الفنان التشكيلي سعد علي .. صحيفة المستقبل اللندنية

على الصفحة السادسة لصحيفة المستقل اللندنية .

الفنان التشكيلي سعد علي

بورتريه الفتاة ذات الشال الأحمر : التماهي مع حزن الآخر

رحيم يوسف / بغداد

للوهلة الأولى خُيّل لي أنني أنظر باتجاه الفتاة ذات القرط للفنان الهولندي يوهانس فيرمير ، ربما لأنها لا تبارح ذهني ، أو ربما لأنها حاضرة بشكل أو بآخر عبر هذا البورتريه. وأنا هنا لا أعقد مقارنات؛ فلكل عمل منهما ظروفه التاريخية التي أُنجز فيها، ولا أقول إن ثمة تأثيرات لفيرمير في هذا البورتريه، لكن الأمر يتعلق بقدرة الفنان على جعل البورتريه محمّلًا بإيحاءات كثيرة، تختلف وتتجدد من خلال زوايا النظر إليه وفي فترات زمنية مختلفة، على اعتبار أن الفنان تمكن من الإمساك بالروح الكامنة في الشخصية وتجسيدها بقدراته الأدائية الكبيرة.

الفنان سعد علي يجيب هنا عن سؤال يتوارد إلى أذهاننا في أوقات مختلفة: كيف يمكننا الإمساك بالجمال الروحي وتجسيده من خلال صورة شخصية؟ هكذا هو الأمر في الفتاة ذات الشال الأحمر، ولعله جمال جيني بقي متجسدًا في صور أخرى ما زالت تملك وجودًا حضوريًا، على اعتبار أنها فقدت حضورها الجسدي الذي تحوّل إلى ذاكرة، غير أن حضورها الروحي ما زال قائمًا في حياة من كانت تعيش بينهم. فهل عرف الفنان كل ذلك من خلال معرفة شخصية؟ أم عبر المعرفة والتخيّل أثناء عملية التجسيد؟ والجواب واضح جدًا: إنه التخيّل الذي جعله يبحث من أجل المعرفة.
لعل واحدة من أهم وظائف الفن المعاصر تكمن في قدرة الفنان على تجسيد ما لا يُرى بصريًا؛ فهو يدوّن ما خلف الأشياء، لأنه يمتلك القدرة على الكشف عبر تطابق رؤيته ورؤاه معًا. من هنا يصبح لزامًا عليه أن يمتلك وعيًا متقدمًا ودربة على العمل لكي يتمكن من ذلك. ونحن هنا نكتب عن التجارب التي تمتلك ما هو مختلف عن السائد؛ فالجميع يرسم منظرًا طبيعيًا أو مشهدًا عامًا أو صورة شخصية… إلخ، لكنهم لا يمتلكون الرؤى والقدرات ذاتها التي تضع أعمالهم موضع الإشارة، بكل تأكيد. لأن جوهر الفن هو عملية الاكتشاف ومن ثم الكشف .

ثمة فنانون لا يرسمون الأشياء كما تبدو، بل كما تظل عالقة في الروح بعد أن تغيب، وثمة فنانون لا ينظرون إلى الشكل باعتباره نهاية الطريق، وإنما عتبة لما لا يُرى. من هنا يمكننا أن نفكك السطح التصويري في الفتاة ذات الشال الأحمر للفنان التشكيلي سعد علي.

إلى أي مدى يمكننا التضامن مع أحزان الآخر عند الفقد؟ على اعتبار أن حزن الفقد يختلف كليًا عن جميع الأحزان التي يمر بها البشر في مواقف مختلفة؛ لأنه يبقى ملازمًا لنا حتى أواخر أيامنا. هذا هو السؤال الذي دار في رأسي وأنا أتأمل هذا البورتريه للمرة الأولى، وهو صورة لفتاة ترتدي شالًا أحمر. ولعل السبب الأساسي للسؤال هو أنني أعرفها جيدًا، لا من خلال يوميات معاشة، بل من خلال ذاكرة مستعادة تحمل طابع الحزن اليومي.

ولأعد إلى الإجابة، وهي تحمل كلمة: نعم. ذلك أننا نتماهى مع أحزان الآخر، ولكن بدرجات متفاوتة تبعًا لقرب الآخر منا أو بعده، فنتضامن معه، ونتلمس نزفه الداخلي الذي لا يراه الجميع، ونشعر بأخاديد الحزن التي أخذت تغور في روحه قبل وجهه، خصوصًا إذا كان الآخر أمًّا عبّرت عن فقدها لابنتها الكبرى التي تمثل امتدادها الطبيعي في هذا الكون، حياتيًا ووجدانيًا. ومع ذلك، لا يمكننا، بأي حال من الأحوال، التوصل إلى حجم ذلك الحزن الذي يصل إلينا كشهقات روح ملتاعة لا تتوقف عند حد، وتلك من طبائع البشر على كل حال.

من الواضح جدًا أن الفنان دوّن إحساسه بالحزن النابع من تماهيه مع فقد الآخر عبر التكوين العام، ومن خلال قدرته على تغيير خصائص اللون وعكس دلالاته التعبيرية المعروفة، وتلك قدرة تنم عن إمكانات أدائية كبيرة. والسطح ليس مجرد بورتريه، بل تجسيد لذاكرة حية عبر اللون والتكوين العام؛ وهو يشكل نقطة التقاء بين الحضور والغياب، نقطة لا يمكن تلمّسها إلا من خلال تلبّس روح الحزن الآتي من الآخر.

