القصيدة الشعرية عند الأديب: عبد الرحيم الصايل، كائن خجول لا يحب الإقامة في كتاب.-حاوره: عبدالله الساورة.

عبد الرحيم الصايل: القصيدة الشعرية كائن خجول لا يحب الإقامة في كتاب

حاوره: عبدالله الساورة
لا يقدّم عبد الرحيم الصايل نفسه بوصفه شاعرا جاهزا، ولا يطمئن إلى فكرة التجربة المكتملة، فهو يتحرك في منطقة هشّة ورمادية، حيث الشعر احتمال والحياة مسودة والقصيدة كائن متردّد لا يحب الإقامة الطويلة. ونحن أمام شاعر لا يراكم النصوص، وإنما يراكم الأسئلة ولا يسعى إلى تثبيت أثره في كتاب، فهو يتركها معلقة في هواء اليومي، في الفيسبوك، في الصمت…، وفي ما لم يُكتب بعد. لذلك تبدو تجربته الشعرية، في جوهرها، تجربة امتناع بقدر ما هي تجربة كتابة.
في هذا الحوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، لا يتحدث الصايل عن الشعر من علٍ، ولا يضع نفسه في موقع الحكيم أو المنظّر، وإنما يتكلم من داخل الشك، من قلب القلق، من منطقة الإنسان الذي لم يحسم علاقته بالحياة ولا باللغة. شاعر يعترف بأنه مقلّ في الكتابة لأنه مقلّ في الحياة، وكأن القصيدة عنده ليست تمرينا أسلوبيا، بقدر ماهي فائض وجود لا يأتي إلا نادرا، حين تتهيأ الروح وتصفو المسافة بين الداخل والعالم. وهنا، لا تكون المعاناة رأسمالا شعريا، ولا الألم مادة جاهزة للقصيدة، فهي تجربة يجب أن تمرّ، أن تُعاش، أن تهدأ، قبل أن يُلتفت إليها بالكلمات.
وما يلفت في تجربة الصايل، كما تتكشف في أجوبته، هو هذا الوعي الحاد بخطر الاستعراض، بخطر المؤسسة الثقافية حين تتحول إلى آلة عرض، وبخطر الأمسيات حين تصفق بدل أن تسأل. واختياره للغياب ليس كسلا ولا تعاليا، وإنما موقفا جماليا وأخلاقيا، دفاع عن زمن القصيدة البطيء، وعن حق الشاعر في أن يخطئ في الصمت بدل أن ينجح في الضجيج. إنه شاعر يشك في النشر، لا لأنه يخشى القراءة، ولكنه يخاف من تثبيت نص كان ينبغي أن يظل قلقا، مترددا، قابلا للنسيان كما هو قابل للبقاء.
في هذا الحوار أيضا، يتجلى تصور خاص للشعر بوصفه طاقة حياة أكثر منه منتجا ثقافيا. ولا يكتب الصايل ليُنقذ نفسه، ولا ليعمّق جرحه، فهو يظل مندهشا، ليبقي نافذة مفتوحة على العالم، حتى حين تعجز يده عن الكتابة. والشعر عنده يُعاش أكثر مما يُكتب، يُقال بالفم أكثر مما يُدوَّن، ويظل، في أحسن حالاته، تلك القدرة على رؤية غصن مكسور بوصفه مرآة لقسوة كبرى تمشي بين الناس.
ومن هنا تأتي قيمة هذا الحوار، لا بوصفه شهادة مكتملة، وإنما باعتباره نصا مفتوحا، يضيء تجربة شعرية هادئة، مترددة، لكنها عميقة، تضع الشعر في مكانه الأصلي: على الحافة، بين النجاة والغرق، بين الطفولة والمعرفة، بين الحالة النفسية المترددة والصمت والكلمة…
تكتب الشعر بانتظام، لكنك ترفض إصدار أي مجموعة شعرية. هل هو رفض للمؤسسة الثقافية، أم خوف من تثبيت نصّ يجب أن يظل في حالة قلق دائم؟
لست أكتب الشعر بانتظام ووفق طقوس كما هو شائع لدى كثير من الشعراء. ويمكن القول إني مقل في الكتابة، ربما لأسباب منها على سبيل المثال، أني مقل في الحياة أيضا، أو أني لم أبلغ بعد تلك النصوص البسيطة، العظيمة والضاربة في الشعر.
