سالم يفوت
العزلة كحيلة دفاعية
في هندسة العقل البشري، لا تُبنى الأسوار دائماً لصد الأعداء الخارجيين، بل تُشيد في كثير من الأحيان لحماية أوهام داخلية هشة من الانهيار. وحين يصبح الصمت والانكفاء سمة طاغية على سلوك الإنسان، فإننا نقف أمام أحد أعمق التكتيكات النفسية وأكثرها تعقيداً.
تتجاوز “العزلة” في مفهومها السيكولوجي مجرد الرغبة في الهدوء أو الابتعاد المؤقت عن الضجيج، لتصبح استراتيجية وحيلة دفاعية نشطة يتبناها الفرد لحماية ذاته من الانكشاف. إنها محاولة يائسة لتضييق دائرة الحياة وتأطيرها في حدود ضيقة يمكن السيطرة عليها، هرباً من متطلبات العمل، ومسؤوليات الصداقة، واستحقاقات الحب.
يتبنى الفرد المعزول منطقاً خفياً يقوم على معادلة بسيطة: “إذا لم أشارك في السباق، فلن أخسره أبداً”. وبناءً على هذه القاعدة، يبني صرحاً من الأعذار والموانع، تتراوح بين الخجل المفرط، والتردد الدائم، وادعاء المثالية، لتجنب النزول إلى ساحة الفعل. العزلة هنا تعمل كحاضنة آمنة تحفظ للفرد صورته الخيالية عن نفسه؛ فهو يعتقد في قرارة ذاته أنه يمتلك قدرات استثنائية، لكنه يرفض اختبارها في أرض الواقع لكي لا تصطدم بحتمية النقص البشري والمنافسة الحقيقية.
لتوضيح دينامية هذه الحيلة، يمكن تأمل مسار الشخص الذي يتنقل باستمرار بين المهن، أو يبدأ دراسة تلو الأخرى دون أن يكمل أياً منها، أو يمتنع كلياً عن الانخراط في علاقات صداقة عميقة ومستدامة. هذا النمط من السلوك ليس ناتجاً عن سوء الحظ أو ضياع الشغف، بل هو هروب مقنع وعزلة غير مرئية. إن عدم الاستقرار يسمح له بالبقاء دائماً في مرحلة “البدايات والتحضير”، محتفظاً بالذريعة القائلة بأنه لو استقر وركز طاقته لكان حقق نجاحاً باهراً. هذه العزلة عن الالتزام تحمي غروره من مواجهة حقيقة إمكانياته المحدودة ومواجهة صعاب الطريق.
إن العزلة كآلية دفاع لا توفر سوى أمان وهمي ومؤقت، فهي تحبس الفرد في زنزانة من صنع يديه، وتحرمه من التجربة الوحيدة القادرة على إنضاجه. فالحياة لا تُعاش حقاً إلا بالاحتكاك، واكتشاف الذات لا يتم في فراغ العزلة، بل في مرآة الآخرين ووسط معترك الوجود المشترك.
# مجلة إيليت فوتو آرت


