محمد فهمي وجدلية النظام والفوضى في التكوين التشكيلي الدنيا فهمي، تونسي عند الوقوف أمام أعمال محمد فهمي تتجه العين أولا نحو تعدد العناصر وتزاحمها داخل سطح اللوحة. غير أن هذا الانطباع الأول يفسح المجال تدريجيا لاكتشاف بنية داخلية دقيقة تنظم العلاقات بين اللون والكتلة والفراغ، وتمنح العمل وحدته البصرية. ومن هذه العلاقة المتحركة بين التعدد والوحدة تنبثق واحدة من أبرز سمات تجربته التشكيلية.تتحرك أعمال فهمي ضمن فضاء بصري تتقاطع فيه التجريدات اللونية مع إشارات مكانية ومعمارية وإنسانية. فالمشهد يظهر أحيانا من خلال ملامح مدينة بعيدة، أو حقل مضاء بضوء متحول، أو شذرات معمارية تتوزع داخل التكوين، ثم تندمج هذه العناصر في شبكة معقدة من العلاقات البصرية التي تجعل من اللوحة كيانا مستقلا له منطقه الداخلي وإيقاعه الخاص. ومن هنا يكتسب المكان حضوره بوصفه ذاكرة بصرية قابلة لإعادة الصياغة أكثر من كونه موضوعا جاهزا للتمثيل.وفي عدد كبير من هذه الأعمال يبدو التكوين وكأنه في حالة تشكل مستمر. فالكتل اللونية المتجاورة، والخطوط المتقاطعة، والمقاطع الهندسية المتداخلة، تخلق إحساساً بالحركة والتعدد، بينما تتولى البنية الداخلية للعمل مهمة الحفاظ على التوازن العام. ومن هذا التفاعل تنشأ جدلية النظام والفوضى التي تمنح التجربة طابعها المميز، حيث يتحول التنوع إلى وحدة، وتتحول الكثرة إلى بناء متماسك.ويحتل اللون موقعا مركزيا في هذا البناء. فهو عنصر فاعل في تشكيل الفضاء البصري وتوجيه حركة العين داخل اللوحة. تتجاور الأزرقات والفيروزيات مع الأصفر والبرتقالي والأحمر في منظومة لونية تنبض بالحيوية، وتنتج إيقاعات بصرية متغيرة تفتح المجال أمام قراءات متعددة. وضمن هذا السياق يصبح اللون جزءاً من بنية العمل الفكرية والجمالية في الوقت نفسه.ومن الممكن تلمس بعض التقاطعات مع تجارب عالمية اشتغلت على العلاقة بين الكتلة اللونية والبناء التشكيلي. ففي بعض الأعمال تحضر أصداء من تجربة نيكولا دو ستايل في تنظيم المساحات اللونية الكبيرة، كما يمكن ملاحظة تقارب بصري مع بعض منجزات ريتشارد ديبنكورن في معالجته للفضاء المفتوح والعلاقات الهندسية الكامنة داخل التكوين. غير أن تجربة محمد فهمي تحتفظ بمسارها الخاص المستند إلى ذاكرة بصرية وثقافية تشكلت عبر بيئات متعددة وتجارب إنسانية متراكمة.وتكشف بعض الأعمال ذات الطابع الرمزي عن اهتمام واضح بالإنسان بوصفه موضوعاً للتأمل والتساؤل. فاللوحة التي يظهر فيها شخصان يخفيان رأسيهما داخل صندوقين ورقيين تفتح باباً للتفكير في قضايا الهوية والعزلة والصورة الاجتماعية، ضمن معالجة تعتمد الاختزال البصري والرمزية المكثفة، وتمنح الفكرة حضورها من داخل التكوين نفسه.ومن منظور أوسع، يمكن قراءة هذه التجربة بوصفها بحثاً متواصلاً في العلاقات التي تنظم العناصر المتباعدة داخل العمل الفني. فالوحدة البصرية في هذه الأعمال تبنى عبر شبكة من الروابط الدقيقة التي تجمع بين اللون والشكل والفراغ والحركة. ولهذا تبدو اللوحة وكأنها مساحة تتفاعل فيها احتمالات متعددة قبل أن تستقر داخل بناء متوازن ومقنع بصرياً.وعندما تغادر العين سطح اللوحة بعد تأملها، يبقى أثر العلاقات التي نسجها الفنان بين عناصر العمل أكثر حضورا من العناصر نفسها. فالتكوين في تجربة محمد فهمي حالة من التوازن المتجدد بين قوى متعددة تتحرك داخل فضاء اللوحة. ومن هذه القدرة على تنظيم التعدد مع الحفاظ على حيويته تنبع فرادة تجربته، حيث يتحول التكوين التشكيلي إلى حوار دائم بين النظام والفوضى، وهو الحوار الذي يمنح أعماله عمقها الفكري وطاقتها البصرية، ويجعل من كل عمل مساحة مفتوحة لاكتشاف جديد. *****#دنيا_فهمي #محمد_فهمي#الفن_التشكيلي#النقد_الفني#الفن_العربي#الفن_المعاصر#التجريد#التعبيرية_التجريدية#الفنون_البصرية#Visual_Arts#Contemporary_Art#Art_Criticism#مجلة ايليت فوتو ارت..


