الطليعة والفن والكيتش..والممر الضيق بين الفن الجيد والهابط.

بين الطليعة عندما يغامر الفن أو يبيعنا ما نحبفي الفن، هناك مفهومان كثيرا ما يبدوان متناقضين: الطليعة Avant-Garde، والكيتش، Kitsch. لكن المسافة بينهما ليست مجرد فرق بين الفن الجيد والفن الرديء بل بين فنان يبحث وفنان يعرف مسبقا ما الذي سيرضي المتلقي.الطليعة لا تعني أن يكون العمل غريبا أو صادما. إنها أن تذهب بالفن إلى منطقة لم تكن مألوفة من قبل. دوشامب مثلا لم يصبح طليعيا لأنه وضع مبولة في معرض بل لأنه جعلنا نسأل: من يقرر ما هو الفن؟وهنا تكمن قيمة الطليعة فهي لا تبحث عن إعجابنا بقدر ما تبحث عن إرباك يقيننا.أما الكيتش، فليس مجرد عمل جميل أو بسيط. إنه العمل الذي يستعمل العاطفة الجاهزة والصورة المألوفة والتأثير السريع لكي يحصل على إعجاب المتلقي دون أن يترك وراء ذلك سؤالاً حقيقياً.غروب جميل، عاشقان تحت المطر، طفل حزين، ملاك بأجنحة بيضاء، أو تمثال مبالغ في تفاصيله، ليست كيتشاً بالضرورة. تصبح كذلك عندما تتحول إلى وصفة مضمونة لإنتاج التأثر.والأخطر أن الطليعة نفسها يمكن أن تتحول إلى كيتش.حين تصبح الغرابة موضة والصدم وسيلة للشهرة والعبث وصفة متكررة يصبح الفنان الذي يظن نفسه ثوريا مجرد مقلد لثورة قديمة.في تجربتنا العراقية، كان البحث عن لغة خاصة أكثر أهمية من مجرد استيراد الموضة. فجيل الفنانين العراقيين الذين اشتغلوا على التراث والرمز والحرف والذاكرة لم يكن طليعيا لأنه أراد أن يبدو مختلفا بل لأنه حاول أن يجد الحداثة من داخل تجربته وذاكرته.وهنا أرى المسألة ببساطة:الطليعة ليست أن تفعل شيئا لم يفعله أحد بل أن تقول شيئا لا تستطيع أن تقوله بالطريقة القديمة.والكيتش ليس أن يكون العمل جميلا بل أن يكون جماله بديلا عن الفكرة.لذلك لا أسأل أمام العمل: هل هو حديث؟ هل هو غريب؟ هل هو جميل؟أسأل سؤالا أصعب:هل وراء هذا العمل حاجة حقيقية إلى أن يولد أم أنه مجرد رغبة في أن يعجب بنا الآخرون؟فالفن الحقيقي لا يكتفي بأن يلفت العين.بل إنه يترك في العقل شوكة.

#فراس البشري#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم