الفساد الثقافي، نهشٌ في القيم وتسميمٌ للسياسة- ​بقلم:عبد السلام المساوي- من كتاب:شروخ المعنى ( كتابات ضد الفساد ).بمشاركة مجموعة من المفكرين والأدباء.

صدر عن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها كتاب: (شروخ المعنى: كتابات ضد الفساد) بمشاركة مجموعة من المفكرين والأدباء. وفيما يلي نص المقالة التي شاركت بها في هذا الكتاب الجماعي:

الفساد الثقافي، نهشٌ في القيم وتسميمٌ للسياسة
​عبد السلام المساوي

​​في عالم تُقاس فيه قيمة الأمم برصيدها من المعرفة والإبداع، يبدو تسلل الفساد إلى المجال الثقافي خطراً وجودياً يتجاوز مسألة التمويل أو سوء التسيير. إنه خطر يمسّ جوهر الهوية، ويشوّه الوعي الجمعي، ويفتح الباب واسعاً أمام الانحدار القيمي والسياسي؛ فالثقافة، في أصلها، طاقة بناء وتحرير؛ لكن حين تُختزل في الشعارات، وتُحتكر من قبل دوائر النفوذ، وتُحوّل إلى وسيلة دعاية بدل أن تظل فضاءً حراً للنقد والابتكار، فإنها تفقد دورها الحيوي وتصبح أداة هدم ناعمة. ولعل أخطر ما يُصيب هذا القطاع هو شيوع المحسوبية والزبونية، حيث تُوزّع فرص النشر والظهور والتمويل بحسب الولاءات لا الكفاءات، ما يؤدي إلى تهميش الطاقات الحقيقية، ويفتح المجال أمام التفاهة المعلّبة تحت مسمى (الإبداع).
​وتتجلى ملامح هذا الفساد أيضاً في تزوير الوعي، حين يُعاد تشكيل التاريخ على المقاس، وتُقصى روافد ثقافية وطنية لصالح أخرى ذات طابع تجميلي يخدم مصالح معيّنة. وفي ظل إعلامٍ منحاز، يقصي الأصوات الحرة، ويُروّج للأعمال الرديئة، ويخنق التجارب المستقلة؛ لكن الخطر لا يتوقف عند بوابة الثقافة، فالمجتمع، حين يتغذى على منتجات ثقافية فاسدة، يفقد قدرته على التمييز، ويضعف حسّه النقدي، وتنحسر لديه قيم المواطنة الصادقة لصالح أنماط استهلاكية وسطحية. بذلك، يُهيَّأ المجال لمناخ سياسي مغشوش، تُصنع فيه القناعات الزائفة، وتُغيّب فيه الرؤية الحقيقية للتغيير. إذ لا يمكن فصل ما هو ثقافي عما هو سياسي واجتماعي. فالفساد، حين يضرب الثقافة، لا يترك مجالاً للحوار، ولا يُبقي مساحة للاختلاف المنتج. ولهذا، فإن أولى خطوات الإصلاح الحقيقي تمرّ عبر تجفيف منابع الفساد في الثقافة، وإعادة الاعتبار للجدارة والإبداع الحر، وإطلاق العنان لعقول جديدة قادرة على قول “لا” حين تستدعي الحاجة.
ولا يتوقف الأمر عند الجانب المادي، بل يمتد ليشمل توجيه الإنتاج الثقافي لخدمة أجندات سياسية ضيقة أو مصالح شخصية، مما يقوض حرية التعبير ويحول الثقافة إلى أداة للدعاية والتضليل. كما أن تزوير الحقائق التاريخية والتراث الثقافي يمثل وجهًا آخر من أوجه الفساد، حيث يتم تجميل الماضي أو طمس الحقائق خدمة لأهداف معينة، مما يؤدي إلى تشويه الذاكرة الجماعية وتعميق الانقسامات المجتمعية.
إن لتغلغل الفساد في المجال الثقافي آثارًا وخيمة على المجتمع. فهو يضعف الثقة في المؤسسات الثقافية ويقلل من إقبال الجمهور عليها، مما يؤدي إلى عزلة المثقفين وتراجع دورهم في التنوير والتوعية. كما أنه يثبط الإبداع ويقضي على روح المبادرة لدى الفنانين والمبدعين، الذين يجدون أنفسهم في بيئة لا تقدر جهودهم ولا تكافئ تميزهم. والأخطر من ذلك، أن الفساد الثقافي يقوض القيم الأخلاقية ويشجع على الانتهازية والمصلحة الذاتية، مما ينعكس سلبًا على سلوك الأفراد والمجتمع ككل.
