍّ جعل علماءَ اللُّغة المحدَثين قد فصلوا مسألةَ البحث في أصل اللُّغة وألفاظها ونشأتها الأولى عن مباحث عِلم اللغة، واعتبروا البحثَ فيها كسائر المباحث التي هدفها مَعرفة بداية الحياة الإنسانيَّة والاجتماعيَّة التي ارتبط البحثُ فيها بنطاق الفلسفة أكثر من أن يكون من اختصاص العلم، أضِف إلى ذلك قلَّة جدوى هذا البحث، وقد كان هذا الموقف نفسه موقف كثيرٍ من علماء السلَف في تاريخنا العربي، فقد قال ابن السبكي: “الصحيح عندي أن لا فائدة لهذه المسألة”[10].


