الصِّراع conflict conflit أصل كلمة conflit من الفعل اللّاتينيّ confligere الذي يعني يَصطدِم.الصِّراع مفهوم عام يَفترِض عَلاقة صِداميّة جَسديّة أو مَعنويّة بين طرفين أو أكثر. وهو مبدأ يَحكُم العَلاقات بين الأفراد والمُجتمعَات، كما أنّه موجود أيضًا ضِمن الذات البشريّة، ولا يُعتَبر التوتُّر وعَلاقات المُنافَسة بالضَّرورة صِراعًا.لا بُدّ من مُقوِّمات لكي يكون هناك صِراع ما في الواقع الاجتماعيّ والسياسيّ وغيره منها:
– وجود قُوى فعّالة تَتجلّى مادِّيًّا بشكل ما ضِمن حَيِّز مُحدَّد (فالقُوى المُجرَّدة لا تُشكِّل طَرفًا من أطراف الصِّراع)، وكُلّ طَرف من أطراف الصِّراع يَرتبِط بمنظومة خاصّة به.
– وجود عَلاقة ما تَربِط بين القُوى المُتصادِمة، فإمّا أن يَحتدِم الصِّراع بين عناصر تَنتمي إلى نفس المَجال، أو يَكون صِراعًا بين مَجالين مُختلِفين يَتنازعان عُنصرًا واحدًا مُشترَكًا.في الأعمال الأدبيّة والفنِّيّة والأساطير يكون الصِّراع بأبسط أشكاله نوعًا من التجسيد لعَلاقات صِداميّة مُستمَدّة من الواقع بين قُوى أو رغبات مُتعارِضة في موقِف مُعيَّن. لكنّه فيها، خِلافًا لما يجري في الحياة، يُمكن أن يَندلِع بين قُوى غيبيّة وملموسة تُجسَّد بشكل ملموس. ذلك أنّ الأعمال الأدبيّة والفنِّيّة والأساطير لا تُصوِّر الصراع تصويرًا مُباشَرًا، وإنّما تُعيد صِياغة العَلاقات التي تَتحكَّم بوجوده من خِلال بِناء تَنتظم أطراف الصِّراع في داخله ويُشكِّل البُنية العميقة Structure profonde للنصّ دون أن يَتجلّى بالضَّرورة على مُستوى البُنية السطحيّة Structure de surface (انظر نموذج القوى الفاعلة).
الصِّراع في المَسْرَح الدّراميّ:
يَختلِف شكل الصِّراع في المسرح الدراميّ عنه في الأنواع الأدبيّة الأُخرى ذات البُنية السَّرْديّة مِثل الرِّواية وغيرها. فهو يَكتسب فيه كَثافة وتركيزًا، وبالتالي يَكون دَوره مُختلِفًا. وخُصوصيّة دَور الصِّراع في المسرح تَكمُن في أنّه يُولِّد الديناميكيّة المُحرِّكة للفعل الدراميّ. فالموقِف الصِّراعيّ هو الذي يُعطي المُبرِّر لبِداية الأحداث الدراميّة ويُؤدّي إلى تَكوُّن الأزمة ويَدفع الفعل باتجاه العُقدة والذُّروة ثُمّ الحَلّ. وقد اعتَبر الفيلسوف الألمانيّ فردريك هيغل F. Hegel (1770-1831) في كِتابه «عِلْم الجَمال» أنّ الفعل المسرحيّ يَتِمّ بالأصل ضِمن وَسَط تَصادُميّ، ويُولِّد أفعالًا تَصادُميّة وردود أفعال تَجعل من الضَّروري تخفيف حِدّته وحَلّه في النهاية».والمسرح الدراميّ يَتحدَّد بوجود الصِّراع الذي يَتأزّم مع بِداية المسرحيّة أو بعد ذلك بقليل (انظر نقطة إثارة الحدث)، كما يُمكن أن يَكون سابقًا لبِداية المسرحيّة كما في مسرحيّة «روميو وجولييت» للإنجليزيّ وليم شكسبير W. Shakespear (1564-1616). وهو يُقرأ على مُستوى البُنية السطحيّة للنصّ (صِراع بين الشخصيّات) وعلى مُستوى البُنية العميقة (صِراع بين القُوى الفاعلة) عِبر تَطوُّر الأحداث والانتقال من حالة ما في البِداية إلى حالة أُخرى في النهاية. وعمليّة استقصاء الصِّراع وأطرافه على مُستوى البُنية العميقة للنصّ من خِلال تطبيق نَموذج القُوى الفاعلة، ومن ثَمّ دِراسة شكل المسرحيّة من خِلال عَلاقة بِدايتها بنهايتها (انظر شكل مفتوح/شكل مُغلَق) يفتحان الباب أمام قِراءة خاصّة للمسرحيّة تَتخطّى مُستوى الحَبْكة باتّجاه البحث في الرُّؤية التي يَتبنّاها النصّ.
– ارتبط الصِّراع في المسرح الدراميّ بوجود البَطَل، وكذلك تَحدّد نوعه في المسرحيّة بنوعيّة وطبيعة العائق الذي يقف بمواجهة البَطَل ويَمنعه من تحقيق رغبته. وهناك الكثير من الدِّراسات التي تُفسِّر عَلاقة البَطَل بالصِّراع، فقد ربط هيغل، وكذلك الناقد الرومانيّ جورج لوكاش G. Luckàcs، تَشَكُّل البَطَل كبطل بعمليّة وعي الذات لَديه. واعتبرا أنّ هذا الوعي لا يَتحقّق إلّا ضِمن عَلاقة صَراعيّة حيث يقف هذا البطل بمواجهة شخصيّة أو قُوى أخرى مُعارِضة له، أو بمُواجهة مبدأ أخلاقيّ.
الصِّراع في المَسْرَح المَلْحَمِيّ:
هذا المفهوم عن الصِّراع مُرتبِط بالمسرح الدراميّ كما حَدّده الألمانيّ برتولت بريشت B. Brecht (1898-1956) في مُقارنته بين المسرح الدراميّ والمسرح المَلحميّ (انظر دراميّ/ملحميّ)، وعلى الأخصّ بالمسرح ذي الشكل المُغلَق. ومن الواضح أنّه لا يُمكن تَقصّي الصِّراع بهذا المنظور في أشكال مَسرحيّة أخرى مثل المسرح المَلحميّ ومسرح العَبَث ومسرح الحياة اليوميّة، حيث تكون طبيعته مُختلِفة، ويَكون غياب الصراع في بعض الحالات ذو دَلالة.
والصِّراع في المسرح المَلحميّ حالة خاصّة، لأنّ أسس الصِّراع في هذا المسرح موجودة، لكنّ الكتابة التي تُفكِّك العناصر الدراميّة وتُوضِّعها في قالَب سَرْديّ لا تُركّز على أزْمة، وإنّما على صَيرورة وتَطوُّر يَقومان على تسلسل الأحداث أو المواقف، وهذا ما يُسمّيه بعض الفلاسفة ومُنظِّري المسرح مثل بيتر زوندي P. Zondi ولوكاش وهيغل عمليّة إضفاء الصِّبْغة المَلحميّة على المسرح Episation، أي إعطائه شكلًا رِوائيًّا. فالمسرح المَلحميّ وكلّ ما تأثّر به لا يَطرح عَلاقة الإنسان بالعالَم كعَلاقة صِراعيّة، وإنّما يَستبدِل مفهوم الصِّراع بمفهوم التناقُض على مُستوى الشخصيّة نفسها وعلى مُستوى عَلاقة الشخصيّة بالعالَم، ويَظهر ذلك على سبيل المِثال في التناقضات التي تَحمِلها شخصيّة «الأم شجاعة» في مسرحيّة بريشت التي تَحمِل نَفْس الاسْم.
في إعداده للكلاسيكيّات القائمة أصلًا على وجود الصِّراع، غَيّب بريشت الصراع أو جَعل من الأحداث التي يُمكن أن تَتضمَّن صِراعًا مَشاهد تَتِمّ خارج الخشبة ويُبلَّغ عنها بالسَّرْد كما في مُحاكمة كوريولانوس. وفي حال وجود الصِّراع، كما في مسرحيّة «دائرة الطباشير القوقازيّة» حيث يَتشكَّل من تعارُض رغبتين (رغبة غروشا ورغبة ناتاليا)، يُدفع الصِّراع إلى نهاية المسرحيّة، ويبدو كأنّه نتيجة مَسار ما، ويأخذ شكل مُحاكمة هي بحَدّ ذاتها مُحاكاة تَهكُّميّة للصِّراع، بحيث يُصبح حَلّه حالة خاصّة جِدًّا تَخدُم فكرة المسرحيّة.
أَنْواع الصِّراع وأشْكاله:
يُمكن أن يَكون الصِّراع في المسرح صِراعًا خارجيًّا مُجسَّدًا على الخشبة، أو يَكون صِراعًا داخليًّا تعيشه الشَّخصيّة وتُعبِّر عنه بأشكال مُختلِفة منها الكلام. وشكل الصِّراع وطبيعته يَرتبطان بالنَّوع المَسرحيّ: فالصِّراع يَكون خارجيًّا في الكوميديا مَثلًا وفي المسرح الذي يَحتوي على حَبْكة مُعقَّدة مِثل مسرح الباروك، وكذلك في المسرحيّات التي تُجسِّد أطراف الصِّراع بشكل مُبسَّط على شكل شخصيّات مَجازيّة Allégorie كما في عُروض الأخلاقيّات في القرون الوسطى، وكذلك في المسرح الشرقيّ حيث تُبيِّن الروامز اللَّونيّة والحركيّة انتماء الشخصيّة إلى قُطب من أقطاب الصِّراع. أمّا في التراجيديا والأنواع المسرحيّة الأُخرى ذات الطابَع الجادّ والمُؤثِّر Pathétique مِثل الدراما، يُؤدّي الصِّراع إلى فاجعة وليس إلى مُجرَّد مُشكِلة يُمكن حَلّها كما في الكوميديا، ويأخذ أشكالًا مُتعدِّدة، فيكون داخليًا يُعبِّر عن مُعاناة الشخصيّة، أو داخليًا وخارجيًّا معًا.
يأخذ الصِّراع أشكالًا مُتعدِّدة منها:
أ – صِراع خارجيّ مَبنيّ على تَنافُس بين شخصيّتين (لأسباب عاطفيّة، اقتصاديّة، سياسيّة إلخ). وهذا النوع من الصِّراع يُشكِّل القاعدة التي تُبنى عليها الحَبْكة في الكوميديا والدراما والميلودراما، ويَتجسَّد على الخشبة على شكل أفعال، أو يأتي على مُستوى الخِطاب من خِلال المُجابهة الكلاميّة (انظر الأغون).صِراع خارجيّ مَبنيّ على تناقُض بين رؤيتين للعالم كما في مسرحية «أنتيغونا» لسوفوكليس Sophocle (496-406 ق.م) حيث تَتعارض رَغبة كريون مع رغبة أنتيغونا، أو مَبنيّ على تضارُب المصالح بين الخاصّ والعامّ، كما هو الحال في مسرحيّة «إيفيغينيا» ليوريبيدس Euripide (480-406 ق.م).
ب – صِراع وِجدانيّ Dilemme يأخذ شكل نِزاع أخلاقيّ بين الواجب والرَّغبة أو العقل والعاطفة، ويُعبَّر عنه على مُستوى الخِطاب في المونولوغ أو بالصمت. ونَجد هذا النوع من الصِّراع الداخليّ مثلًا في تردد هاملت في مسرحيّة شكسبير، وفي مُعاناة بَطَلي مسرحيّة «السيد» للفرنسيّ بيير كورني P. Corneille (1606-1684)، وفي أغلب مسرحيّات الروسيّ أنطون تشيخوف A. Tchekhov (1860-1904) والإنجليزيّ هارولد بينتر H. Pinter (1930).
ج – صِراع ميتافيزيقيّ بين الإنسان وقُوّة ما غَيبيّة كما في مسرحيّة «نُقطة السَّمْت» للفرنسيّ بول كلوديل P. Claudel (1868-1955) حيث يَكون صِراع الشخصيّات مع مبدأ أخلاقيّ سببًا لتحريك الفعل. في بعض الحالات يُمكن أن تُجسَّد القُوّة الغَيبيّة عِبر شخصيّة كما هو الحال في مسرحيّة «أوديب» لسوفوكليس حيث يَتواجه أوديب مع تيريزياس الذي يمثل الدين.
الصِّراع والخاتِمَة:
يُوحي حَلّ الصِّراع بنوع من المُصالحة والاستقرار بعد الفوضى، وهذا يَعكِس مَوقِفًا ما من الواقع. ففي الأنواع الدراميّة يأتي حلّ الصِّراع في نهاية المسرحيّة كجواب على التساؤلات التي يَطرحها الصِّراع، وهذا ما تَطرَّق إليه هيغل حين قال بأنّ التراجيديا تُظهر أنّ هناك عَدالة دائمة هي التي تُفرَض في النهاية من خلال فَرض مَوقِف أخلاقيّ مُعيَّن.والخاتمة في كثير من الأنواع المسرحيّة هي حَلّ للصِّراع أو الصِّراعات، وذلك تِبعًا للقواعد الكلاسيكيّة التي تَفرِض أن تُعطي هذه الخاتمة أيضًا معلومات عن مصير كلّ الشخصيّات.هناك حالات لا يكون الحَلّ في خاتمة المسرحيّة فيها حاسمًا، وإنّما يُترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات عديدة (مُستقبل غير واضح في مسرحيّات تشيخوف ونهاية مفتوحة في مسرحيّات بريشت). والعَلاقة ما بين النهاية والبِداية وطريقة حلّ الصِّراع تُشكِّل نَموذجًا مُصغَّرًا للمَسار التطوُّري الذي يأخذه التاريخ في الواقع. فحلّ الصِّراع إمّا أن يُصوِّر انتقالًا إلى وضع جديد (الانتقال من النِّظام الإقطاعيّ إلى النِّظام المَلَكيّ في مسرحيّة «السيد» لكورني)، أو يَكون عودة إلى ما كان موجودًا في البِداية (العودة إلى السلطة الشرعيّة في مسرحيّة «فيدرا» للفرنسيّ جان راسين J. Racine (1639-1949).
في بعض الأحيان يُؤدّي حلّ الصِّراع إلى تمايز واضح بين وضع الشخصيّة وضع العالَم الذي تنتمي إليه. فالنهاية المأساويّة للشخصيّات في مسرحيّة «روميو وجولييت» لشكسبير هي نوع من الاستقرار على وضع ما هو وضع المُصالحة، لكنّه يأتي على حساب الشخصيّات التي تَبدو وكأنّها كَبْش الفِداء. والأمر نَفْسه في مسرحيّة «هاملت» لشكسبير حيث تَكون عَودة النِّظام – التي تَتجسَّد عِبر تثبيت سلطة فورتنبراس في نهاية المسرحيّة – على حِساب حياة هاملت.
الصورة من مسرحية الكيميائي تأليف بن جونسون المشهد السابع بالفصل الرابع ويمثل ذروة الصراع بالمسرحية
المصدر صفحة المسرح العالمي


