الفنانة التشكيلية العالمية:سارة شمّا..من موهبة مبكرة إلى سؤال إنساني يتجاوز حدود اللوحة.- بقلم: عدنان حميدة.

سارة شمّا…
من موهبة مبكرة إلى سؤال إنساني يتجاوز حدود اللوحة

بقلم: عدنان حميدة
حين أستعيد تجربة الفنانة السورية سارة شمّا، لا أجد نفسي أمام سيرة فنية أقرأها من الخارج، بل أمام تجربة عايشت شيئًا من بداياتها الأولى، وشاهدت موهبتها وهي تتشكل في سنواتها المبكرة.
كنت في ذلك الوقت مدرسًا في مركز أدهم إسماعيل للفنون الجميلة، وكانت سارة لاتزال في سن صغيرة، إلا أن موهبتها كانت واضحة بالنسبة لي، ليس فقط من خلال قدرتها على الرسم، وإنما من خلال ذلك الحس الداخلي الذي يجعل الفنان مختلفًا عن الموهوب العابر.
كنت أرى فيها منذ البداية قدرة على النظر إلى الشكل باعتباره أكثر من مظهر، وعلى التعامل مع الإنسان باعتباره موضوعًا مفتوحًا على أسئلة تتجاوز حدود التشخيص والرسم. كان هناك شيء في تجربتها المبكرة يقول إن هذه الموهبة لن تبقى محصورة في حدود التمرين الأكاديمي، وأن وراءها مشروعًا فنيًا يمكن أن ينمو ويأخذ مداه.
وأذكر أنني قلت لها ذات يوم: «يا سارة، ستصبحين أفضل فنانة سورية».
فأجابتني بتواضع: «ليس لهذه الدرجة».

فقلت لها: «بل ستصبحين أفضل فنانة عربية».
فقالت: «شكرًا، ولكنك تبالغ».
فأصررت على رأيي، وقلت لها إنني أراها في المستقبل فنانة عالمية. لم تكن تلك الكلمات مجاملة عابرة من مدرس لطالبته، وإنما كانت قناعة تكونت لدي وأنا أراقب موهبة شابة تحمل من الإمكانات ما يجعلها قابلة للذهاب بعيدًا، بشرط أن تواصل العمل والبحث، وأن تحافظ على فضولها تجاه الفن والحياة.
واليوم، بعد سنوات طويلة، وأنا أنظر إلى المسافة التي قطعتها سارة شمّا، أجد أن تلك النبوءة القديمة لم تكن مبالغة كما اعتقدت هي يومها، بل كانت قراءة مبكرة لموهبة كان لديها ما يؤهلها لأن تتجاوز حدود المكان.

الواقعية موقفًا لا تقنية:
من السهل أن يُختصر الحديث عن سارة شمّا في إطار الواقعية أو الواقعية المفرطة، بالنظر إلى قدرتها العالية على التعامل مع التفاصيل والملامح والجلد والضوء والبنية التشريحية. لكن هذا الاختصار، في رأيي، لا ينصف تجربتها.
فالواقعية عند سارة شمّا ليست مجرد براعة في نقل المرئي إلى سطح اللوحة، وليست منافسة مع آلة التصوير في دقة التسجيل. إنها واقعية تنطلق من العين لكنها لا تنتهي عندها.
في أعمالها، يصبح التشخيص وسيلة للوصول إلى ما وراء التشخيص.
فالوجه الذي ترسمه ليس وجهًا فحسب، والجسد ليس كتلة تشريحية، والعين ليست تفصيلًا بصريًا. كل عنصر من هذه العناصر يحمل أثرًا نفسيًا ووجوديًا. ولهذا تبدو أعمالها في كثير من الأحيان وكأنها تحاول أن تنتزع من الجسد صمته، وأن تجعل من الوجه وثيقة داخلية تحفظ ما لا تستطيع الكلمات أن تقوله.
إنها تستثمر مهارة الرسم الأكاديمي، لكنها لا تسمح لهذه المهارة بأن تصبح غاية مستقلة. وهنا تحديدًا تكمن أهمية تجربتها، إذ إن التقنية عند الفنان الكبير تتحول من استعراض للقدرة إلى أداة للتفكير.

الإنسان في مواجهة هشاشته:
الإنسان هو مركز العالم البصري لدى سارة شمّا، لكن الإنسان الذي تختاره ليس ذلك الكائن المنتصر والمكتمل، وإنما الإنسان في لحظات هشاشته.
نرى في تجربتها وجوهًا تحمل ثقلًا داخليًا، وأجسادًا تبدو وكأنها تحفظ آثار تجربة غير مرئية، وحالات من الصمت والتأمل والانتظار. ولذلك فإن المتلقي لا يقف أمام الشخصية المرسومة بوصفها نموذجًا، بل أمام حالة إنسانية.
وهنا تنتقل اللوحة من سؤال «من هذا الشخص؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «ماذا حدث لهذا الإنسان؟»
وهذا الانتقال مهم جدًا في قراءة تجربتها، لأنه يجعل من الصورة التشخيصية مدخلًا إلى الذاكرة، وليس مجرد تمثيل للشكل.
إن سارة شمّا لا ترسم الجسد لكي تثبت قدرتها على معرفة الجسد، بل لكي تكشف ما يحمله الجسد من ذاكرة. ومن هنا يصبح الجلد سطحًا للزمن، والوجه مساحة للقلق، والعين نقطة عبور إلى الداخل.

الجسد كسجل للذاكرة:
الجسد في تجربة سارة شمّا ليس موضوعًا محايدًا. إنه يحمل آثار الحياة، والخوف، والعنف، والفقد، والانتظار.
ولهذا فإن حضور الجسد في أعمالها يرتبط غالبًا بفكرة الذاكرة. فالإنسان لا يأتي إلى اللوحة خاليًا من تاريخه، بل يحمل على ملامحه ما عاشه، حتى لو لم نعرف قصته.
وهنا تتجاوز الفنانة حدود الواقعية التقليدية، لأن ما يهمها ليس فقط كيف يبدو الإنسان، بل ما الذي فعله الزمن بهذا الإنسان.
هذه النقطة تحديدًا تجعل أعمالها قابلة للقراءة على أكثر من مستوى. فالمتلقي قد يرى في اللوحة شخصًا بعينه، لكنه يستطيع في الوقت ذاته أن يرى نفسه، أو يرى إنسانًا آخر، أو يرى صورة لجيل كامل عاش الخوف والحرب والفقد.

من الخاص إلى الكوني:
ربما يكون أحد أهم عناصر قوة تجربة سارة شمّا أنها لم تحبس نفسها داخل خصوصية المكان السوري، رغم أن التجربة السورية تركت أثرًا واضحًا في رؤيتها.
إنها تنطلق من الخاص لتصل إلى الكوني.
وهذا ما يفعله الفن الكبير حين ينجح في تحويل التجربة المحلية إلى لغة إنسانية قابلة للفهم خارج حدود الجغرافيا.
في أعمالها المرتبطة بالحرب والفقد، لا تقف عند حدود الحدث السوري بوصفه خبرًا أو واقعة سياسية، وإنما تتجه نحو الإنسان الذي يعيش نتائج الحرب. وهنا يتحول الألم من قضية محلية إلى سؤال إنساني.
إنها لا تقول للمتلقي: انظر إلى ما حدث هنا فقط، بل تدفعه إلى السؤال: ماذا يحدث للإنسان عندما يفقد المكان، والأمان، والذاكرة، ومن يحب؟
وهذه الأسئلة هي التي تمنح تجربتها قابلية للعبور إلى العالم.

بين الجمال والقلق:
في تجربة سارة شمّا مفارقة لافتة بين جمال الصنعة وقسوة الموضوع. فكلما ازدادت اللوحة دقة، ازدادت أحيانًا قدرتها على إزعاج المتلقي. وهذا التناقض يراه البعض هو أحد مصادر القوة في أعمالها. الجمال هنا ليس زينة، بل وسيلة لجذب العين إلى منطقة مؤلمة. فالمتلقي يدخل إلى اللوحة من باب الإعجاب بالمهارة، لكنه يجد نفسه بعد لحظات أمام سؤال ثقيل. إنها لعبة دقيقة بين ما تراه العين وما يشعر به القلب.
ومن هنا يمكن فهم اهتمامها بموضوعات مثل الموت، والفقد، والعبودية الحديثة، والاتجار بالبشر، والحرب. فهذه الموضوعات ليست منفصلة عن مشروعها، بل تنتمي إلى سؤال واحد تقريبًا: كيف يبقى الإنسان إنسانًا في عالم يهدد إنسانيته باستمرار؟

من اللوحة إلى المشروع:
من السمات المهمة في مسيرة سارة شمّا انتقالها من التعامل مع اللوحة باعتبارها عملًا منفردًا إلى التفكير في المشروع الفني والسلسلة. وهذا التحول يكشف عن نضج في التفكير التشكيلي. فالعمل الواحد يستطيع أن يقدم فكرة، أما المشروع فيمنح الفنان فرصة للبحث والتجريب وتعدد المقاربات. ولذلك فإن موضوعات سارة شمّا لا تظهر أفكارًا عابرة، بل تتحول إلى مساحات بحث طويلة.

أخر المقالات

منكم وإليكم