الفنان ( نعوم غابو ) الذي نحت الفراغ.وصنع الجمال. وطريقةً جديدةً في التفكير بالفن نفسه.

نعوم غابو… الفنان الذي نحت الفراغ
في تاريخ الفن الحديث أسماءٌ صنعت الجمال، وأخرى صنعت الأسلوب، لكن نعوم غابو كان من أولئك القلائل الذين صنعوا طريقةً جديدةً في التفكير بالفن نفسه. لم يكن يرى أن النحت كتلة، ولا أن الرسم سطح، ولا أن العمل الفني زينة للجدار، بل كان يؤمن بأن الفن كشفٌ عن القوانين الخفية التي تحكم الكون. لذلك لم يقدّم منحوتاته أجساماً صلبة، وإنما فضاءات تتحرك فيها العين كما تتحرك الأفكار داخل العقل.

ولد نعوم غابو عام 1890 في الإمبراطورية الروسية باسم نعوم نيميا بيفزنر، ثم اتخذ اسم غابو. لاحقاً لتميّز هويته الفنية عن شقيقه الفنان أنطوان بيفزنر. درس الطب أولاً، ثم اتجه إلى العلوم والهندسة والفلسفة وتاريخ الفن في ميونيخ، وهي دراسة ستصبح لاحقاً العمود الفقري لتجربته التشكيلية فالعلم عنده لم يكن نقيض الفن، بل لغته الأخرى.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى انتقل إلى النرويج، وهناك بدأت إرهاصات فنه الحقيقي. لم يعد يبحث عن تشخيص الإنسان بقدر ما صار يبحث عن بنية الإنسان، وعن القوانين التي تجعل الشكل قائماً في الفراغ. وعندما عاد إلى موسكو بعد الثورة الروسية، وجد نفسه في قلب الحراك الطليعي الذي كان يضم كبار المجددين. وهناك، سنة 1920، كتب مع شقيقه البيان الواقعي وهو نصّ يُعد من أهم البيانات الفنية في القرن العشرين، دعا فيه إلى تجاوز الوهم البصري، وإدخال الزمن والحركة والفراغ بوصفها عناصر أساسية في العمل الفني، رافضاً أن يبقى الفن أسيراً لمحاكاة الطبيعة.

ورغم أن العالم يعرفه نحاتاً، فإن غابو كان رساماً أيضاً، ومصمماً، ومهندساً بصرياً، ومؤلفاً نظرياً، ومحاضراً في مدارس الفن، حتى إن تأثيره الفكري امتد إلى مدرسة الباوهاوس وإلى أجيال كاملة من فناني التجريد والبنائية.

في رسومه لم يكن اللون غايةً بحد ذاته، بل وسيلة لاكتشاف البنية. كانت خطوطه دقيقة، هندسية، تتحرك كما لو أنها خرائط لقوى غير مرئية. الإنسان في رسوماته لا يُبنى من اللحم، بل من العلاقات الرياضية بين الخطوط، وكأن الجسد يتحول إلى معادلة بصرية. لذلك تبدو رسوماته أقرب إلى مختبر للأفكار منها إلى دفتر اسكتشات.

أما في النحت، فقد أحدث انقلاباً حقيقياً. قبله كان النحات يضيف المادة ليخلق الكتلة، أما غابو فقد جعل الفراغ نفسه مادةً للنحت. استخدم الأسلاك المعدنية، وصفائح البلاستيك الشفافة، والزجاج، والنايلون، والأكريليك، ليجعل الضوء يعبر داخل العمل، ويصبح الهواء جزءاً من التكوين. لم يعد الفراغ مساحةً بين العناصر، بل أصبح العنصر الأهم فيها.

من أشهر أعماله Constructed Head No. 1، وهو عمل مبكر يكشف كيف يمكن للرأس الإنساني أن يُبنى من مستويات متقاطعة بدلاً من الكتلة التقليدية. لا يرى المشاهد وجهاً كاملاً، بل يرى عملية تكوين الوجه، وكأن الفنان يدعونا إلى مشاهدة الفكرة وهي تولد قبل أن تصبح شكلاً.

وفي عمله الشهير Kinetic Construction (Standing Wave) قدّم أولى التجارب الحقيقية في النحت الحركي. لم يكن العمل ثابتاً، بل اعتمد على قضيب معدني يتحرك بمحرك كهربائي، فتتشكل أمام العين أحجام وهمية نتيجة الاهتزاز. هنا لم يعد الزمن شيئاً خارج المنحوتة، بل أصبح جزءاً من تكوينها، وهي فكرة كانت ثورية بكل المقاييس في عشرينيات القرن الماضي.

أما سلسلة Linear Construction in Space فتعد ذروة نضجه الفني. استبدل الكتل بخيوط نايلون مشدودة داخل هياكل شفافة، بحيث يتحول الخط إلى كتلة بصرية، ويصبح الضوء شريكاً في صناعة العمل. ومن زوايا مختلفة تتغير الصورة باستمرار، فلا يعود هناك شكل واحد ثابت، بل احتمالات لا تنتهي.

وفي Spiral Theme قدّم رؤية شعرية للحركة اللولبية، حيث تتصاعد الخطوط في فضاء مفتوح، في إشارة إلى النمو المستمر للطبيعة والطاقة. إنها منحوتة لا تستقر على شكل نهائي، بل تمنح العين إحساساً بأن الحركة لا تزال مستمرة حتى بعد انتهاء النظر إليها.

لم يكن غابو منفصلاً عن عصره. لقد عاش زمن الاكتشافات العلمية الكبرى، والنسبية، والتحولات الصناعية، فانعكس ذلك كله على فنه. لقد أدرك أن العالم لم يعد يُقاس بالثبات، وإنما بالحركة، وأن المادة لم تعد حقيقةً مطلقة، بل جزءاً من شبكة معقدة من القوى. لذلك جاءت أعماله وكأنها ترجمة بصرية للفيزياء الحديثة، حيث يتعايش الضوء والشفافية والفراغ والزمن داخل عمل واحد.

ولهذا السبب أثّر في أجيال من الفنانين، ليس فقط داخل المدرسة البنائية، بل أيضاً في النحت الحركي، والفن البصري، والتصميم الصناعي، والعمارة الحديثة. حتى فنانون كبار مثل هنري مور وباربرا هيبورث تأثروا بأفكاره، ولا سيما في استخدام الخطوط والفراغ داخل المنحوتة.

إن أعظم ما تركه نعوم غابو ليس مجموعة منحوتات بل رؤية فلسفية كاملة للفن.

لقد أثبت أن الجمال لا يقيم في المادة وحدها، بل في العلاقات التي تنشأ بينها، وأن الفراغ يمكن أن يكون أكثر حضوراً من الكتلة، وأن الخط يستطيع أن يحمل ثقلاً بصرياً يفوق الحجر.

وحين نقف اليوم أمام أعماله، لا نشاهد منحوتات صامتة، بل نرى أفكاراً تتحرك في الضوء، ونسمع حواراً عميقاً بين العلم والفلسفة والجمال. لقد حرر النحت من ثقله، والرسم من سطحه، والفنان من حدود الحرفة، ليجعل الفن تجربةً فكريةً مفتوحة على الزمن والكون والإنسان

ولهذا يبقى نعوم غابو أحد أهم رواد الحداثة العالمية ليس لأنه صنع أشكالاً جديدة، بل لأنه غيّر الطريقة التي ننظر بها إلى الشكل نفسه، وجعل من الفراغ لغة، ومن الضوء مادة، ومن الفكر عملاً فنياً لا يشيخ.

أخر المقالات

منكم وإليكم