لقد عشنا بالأمس القريب – وأقصد السبعينيات والثمانينيات وحتى التسعينيات – أشكالاً واضحة من الإنتاج والصراع والتفاعل في المجال الثقافي، بحكم وجود خلفيات إيديولوجية مؤثرة في الواقع الثقافي المغربي، وارتباط هذا الواقع آنذاك بالمجال السياسي. وبحكم وضوح الصراع بين طرفين معروفين: طرف وارث للسلطة ووسائل الإنتاج من المستعمر ويجتهد في ضمان استمرار الوضع حفاظاً على المكاسب، وطرف آخر يسعى إلى التغيير، مبشّراً بقيم جديدة مستمدة من الأدبيات الكبرى للمد الاشتراكي وللقوى التقدمية الساعية إلى الديمقراطية وتحرير الإنسان من العقلية التي تشده إلى الخضوع والإذعان.
وتبعا لذلك، كانت الإنتاجات الثقافية من أدب وسينما وموسيقى، المواكبة لهذا الصراع – على قلتها وندرتها – تحظى باهتمام كبير، سواء من قبل المتتبعين أو من قبل السلطة التي كانت تعبّر عن “اهتمامها” بفرض الرقابة، أو المنع، أو الحظر أحياناً. ولا جدال في أن المنتوج الثقافي لتلك المرحلة كان مهووساً بالمضمون أكثر من انشغاله بجماليات الشكل، إلا في حدود بعض الإنتاجات المحسوبة والنادرة؛ إذ كان الاهتمام بالشكل في نظرهم يجافي أولويات الواقع المغربي آنذاك. وبالرغم من ذلك، كان المثقف يحظى بقيمة معتبرة تساهم في نشر فكره وإبداعه الأمر الذي يضمن للعمل الثقافي مصداقية كبيرة، وبالتالي تكون مردوديته على المستويين الاجتماعي والسياسي ملموسة التأثير.
وبمقارنة ذلك بما يجري اليوم في المجال الثقافي، نجد أن الإنتاجات تضاعفت على المستوى الكمي، وتنوعت تنوعاً لافتاً، بفعل التحولات الكبرى على المستوى الديمقراطي والتعليمي، وبسبب الانفتاح على ثقافات الشعوب الأخرى، وهو ما زاد قوة بفضل ظهور التكنولوجيا الحديثة، حيث توسع البث التلفزيوني، وانتشرت المعلوميات، وظهرت شبكات الإنترنت التي ألغت المسافات والحدود. هذا بالإضافة إلى الطفرة التي شهدتها مؤسسات المجتمع المدني، وتنامي عدد الجمعيات المهتمة بحقوق الإنسان والبيئة، والحاجة إلى إتاحة الثقافة الهادفة للمواطنين.
وهكذا، ارتفع منسوب الأنشطة الثقافية المنظمة على المستوى الوطني، وازدهر قطاع التأليف والنشر، حيث أظهرت بعض الإحصائيات الأعداد الضخمة للإصدارات من كتب وصحف ومجلات مقارنة بالمراحل السابقة. هذا علاوة على التطور الملموس في الإنتاجات السينمائية، وازدياد عدد المهرجانات الموسيقية والسينمائية والمواسم وغيرها. حتى أنه لا يمر يوم في المغرب إلا وفيه مهرجان صغير أو متوسط أو كبير، بالإضافة إلى وجود معارض جهوية للكتاب، ومعرض دولي كان ينظم سنوياً بالدار البيضاء، وحالياً بالرباط، تشرف عليه وزارة الثقافة والشباب والتواصل.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل هذا الكمّ دليل عافية يتمتع بها الواقع الثقافي المغربي وخلوه من مظاهر الفساد؟
وإذا كان الأمر كذلك، فما مدى الانعكاس الإيجابي لهذا التراكم الضخم من الإنتاجات الثقافية على سلوك الناس وعلى مردوديتهم في العمل والإنتاج؟
صحيح أن من يستثمر في الثقافة عليه أن يراهن على الأمد البعيد. فالثقافة، بكل تجلياتها وأنواعها، تمسّ الوجدان والعقل، ومن ثم فإن التغيير المنشود فيهما – أي في العقل والوجدان – نحو الأفضل، يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً متأنّياً. وهذا طبعاً يستلزم إتاحة الأجواء المناسبة، سواء منها المادية أو الاستراتيجية. ومنها مثلاً أن يتعاون المسؤول عن التدبير – وأقصد هنا الجهات الحكومية المعنية، والجهات المدنية من جمعيات وغيرها – مع المثقف المنتج من أجل طي صفحات الماضي السوداء التي كانت الطبقات الحاكمة، خلالها، تضيق الخناق على العمل الثقافي.