أما بخصوص رفض إصدار مجموعة، فالأمر ليس صحيحا. فأغلب ما نشرته كان في الفايس، الذي مازلت أعتبره مسودة هائلة، وبإدمان النشر فيه، ابتعدت عن فكرة النشر الورقي، أو لنقل إني أجلت الموضوع إلى حين يتبين الشعر الأبيض من الأسود.
إني أشبه نصوصي، كما ترى، فهي مترددة، وخجولة، ومصابة بتعكر المزاج ولن تعرف كيف تستقر بين جدران كتاب كما لم أعرف أنا أيضا أن أستقر بين صفحات بيت.
هل تشعر أن القصيدة، ما إن تُنشَر، تفقد شيئًا من حقيقتها، كأنها تنتقل من منطقة الاعتراف إلى منطقة العرض؟
القصيدة العظيمة، مثل الذهب، لا تصدأ بفعل الزمن. وأستحضر نماذج من شعر الهايكو الياباني، التي لم تسقط بفعل التقادم. إنني دائما ما أستحضر قمر “ريوكان ” الذي لم يستطع السارق أن يأخذه من حافة النافذة. أستحضر مقطع “ستانسيلاف جيرزي ” حتى في صمته، كان يرتكب أخطاء إملائية “. ولا يمكن أن أنسى مقطع والت ويتمان ” أيها الغريب، حين تمر بي، حين أمر بك، لم لا تحدثني ولم لا أحدثك؟ ” ولا يمكن نسيان السحر الذي يظل عالقا في الروح بعد قراءة أشعار بسام حجار.
والشعر إذا كان جيدا، يبقى في قلب القارئ، لكن بالمقابل، ثمة قصائد، تبدو مرشحة لأن تنسى، لأن تقرأ ثم بسرعة تموت، ليبقى شاعرها لبعض الوقت على قيد التداول.
ولا مشكلة في أن ينشر الشعر، ولا مشكلة إن كان بلا حقيقة، والأمر الأهم، هو أن يحرك ورقة في شجرة، أن يوقف نهرا للحظة، أن يجعلك بعد قراءته، تكتشف أنك جزيرة.
إلى أي حدّ ترى أن المعاناة ليست عائقًا للكتابة، بل شرطًا خفيًا لحدوثها؟
سأتحدث عن تجربتي بما أني صرت زبونا لعيادات الطب النفسي. فالكتابة مسألة روحية، وإذا لم تكن الروح في تلك المنطقة الشعورية التي تسمح بالكتابة، فالأمر منطقي وطبيعي. والمعاناة، ككلمة لم يسبق لي أن قرأتها في قصيدة. عوضا عنها، كنت أصادف كلمة الألم كثيرا في القصائد. ربما لأنها كلمة رغم قسوتها، تحمل نفسا موسيقيا وشعريا. والألم إذا أردنا تعريفه، فلن ننتهي، فالآلام كثيرة، خصوصا في بلاد، كان الألم حاضرا في حياتنا، سواء بشكل جلي وسواء وراء الكواليس، لكن متى يمكن للألم أن يكون دافعا للكتابة؟ هذا هو السؤال، وسأحاول الإجابة بإعطاء مثال، لنتخيل أن ثمة قارب شراعي يبحر من ميناء، ليجد نفسه فجأة وسط البحر يواجه عاصفة شرسة، ثم بعد فعل مقاومة، يستطيع القارب النجاة، ومع الكثير من الخسائر. ولا يمكن أن ننتظر شعرا وسط العاصفة. فالمسألة هنا، مسألة بقاء ومسألة مقاومة. والشعر يمكن كتابته في الميناء، قبل العاصفة، ويمكن كتابته أيضا بعد النجاة منها، ولذلك، حين يقال لي إن الكتابة تمكن من منطقة الألم يكون فيه طازجا، أشكك في الأمر.
هل تكتب القصيدة لكي تُنقذ نفسك، أم لكي تُعمّق هذا الشرخ الداخلي الذي يمنحك حساسية مختلفة تجاه العالم؟
في المناسبات القليلة التي وجدت نفسي خلالها، أكتب، لا أشعر بتلك البهجة الجميلة، إلا بعد أن أعثر على مقطع جيد. ولكن في المناسبات الكثيرة التي كنت خلالها أعيش الشعر دون أن تقوى يدي على كتابته، كنت أبتهج لشهور، بسبب ما أراه وما أسمعه وما ألمسه. ويمكن أن تقول إني أبلغ الكمال وأنا أعيش الشعر وفي ذلك طوق نجاة مما يسمى الواقع ومما يسمى إكراهات الواقع. إني، بمحاولاتي في الجهتين، أحاول أن أظل مندهشا، أمام ما يحدث من حولي.
في زمن يُطالب فيه الشاعر بالحضور، بالصوت العالي، وبالكتاب الملموس، كيف تعرّف موقعك كشاعر يختار الغياب بوصفه موقفًا جماليًا؟
تحضرني جملة قالتها فيسوافا تشيبورسكا ” المهرجانات الشعرية تفتض بكارة الشعر “. إنها جملة صادرة عن شاعرة كبيرة، وليس من الصعب شرحها. إنها تقول كل شيء .
أنا أيضا، سبق لي أن شاركت في أمسيات شعرية قليلة، وقد كنت أعود منها، كالعائد من محكمة أصدرت بحقه السجن مع وقف التنفيذ. وكنت أشعر بنوع الخيانة دون أن أعرف من خنت أو ماذا خنت؟ لاحقا، تبين لي أن الأمسيات قد تكون رائعة، لو أخذت بجدية. لو كف الجمهور عن التصفيق وباشر الأسئلة، لو أتيح للشاعر وقت أكثر من الوقت المخصص لقصيدته.
بالنسبة للغياب، هو ضرورة لكل شاعر، كي ينحت قصائده دونما تعجل أو رغبة في الظهور. وأعتقد أن الشعراء غائبون في الأصل ما داموا يختفون كغواصين في أعماق الليل، بحثا عن محارة توجد داخلها لؤلؤة الطفولة.
هل ترى أن القصيدة اليوم ما زالت قادرة على طرح أسئلة كبرى، أم أنها صارت كتابة شخصية تُقاوم النسيان أكثر مما تُقاوم الواقع؟
جميل هذا السؤال. أظن أنك تقصد بالأسئلة الكبرى، تلك القضايا التي تهم الإنسان بشكل عام، من قبيل الموت، الحب، الحياة وما إلى ذلك. إذا كان كذلك، فكل ما يكتب، تجد خلفه، يد ميتة، أو يد عاشقة، أو يد شاردة. أتفق معك في كون معظم ما يكتب، يمكن أن نضعه في خانة الشخصي، واليومي والعابر، لكن أليس الشخصي قضية ذات شأن. أليس الشاعر حين يكتب عن مشاعره، يمنحنا نافذة لنرى الصورة الكبيرة. إن غصنا مكسورا في حديقة يراه الشاعر، هو إن شئت القول، انعكاس للقسوة التي تمشي على قدمين، متباهية بقسوتها، أمام مرأى الجميع.
ما الذي تخشاه أكثر: أن تُساء قراءة قصيدتك، أم أن تُفهَم جيدًا وتُختزل في معنى واحد؟
أنا لا أخشى شيئا. قصائدي لا تحتمل القراءات النقدية. ويمكن لطفل فهمها، كما يمكن لبالغ فهمها. إنها مراكب ورقية تسبح في نهر، وتتمنى أن تقابل بكلمة شكرا التي تقولها الأشجار لنهر دمث. وكثيرا ما يراسلني بعض الأصدقاء ويرددون على مسامعي مقطعا شعريا كتبته منذ زمن، فأندهش، ليس بسبب أن قصيدتي تم حفظها، بل لأني نسيتها. وما أخشاه فعلا، هو ألا أكون شاعرا امام كل هذا السحر الذي يحدث وتصيبني لوثة الواقع وسط القلب.
هل علاقتك بالشعر علاقة خلاص، أم علاقة إدمان هادئ، يشبه السير في حافة لا تريد مغادرتها؟
لجوئي إلى الشعر، كان بمحض الصدفة. كنت أميل إلى أن أكون ساردا، لكن بما أن الحكايات تكاد تكون نادرة، لجأت في شبابي إلى الكتابة عن مواضيع غامضة مثل الموت، كما إني كنت مولعا بكتابة رسائل الحب بسبب خجلي ممن أحببتن، وكنت أكتب أيضا ردودها. الشعر، جاء وأنا على مشارف الثلاثين بعد انتهاء عاصفة. قرأت نصوصا وأعجبتني وكتبت على غرارها، فبدأ الأمر، لكني وأنا أسلك طريق الشعر، بدا لي أني أجهل كل شيء عن هذا العالم الجديد، وأن الكلمات التي أملك، لا تفي بالغرض، فقررت أن أقرأ ما تيسر، إلى حين استطعت بعد ذلك، أن أعرف إلى حد ما كيف، أكتب. صدقني إن قلت لك، إني كنت أقول الشعر بفمي أكثر من يدي. وكنت أتحدث دائما مستعملا صيغا شعرية، عجزت دائما إلى تحويلها إلى كلمات مكتوبة. وصدقني أيضا إن قلت لك، أني مازلت لم أحل المشكل إلى الآن. ومازال فمي متوفقا على يدي. وقد تكون على حق. وقد يكون الأمر إدمانا يهدأ تارة، وتارة أخرى يعصف بي وبقاربي.
هل يمكن، برأيك، قراءة قصيدة دون لمس هشاشة كاتبها؟
النقد هو تلك اليد التي تلمع الذهب، هو مقاربة جمالية اتجاه ما يعبر عنه شاعر بوصفه، إنسانا مهمته تكمن في إبداء مشاعره. والشاعر يوثق بشكل ما المشاعر، التي هي سمة الإنسان. من سيصطاد المشاعر غير الشاعر؟ يمكنك أن تتعرف على سمات شعب انطلاقا من شعرائه. وفي اليونان، يحفظ أغلب اليونانيين قصائد يانيس ريتسوس، وشخصيا لم أعرف داغستان إلا من قصائد شاعرها الكبير رسول حمزاتوف. الامر ينطبق، على شعراء آخرين طبعا. هؤلاء الشعراء عرفهم العالم من نصوصهم العالية وليس من الدراسات النقدية. سأبدو نوعا ما ظالما للنقد، لكني أنفي الأمر. نحن مازلنا بحاجة إلى النصوص، أكثر من حاجتنا للنقد.
لو طُلب منك أن تكتب قصيدة أخيرة، لا تُنشَر ولا تُوقَّع باسمك، ماذا ستقول فيها: هل ستدافع عن الشعر، أم ستعتذر له؟
طبعا، سأفعل الأمرين، سأدافع عن الشعر، عن هذا الوجود، الذي يبقينا أطفالا، ويبقي الدهشة في أعيننا، يبقينا على قيد جمال أن نحيا وأن نشعر دون خوف من أن نشعر، ونتحدث اللغة في أرقى حالتها، لكن بالمقابل، سأعتذر، لأني لم أكتب الشعر حين تسنى لي كتابته، حين جاء كهدية من الهواء، فتغاضيت، أو عجزت بسبب عواصفي الشخصية.
======***********======
– المصادر:

  • موقع هسبريس
    – موقع : هيبا www.hipa.ae
    – موقع الجريدة
    – موقع: جامعة الزهراء
    – موقع: سانا السوري
    – المجلة الجزائرية الثقافية
    دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
    – مجلة كل الأسرة
    – مجلة: الرافد الإماراتية
    – موقع وكالة سانا السورية
    – موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
    – موقع مجلة : الحرف والكلمة
    – نادي الكتاب اللبناني
    – الإتحاد العربي للثقافة
    – صفحة المواهب الفوتوغرافية
    – موقع :Role- بي بي سي
    موقع : عالم التقنية
    https://p.dw.com- موقع ألمانيا
    – المصدر: https://dantri.com.vn
    – موقع عكاظ
    – موقع الشرق الاوسط
    – موقع رؤية
    – جائزة هيبا www.hipa.ae
    – موقع الإمارات اليوم
    مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
    – موقع: ويب طب www.webteb.com
    – موقع الشرق
    – موقع اليوم السابع
    – العربية.نت
    – موقع الجزيرة.نت
    موقع : مصراوي
    موقع: إيليت فوتو آرت
    https://elitephotoart.net
    – مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم