الفنانة أوديت الديب. تحول حزنها إلى منحوتات فنية رائعة في ” سجود الصخر”- بقلم الصحفية:سهيلة إسماعيل.

أوديت الديب تحول حزنها إلى منحوتات فنية رائعة في ” سجود الصخر”
مجلة إيليت فوتو آرت_ سهيلة إسماعيل :
استطاعت أوديت الديب ( ابنة بلدة مرمريتا الجميلة) أن تحول كل لحظة حزن وكل دمعة بعد استشهاد ابنها إبراهيم سعد الطالب الجامعي إلى منحوتة تضاهي المنحوتات العالمية بإتقانها ودقة تفاصيلها.

فبدأت بعرضها في صالة المركز الثقافي في البلدة حيث تشغل الديب مديرته. وأصبح المعرض دوريا يقام كل عام في العاشر من شهر أيلول وهو هدية لروح ابنها في عيد ميلاده.
وفي كلمة لها على بروشور المعرض الرابع عشر الذي أقيم هذا العام وضم خمسين منحوتة فنية منها تسعة عشر منحوتة جديدة تحاكي الجمال والإنسان والطبيعة بكل مكوناتها، وحمل عنوان ” سجود الصخر” كتبت الديب تقول :
” في البداية يكون الهواء حادًا، جارحًا.
كل شهيق سكين، وكل زفير احتضار
ثم يبدأ الجسد يتعلم من جديد…
يتعلم أن يتنفس
على شكل ذكرى
على شكل صلاة.
على شكل كلمة” يامو”
لم يعد يسمعها إلا داخله.

يتنفس لأن الله يضع في صدره قوة لا تشبه
قوة البشر،قوة لا تأتي من عضلة …
بل من حبّ لم يمت

يتنفس لأنه يعرف…
أن ابنه لم يخرج من الحياة، بل خرج من المكان فقط.
وأن الهواء الذي يدخل صدره يمرّ أولًا من حيث يقيم الغائبون.

يتنفس  عندما يفهم أن الألم لن يرحل،
لكنه سيتحول يومًا ما إلى نورٍ خفيف، يمرّ في الرئتين مثل صلاةٍ طويلة.

يتنفس عندما يجد معنى جديدًا للحياة،
عندما يصنع من حزنه شيئًا يشبه الفن، يشبه الخلود، يشبه الجمال.

يتنفس لأنه يعرف…
أن ابنَه لا يريد له أن يختنق.

ولا لأمه أن تنحني.
يريدها أن تكمّل الطريق…
أن تنحت…
أن تزرع نورًا…
وأن تكون شاهدة على أنه مرّ من هنا، وأنه ما زال هنا.

كيف يتنفس من فقد ابنه…؟
يتنفس… ببطء، بوجع، بقوة، وبحبّ لا ينتهي” .


منحوتات واقعية

تقول النحاتة الديب: تنوعت المنحوتات المعروضة هذا العام بين الإنسان والطبيعة، وأنا بشكل عام أميل إلى التجريدي في العمل النحتي، لأنه يعكس ويجسد المشاعر الإنسانية العميقة كالألم و الصمت، وتلهمني الطبيعة و الكائنات الحية كالطيور والسمك لما تحمله من رموز الحريّة والتجدّد والاستمرار،

في البداية كانت التجربة أقرب إلى البحث والتجريب، وكنت أتعلم كيف أتعامل مع طبيعة الحجر وأفهم خصوصية المادة.
اليوم وبعد ثلاثة عشر معرضاً نحتيا و من العمل المتواصل، أصبحت المنحوتات أكثر نضجاً من الناحية التقنية والفكرية، لقد تو صلت إلى مرحلة توحيد الفكرة والشكل المنحوت.

وعن المادة المستخدمة في الأعمال النحتية تضيف الديب: أستخدم حجر الأونيكس الموجود في مقلع بمنطقة الوادي، وأضع أحياناً تصوراً مسبقاً للعمل عندما أرى شكل الصخرة وطبيعتها، وفي أثناء العمل قد أغيّر الفكرة، وتقودني إلى منحى آخر، فيخرج العمل الفني بطريقة عفوية تحاكي ما أحس به من مشاعر وأنا أنحت الصخر الأصم، ليصبح منحوتة تحاكي أجمل القيم الإنسانية الفطرية الموجودة فينا، وهي الجمال والحب.

شهادة في محلها

قال الشاعر علاء الدين عبدو المولى عن معرض سابق للنحاتة أوديت: “كل منحوتةٍ منكِ نداءٌ، كلّ تفصيلٍ في العينين ذكرى. كلّ انحناءٍ في الكتف لحظةُ ضحكةٍ لم تمت.. حتى الغبارُ الذي يعلو يديك ليس غبارَ حربٍ بل بقايا أجنحةٍ كنتِ تُعيدين تشكيلها، أجنحة تتجدد كل سنة على كتفي برهوم ليتابع تحليقه في قلبكِ، في قلوبنا، في قلب الربّ.
الموتُ ظنَّ أنه انتصر، لكنّه لم يعرف أنّكِ أُمٌّ، والنّساءُ اللواتي يلدنَ أبناءً للسماءِ لا يستسلمنَ للأرض، فحوّلتِ المأساةَ إلى معرضٍ، والصمتَ إلى صرخةٍ، والدموع إلى رخامٍ يُعانقُ الشمس.
في كلّ حجرٍ تنحتينَه يعودُ برهومُ طفلاً، يعودُ حلماً، يعودُ سؤالاً أو جواباً، يَعودُ لأنّكِ قرّرتِ أنّ الأسماءَ التي تحبّينَها، لا تُدفن بل تُعرَض في ساعة قيامة الروح.
في كلّ زاوية، في كلّ منحنى، في كلّ شرخٍ مملوءٍ بالنور، سيُحيّي الزائرينَ بصمتِه، وسيهمسُ لكلّ أمٍّ:
“لا تنحني، انحتي، لا تموتي، اصنعي، لا تبكي.. اخلقي”.

أخر المقالات

منكم وإليكم