والكل يعلم أن اقتلاع المسامير الصدئة من المائدة أمر لم نفرغ منه بعد، فما يزال بعض المناوئين للعمل الثقافي الجاد يعيشون بيننا، ويمتلكون سلطة القرار التي تساعدهم على إعــاقة المحاولات الجادة في تثقيف الناس وتنويرهم. وتتخذ إعاقاتهم هذه أشكالاً مختلفة ومتنوعة بحسب مواقعهم؛ فمنهم مثلاً من يمنع باسم القانون بعض الأنشطة، وقد نجد من يمنعها من سلطات محلية تابعة لوزارة الداخلية. وهناك حالات تُحدث فيها اختلالات في بعض المؤسسات، إذ تُخصص فيها أسطر مالية للجانب الثقافي، لكن المشرف الذي لا يؤمن بالثقافة يعمل على حذف هذه الأسطر أو تخصيصها لجوانب أخرى لا علاقة لها بالعمل الثقاف
لن نسهب في ضرب الأمثلة ـ هنا ـ لأنها كثيرة ومتعددة. كما أن هناك معيقات أخرى يتسبب فيها بعض من يُحسبون على المثقفين أنفسهم، ممن يتخذون العمل الثقافي ذريعة للوصول إلى مصالح مادية صرفة؛ فيؤسسون الجمعيات، ويسلكون المساطر القانونية لطلب الدعم لبرامجهم، التي تظل في نهاية الأمر حبراً على ورق، أو تنظم أنشطة تفتقد لكل شروط العمل الثقافي الحقيقي الذي ينبغي أن يحدد أهدافاً واضحة لتحقيقها.
في ظل هذا الوضع الملتبس، الذي طغت فيه الفردانية ومصالحها، أصبح الإنتاج الثقافي غير ذي أهمية، وتحولت الأموال المصروفة على هذه المشاريع إلى أموال ضائعة. ولعل هذا الوضع هو ما يدفع بالمثقفين الحقيقيين إلى الانزواء بعيداً عن الواجهة السياسية التي تقود عملياً معيشة الناس واقتصادهم، ويصبح الشأن السياسي موكولاً للوبيات المال، ولمن يستغلون الدين في تحصيل المكاسب السياسية والدنيوية. الأمر الذي يجعل تأثير المنتوج الثقافي باهتاً لا يكاد يُلمس إلا في حدود ضيقة، خصوصاً بعد تعمّد تعميم ثقافة التفاهة والتمييع في الوسائط السمعية والبصرية التي تنتشر بطريقة مرعبة، وتكريم أصحابها والمروجين لها، في مقابل تهميش قادة الفكر والمثقفين المتنورين.
إن انعكاس الفساد على المجال السياسي، بسبب الفساد الثقافي يمثل تهديدًا حقيقيًا للديمقراطية وتكافؤ الفرص. فعندما يتم تسييس الثقافة وتوجيهها لخدمة السلطة، فإنها تفقد قدرتها على النقد والتساؤل، وتتحول إلى أداة لتكريس الوضع القائم وقمع المعارضة. كما أن تزييف الوعي العام من خلال التلاعب بالثقافة والإعلام يؤدي إلى إضعاف قدرة المواطنين على اتخاذ قرارات مستنيرة والمشاركة الفعالة في الحياة السياسية. من هنا نرى أن مكافحة الفساد في المجال الثقافي تتطلب إرادة حقيقية وإجراءات شفافة ونزيهة في إدارة الموارد الثقافية وتوزيع الدعم. كما تتطلب تعزيز استقلالية المؤسسات الثقافية وحماية حرية التعبير للمبدعين والفنانين وذلك من خلال تفعيل أكثر لمؤسسات الرقابة المستقلة، هذا فضلا عن محاربة حقيقية للفساد عن طريق إعمال المساطر القانونية في حق المفسدين.

******************************************
– المصادر:
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم