التاريخ المبكر للتصوير الفوتوغرافي غير موثق بشكل جيد. فقد تمت الاكتشافات المهمة على يد أشخاص لم يكونوا معروفين إطلاقاً، ولم يتركوا سوى القليل جداً، إن وجد، من السجلات حول ما فعلوه ولماذا فعلوه. وكانت معظم الاكتشافات المبكرة تُعتبر فضولاً علمياً وليست مساهمات مهمة في مجال المعرفة الأساسية. على سبيل المثال، منذ عام 350 قبل الميلاد، كان أرسطو يعلم أن ثقباً صغيراً جداً في صفيحة معدنية رقيقة يمكنه إنتاج صورة، لكن هذا هو كل ما في الأمر تقريباً. مرت قرون قبل أن يكتشف شخص ما أن العدسة يمكنها أيضاً إنتاج صورة، لكنها صورة أكثر سطوعاً ووضوحاً بمرات عديدة. ومن هذا الاكتشاف اللاحق تطورت “الكاميرا المظلمة” (Camera Obscura)، ومنها لم تكن الخطوة إلى الكاميرا نفسها سوى خطوة صغيرة. ومع ذلك، شارك في عملية الاكتشاف هذه العديد من العلماء والمجربين، ولا يُعرف اليوم سوى أسماء عدد قليل نسبياً منهم.على الرغم من أننا لا نعرف من اخترع الكاميرا المظلمة، إلا أننا نعلم أنه في عام 1553 كتب عنها رجل يُدعى جامباتيستا ديلا بورتا (Giambattista Della Porta)، ونتيجة لذلك، حصل لبعض الوقت على الفضل في اختراعها. يوضح الشكل رقم (1) مثل هذه الكاميرا المظلمة، التي كانت تُستخدم في المقام الأول كلعبة مسلية. ومع ذلك، لم يمر وقت طويل قبل أن يخطر ببال شخص ذي خيال خصب فكرة صنع كاميرا مظلمة كبيرة بما يكفي لاستيعاب عدة أشخاص، ووضع العدسة في الأعلى، واستخدام مرآة لعكس الصورة على ورقة موضوعة على طاولة أو منصة، حيث يمكن رؤيتها بشكل أكثر إرضاءً من قبل عدد من الناس. استخدم بعض رسامي المناظر الطبيعية الكاميرا المظلمة لمساعدتهم في الرسم، بوضع ورقة على الطاولة وتتبع ملامح الصورة عليها. كان هذا الرسم أو التتبع يُستخدم لاحقاً، تماماً كما يستخدم الفنان الحديث رسوماته التمهيدية بالقلم الرصاص، كأساس لرسمه.
في وقت مبكر من القرن الثامن، اكتشف “جيربر” (Gerber) أن نترات الفضة تصبح داكنة عند تعرضها للضوء. وفي عام 1565، اكتشف “فابريسيوس” (Fabricius)، أثناء بحثه عن الذهب في مناجم ألمانيا، “خام الفضة” (horn silver)، وهو شكل خام من كلوريد الفضة. لاحقاً، اكتُشف أن هذه المادة حساسة للضوء، وأنه يمكن صنعها بإضافة الملح العادي (كلوريد الصوديوم) إلى محلول نترات الفضة. عندما كانت هذه المادة تُصنع حديثاً، كانت بيضاء اللون، لكنها كانت تتحول إلى اللون الأسود عند تعرضها للشمس.
في عام 1727، صنع “ج. هـ. شولز” (J. H. Schulze) خليطاً من الطباشير ومحلول نترات الفضة، والذي غطى به سطحاً مستوياً. ثم وضع قطعة من الورق الشفاف فوق السطح المغطى، وكانت هناك بعض الحروف غير الشفافة (المعتمة) تلامس السطح المغطى، ثم عرضها لضوء الشمس. ظل السطح المغطى تحت الحروف الشفافة أبيض اللون، بينما تحولت الأجزاء المحيطة بها إلى اللون الداكن.في عام 1777، بحث “تشارلز ويليام شيل” (Charles William Scheele) في سلوك كلوريد الفضة تحت تأثير الضوء. فوجد أن الملح الفضي يتحول بسرعة إلى اللون الداكن بفعل الضوء البنفسجي أو الأزرق، بينما كان للضوء الأحمر أو الأصفر تأثير ضئيل جداً عليه. في عام 1782، أكد “سينيبيير” (Senebier) هذه التجارب عندما وجد أن الضوء الأزرق سيؤدي إلى تعتيم كلوريد الفضة في خمس عشرة ثانية، بينما استغرق الضوء الأحمر عشرين دقيقة ليكون له نفس التأثير.
يُذكر أنه في باريس، حوالي عام 1800، كان الفيزيائي والمحاضر “جاك ألكسندر سيزار تشارلز” (Jacques Alexandre Cesar Charles) يصنع صوراً ظلية (Silhouettes) بوضع رأس شخصيته في شعاع ضوء الشمس المباشر، والسماح لظل الرأس بالسقوط على قطعة من الورق مغطاة بكلوريد الفضة. كانت النتيجة صورة ظلية بيضاء على خلفية سوداء.كانت الصور الظلية شائعة جداً في القرن الثامن عشر، وكانت تُصنع في ذلك الوقت، كما تُصنع الآن، بقص ملامح من الورق الأسود ولصقها على بطاقة بيضاء. حصل البروفيسور تشارلز على صورة ظلية بيضاء على خلفية سوداء، لكن لم تكن هناك طريقة معروفة في ذلك الوقت لتثبيت هذه الصورة (fixing) حتى لا تتحول إلى اللون الأسود عند تعرضها مرة أخرى للضوء.
لم يكن حتى بداية القرن التاسع عشر أن اكتُشف أن ثيوكبريتات الصوديوم، المعروفة باسم “هايبو” (hypo)، يمكنها إذابة الأملاح الفضية التي لم تتأثر بالضوء وبالتالي تثبيت الصورة (جعلها دائمة) بجعلها غير حساسة للضوء.تم اكتشاف “الهايبو” كعامل تثبيت على يد السير جون هيرشل (Sir John Herschel)، وهو عالم إنجليزي، اخترع أيضاً عملية الطباعة الزرقاء (Blueprint). كان هيرشل أيضاً أول من اقترح استخدام الزجاج كحامل للمستحلب الحساس. تم اعتماد “الهايبو” فوراً من قبل جميع المجربين في ذلك الوقت، ولا يزال يُستخدم حتى اليوم
المصدر Modern photography


