فيلم “ذيل الكلب”.. الكوميديا التي تحولت إلى سيرك سياسي على الأرض
الملصق الترويجي لفيلم “ذيل الكلب” (الجزيرة)
أسامة صفار
تورط رئيس أميركي في فضيحة جنسية، فلجأ إلى منتج هوليوودي لصناعة حرب وهمية ضد إحدى دول العالم، مستخدما صورا تلفزيونية مفبركة ومقاطع صوتية وموسيقى وطنية مدروسة بعناية. هذه الحكاية لم تكن مستوحاة من واقع سياسي، بل قدمت عام 1997 في فيلم “ذيل الكلب” (Wag The Dog)، ما دفع كثيرين وقتها إلى اتهام مخرجه باري ليفنسون بالمبالغة في السخرية وصناعة كوميديا تنتمي إلى عالم اللامعقول.
غير أن ما بدا خياليا آنذاك، بات اليوم يستحضر في الخطاب السياسي بوصفه أقرب إلى دليل إرشادي لإدارة الأزمات والفضائح، سواء كانت جنسية أو غير
إعادة مشاهدة “ذيل الكلب” اليوم لا تقتصر على الإعجاب بقدرة صناعه على استشراف المستقبل، بل تفتح الباب لتأمل الطريقة التي صيغت بها الفكرة سينمائيا، بدءا من اللوحة الافتتاحية الصادمة التي تقول إن الكلب يهز ذيله لأنه أذكى منه، ولو كان الذيل أذكى لاهتز الكلب بأكمله.
هذه العبارة، التي أثارت الدهشة عند عرض الفيلم، تطرح اليوم أسئلة أكثر إلحاحا حول من يتحكم في من: الكلب أم ذيله. فالحرب المختلقة التي أدارها المستشار ورئيسه لم تكن سوى أداة لصرف انتباه الناخبين عن الفضيحة، في سباق مع الزمن قبل الانتخابات، وهو منطق لم يعد غريبا على عالم السياسة المعاصر.
حرب في الاستديو
تكمن قوة الفيلم الحقيقية في كشفه للطريقة التي تعمل بها السلطة حين يطغى “الكذب” على “الحقائق”، إذ لا وجود لحرب حقيقية، وكل ما في الأمر أستوديوهات وغرف مونتاج ومؤتمرات صحفية، يؤكد خلالها الرئيس أن “ألبانيا” هي العدو.
لم يحرص الرئيس أو مستشاره على النظر إلى الخريطة لمعرفة أين تقع ألبانيا، ولم يحرصا على الكشف عن طبيعة الأزمة بين البلدين لسبب بسيط هو أن كل ما هو خارج حدود الدولة التي يحكمها الرئيس عبارة عن تصورات فقط، وقد ينطبق الأمر نفسه على الشعب الذي لا يرى خارج حدود بلاده. كانت السردية حماسية وعاطفية وقوية، وهو ما يتطلبه الأمر.
إعلان
كان السيناريست ديفيد ماميت بخيل في الحوار، كريم في الصورة، وحتى حين وجد الحوار كان سريع بلا عاطفة، وهو أداء محكم ودقيق لحالة عدم الاهتمام، سواء كانت الأمور حقيقية أم مجرد إيهام.
روبرت دي نيرو و آن هيتش في مشهد من “ذيل الكلب” (آي ام بي دي)
وتحسب للسيناريست تلك اللفتة التي تبرر امتداد “التلاعب” من الخيال إلى الواقع طالما لم يجد من يغضب منه.
ويحسب له أيضا ذلك البناء الذي يخيف مشاهد الفيلم في لحظاته الأولى، إذ يبدو كل مشهد وكأنه فقرة إعلانية قصيرة تستعد للانتقال إلى ما يليها، وهو ما حول النص بكامله إلى سيناريو “للدعاية”، أو سيناريو يتوحد مع ما ينتقده ليصوره.
إخراج سياسي بامتياز
رغم أن باري ليفنسون الفائز بجائزة الأوسكار عام 1988 عن فيلم “رجل المطر” (Rain Man)، لم يدرس السياسة ولم يمارسها، إلا أن ما قدمه في “ذيل الكلب” (Wag the Dog) يمثل دليلا قويا على عمق فهمه لأدواتها وآليات العمل فيها. جاءت مشاهد الفيلم دقيقة، فلا وجود للإسراف البصري، أو السخرية الأنيقة أو المفتعلة.
وقفت الكاميرا تراقب وتقدم لقطات متوسطة، ثم تسربت إلى الممرات الداخلية، حيث تعقد الصفقات السياسية. ما قدمه باري ليفنسون هنا لا يعد خيارا جماليا فقط، ولكنه أيضا خيار موضوعي يليق بالسياسة.
جاء الإسراف من جهة أخرى، إذ تم التخطيط للحرب كما لو كان مدير التسويق يخطط من أجل سلعة بشكل بهلواني. ويختزل المعاناة الإنسانية في لقطات جاهزة، ويختزل الوطنية في تصميمات صوتية. ذلك التوازن والدقة والاختيارات المحددة أدت إلى حمايته من الانزلاق نحو الحالة الكاريكاتيرية التي انساق إليها المخرج الوثائقي مايكل مور في فيلمه الروائي الوحيد “البيكون الكندي” (Canadian Bacon).
كان مور قد قدم فكرة شبيهة في محاولته اليتيمة لتقديم فيلم روائي، لكن الدولة المستهدفة هذه المرة كانت كندا، غير أنه انساق وراء حالة كاريكاتيرية لم ينجح بسببها الفيلم في الوصول إلى الجمهور وأنهى تجربة مور الروائية.
إذا كانت ثمة مبالغة في صناعة الفيلم، كما اتهم النقد ليفنسون، فهي تلك التي التزم بها للوفاء بكل متطلبات صناعة فيلم للتاريخ، وقد تحقق بالفعل، وكما صنع جيمس كاميرون حضارة كاملة وكتب لها تاريخا ليصنع أفاتار (Avatar)، فقد سبقه ليفنسون بـ 20 عاما بتأليف أغاني وطنية خصيصا لفيلم “ذيل الكلب”.
وصاحبت تلك الأغاني شرائط و”إعلانات” الحرب، ليعلم المشاهد أن رجال السياسة يتقنون لعبة السيطرة على الشعوب باللعب على العاطفة. كانت الموسيقى هي البطل الحقيقي في فيلم الحرب الزائفة.
وقد استطاع المونتاج أن يبلور تداعي الأحداث، عبر إيقاع سريع لا مجال فيه للتحقق أو اختبارات المصداقية والثبات، وفي محاكاة كاملة لحملات الإعلام السياسي، كان مونتاج “ذيل الكلب” يهتم بالتصعيد العاطفي، وكأنه استخدم تكنيكات إنجاح السياسيين لدفع الجمهور لانتخاب الفيلم في شباك التذاكر.
نهاية ترفض الحقيقة
أنهى ليفنسون فيلمه بنجاح الرئيس ونجاح خدعة الحرب الزائفة، وهو شأن يعتبره أساتذة الدراما خروجا على قواعدها، إذ يبدو أن الشر قد انتصر. بيد أن طبيعة العمل بوصفه رسالة رافضة وغاضبة تؤكد أن عماد السياسة الكذب، غير أن الأزمة تكمن في أنه لا يوجد من يحرص على كشفه، إذ يطالب صانع الحرب الزائفة المنتج الفني ستانلي موتس -الذي أدى دوره الممثل داستين هوفمان- بأن ينسب الفضل إليه فيما يعتبره أفضل إنتاج فني له.
إعلان
رغم تصنيفه فيلما كوميديا، فإن ثقل الحالة التي يعكسها اليوم يشير إلى أنه ينبغي نقله إلى فئة أفلام الميلودراما، بعد أن انتقلت أحداثه من الشاشة إلى أرض الواقع.
تقدم هوليود دائما سرديات موازية لتلك التي تقدمها السلطة السياسية، وتشتبك في مناسبات خاصة مثل حفلات توزيع جوائز الأوسكار (Academy Awards) أو غيرها بالتعليق على أداء الرؤساء. تحاول الأفلام تبسيط السردية السياسية لجعلها صالحة للاستهلاك الجماهيري، لكن الحدود التي كانت تفصل بين المؤسستين تآكلت تدريجيا، فتحول العمل في هوليوود إلى سياسة، وأصبحت متطلبات العمل السياسي تضم التأليف والإخراج والمونتاج.
المصدر: الجزيرة + الصحافة الأجنبية
•
*********
المصادر:
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net