لننظر أولًا باتجاه التكوين العام للسطح، ونرى صورة الفتاة التي تعمّد الفنان أن يجسدها بنصف حضور، ذلك أنه لم يُظهر جسدها كاملًا، مع أنها تحتل المركز الأبرز في التكوين العام. ليتضح أنه يريد تجسيدها كصورة عالقة في الذاكرة، أو كصورة تحتل الجزء الأكبر منها.

ومع وضوح الضربات اللونية المتداخلة التي يغلب عليها الانفعال، أبقى على الوجه خامدًا، هادئًا وواضحًا بدرجة شديدة، تأكيدًا لاستدعائها من الذاكرة، على الرغم من كون تلك الذاكرة تضامنية وليست شخصية. كما أن نظرتها الجانبية توحي بأنها تبحث عن شيء لا نراه خارج إطار اللوحة، لتبدو وكأنها في حالة انتظار، انتظار الآخر الفاقد لها. وهنا ينقل الفنان عمليًا حالة الانتظار المستديمة وغير المجدية للأم؛ فلا حل لها في موقف كهذا سوى الانتظار العقيم.

وبحسب ميرلو بونتي، لا تكون العين مجرد جهاز يستقبل صورة، لأن الرؤية علاقة متبادلة بين الجسد والعالم. من هنا يمكننا استيعاب نظرة الفتاة التي تتسم بالغرابة والتأثير في الوقت ذاته، وبهذا فهي تحرك فينا فعل النظر.

وما زال ميرلو بونتي حاضرًا؛ فالشيء لا يحضر أمامنا دائمًا من خلال تعريفه العقلي، وإنما من خلال الطريقة التي يكشف بها نفسه للحواس. فالسطح لم يُظهر لنا صورة فتاة مكتملة، كما أشرنا، لكي نختزلها في وصف أو قصة، بل منحنا تجربة بصرية تتشكل أمامنا في كل لحظة. ومن هنا يمكن فهم سبب تأثير هذه الصورة فينا؛ فنحن لا نمتلك الفتاة بالنظر إليها، بل ندخل في علاقة معها عبر النظر.

الفتاة تظهر من الغياب إلى الحضور، والمتلقي العام لا يعرف اسمها ولا قصتها، وكل ما يملكه هو جسد غير مكتمل لفتاة بنظرة جانبية شاردة. ولعل عدم اكتمال الجسد هو الذي سيفتح المجال للخيال، ليجعله يسأل: من تكون؟ وما الظروف النفسية التي حدت بالفنان إلى تجسيدها؟ على اعتبار أن السطح ليس بورتريه بالمعنى الحرفي للكلمة، ليتحول من صورة شخصية إلى حدث يدور على مستوى النظر، بين نظرة عينيها المواربة ونظرة عين المتلقي التي تستكشف السطح.

كما يجسد الفنان صراعًا خفيًا بين الحركة والسكون عبر اللون الأحمر الذي يمتلك طاقات حركية كبيرة، من خلال استخدامه في موضعين مهمين يشكلان بؤرتين أساسيتين في السطح. وهو يستخدمه هنا حاملًا لطاقة عاطفية كبيرة وواضحة جدًا، وهو أكثر العناصر حضورًا، بعد الوجه، فيظهر في غطاء الرأس، أي الشال، وفي أسفل السطح التصويري.

ومع هذا الحضور الطاغي للون، تعمّد الفنان تغيير وظيفته تعبيريًا؛ فهو في الشال يأخذ طابع الحماية والاحتواء، لكنه في أسفل السطح يتحول إلى طاقة حركية عنيفة، وكأنها تحاول الخروج من حدود السطح. فيصل بنا ذلك إلى نوع من التضاد القصدي بالغ الجمال، ينشأ بين هدوء الفتاة واضطراب العالم المحيط بها، وكأن اللون ينتقل من الشال إلى أسفل السطح، تعبيرًا عن انتقاله من الداخل إلى الخارج، وتأكيدًا لإشارتنا إلى حالة الانتظار التي تبدو على الفتاة.

أما اليد تحت الذقن، فهي ليست تفصيلًا ثانويًا، بل تمنح الشخصية تلك الحالة؛ فالوجه يتجه إلى البعيد، بينما تقوم اليد بإسناده، في حالة من التأمل الهادئ، ليدخل الجسد كله في لحظة صمت مستديمة، وينتقل البورتريه بمجمله من صورة وصفية إلى بورتريه نفسي بكل تأكيد.

كما يقيم الفنان جدلًا لونيًا بين الأحمر والأزرق، عبر إقامة علاقة لونية قوية بين الملابس الزرقاء والأحمر، لتخفف من حدته من دون أن تلغيه، فيتحول اللونان إلى قطبين نفسيين يفيدان في الانتقال من الانفعال والذاكرة إلى السكون والتأمل والحزن.

أما الخلفية شبه التجريدية، فتفصل الشخصية عن المكان، وتجعلها شبه عائمة في الفضاء العام. كما أن الدائرة الصغيرة الحمراء في أعلى يسار السطح ليست تفصيلًا هامشيًا، وإنما تمتلك وظيفة تركيبية مهمة؛ فهي تقيم حوارًا مع الأحمر الكبير في أسفل اللوحة ومع غطاء الرأس.

ويمكن أن نقرأها كشمس صغيرة أو كنقطة ذاكرة، غير أنها تعمل أساسًا على سحب العين من الوجه نحو أعلى اللوحة، ثم إعادتها إلى الكتلة الحمراء في الأسفل، ضمن التكوين العام.

وأخيرًا، فإن الفنان يخبرنا أن هذه صورة فتاة كما بقيت في الذاكرة. ومن هنا تأتي قوة السطح؛ لأنه يقف في المنطقة الفاصلة بين البورتريه والتعبيرية والتجريد، ويجعل اللون شريكًا في بناء المعنى، لا مجرد وسيلة لتلوين الشكل .

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم