سنيّة صالح: استعادة القصيدة من السيرةــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبقلم يوسف يونس. 22 أغسطس 2026ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــثمة أمران ينبغي التنبه لهما قبل الكلام عن سنيّة صالح: ألّا نبدأ من علاقتها بمحمد الماغوط أو من الحديث عن موتها. فبين هذا وذاك، نشأت صورتها التي استقرت في الذاكرة العربية: شاعرة موهوبة عاشت إلى جانب شاعر أكثر شهرة، ثم مرضت وماتت مبكرًا. فصار من السهل أن تُقرأ قصائدها كلها في ضوء رجلها ومرضها ونهايتها. وحتى اليوم ما تزال بعض الكتابات تشير إليها بوصفها “زوجة الماغوط”، وتتكرر في العناوين الصحافية عبارات من نوع “الشاعرة التي بقيت في الظل”. وقد كتبت خالدة سعيد، شقيقتها، مدافعة عنها: “طالما قيل عن سنية صالح إنها متأثرة بزوجها محمد الماغوط، وهذا كلام جاهل بالشعر والقراءة جهلًا فادحًا”. هكذا أصبحت حياتها أكثر وضوحًا من شعرها، وأصبح ما يحيط بالقصيدة يحجب ما يحدث داخلها. ولعل إنصاف سنية صالح يكون بأن نضع شعرها أمامنا ونحاول أن نرى ماذا يبقى منه إذا ما أخرجنا منه الماغوط والمرض وأسطورة اللقاء الأول وحكاية تعارفهما في بيروت، وكل ما جعل سيرتها أكثر تداولًا من دواوينها.وتنكشف عندئذ تجربة شعرية فيها قصائد أو مقاطع لا يمكن تجاوزها، وأخرى تتعثر تحت ثقل ما كان شائعًا من زخرفة الحداثة في جيلها؛ تجربة بدأت من حساسية حلمية وصورية شديدة الخصوصية، ثم أخذت تجعل من الزمن والجسد والذاكرة واللغة مادة واحدة، حتى تبلغ في “ذكر الورد” درجة من التكثيف لم يكن ديوانها الأول يبلغها دائمًا.ولدت سنية صالح في مصياف عام 1935، ونشرت ديوانها الأول “الزمان الضيق” عام 1964، ثم “حبر الإعدام” عام 1970، و”قصائد” عام 1980، وصدر “ذكر الورد” عام 1988 بعد وفاتها، فيما نشرت مجموعة قصصية بعنوان “الغبار” عام 1982. وفازت في بدايتها بجائزة “النهار” عن قصيدتها “جسد السماء” عام 1961، وهي الجائزة التي وضعت الشاعرة الشابة داخل المشهد الذي كانت مجلة “شعر” وبيروت ترسمانه من خلال أحد أكثر التحولات جذرية في الشعر العربي الحديث.لم تكن سنية منشغلة بإعلان القطيعة مع الماضي، ولا بتقديم مشروع شعري أو تنظير لقصيدة النثر. وقد عبّرت في كلام لها، بعد فوزها بالجائزة، عن طموح أكثر حميمية وتواضعًا من الطموح الحداثي الصاخب الذي عرفه جيلها: فهي أرادت “حرية الحلم والثرثرة” فحسب. ولم تطمح سوى لأن يكون شعرها مكانًا تحتفظ فيه الذات بهامش لا يخضع تمامًا لمنطق العالم.تختلف قصيدتها عن قصيدة الماغوط، حتى حين تتجاور معه في المكان والجيل والمناخ. فهو يجعل العالم خصمًا، يدخل إليه من الشارع، من السجن، من الفقر، ويضع اللغة في مواجهته. أما سنية فتدخل عناصر العالم إلى داخل اللغة، حيث تتحول إلى صور، ثم تمضي بهذه الصور إلى داخل الجسد، فتصبح الصورة نفسها إحساسًا مباشرًا. يتداخل العالم والذات حتى يصعب تحديد أين ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر. ولذلك تبدو السماء عندها جسدًا، والوطن ريحًا وشجرًا، والذاكرة جسمًا يمكن أن يطلق عليه الرصاص. فتقول في “جسد السماء”:”لا صوتَ لي ولا أغانيخلعت صوتي على وطن الرياح والشجر”.إن الصوت، الذي يفترض أن يكون ملكًا لصاحبه، يصبح شيئًا يمكن خلعه. والوطن، الذي يفترض أن يكون أرضًا ثابتة، يصير حركة وثباتًا في آن معًا. وتعود القصيدة نفسها، في مقطع لاحق منها، إلى الفكرة عينها:”عشرون سنة نشرب الريحنقيم في جذور الحنينوما من قصيدة تأتي”.”تختلف قصيدة سنيّة صالح عن الماغوط؛ فهو يجعل العالم خصمًا يواجهه باللغة، بينما تدخل هي عناصر العالم لداخل اللغة ليتحول إلى صور تمضي بها إلى أعماق الجسد”الصورة عند سنية هي الموضع الذي يتكون فيه المعنى، لا وصف لمعنى سابق عليها. حتى القصيدة نفسها تصبح شيئًا منتظرًا لا يأتي؛ إذ ليس الشعر عندها امتلاكًا للقول بقدر ما هو انتظار له. وفي قصيدة أخرى بعنوان “الانتظار”، من “حبر الإعدام”، ينتظر الموت ضحاياه والعاشق حبيبته والليالي نجومها والحرب فرسانها. وحدها الأشياء التي يفترض أن يمنحها الزمن وجودها تعرف كيف تنتظر؛ أما الزمن ذاته، مصدر الانتظار كله، فلا يعرفه:”لكن وا أسفاه الزمن ملول لا يعرف الانتظار”.من هنا تبدو سنية شاعرة الزمن أكثر مما هي شاعرة الموت. فالموت حاضر في شعرها قبل مرضها بسنوات طويلة. ففي قصيدة “البحيرة” تصف الذات نفسها بأنها “المسافرة الأبدية” التي لم تتجاوز حدود قبرها. غير أن الموت في هذه المرحلة ليس الموضوع وحده؛ إنه الحد الأقصى لمشكلة أسبق: الزمن يمضي ولا يعيد إلينا ما أخذه.لهذا تصبح الطفولة عند سنية أكثر من حنين. فهي الزمن قبل أن يغلق أبوابه. وهي لا تريد فقط أن تعيش طويلًا، وإنما تريد أن تستعيد الحياة نفسها، وكأن العمر لا يكفيها إلا إذا سمح لها أن تحياه مرتين. فالموت مؤلم لأن الحياة لا تحدث إلا مرة واحدة. والزمن هو ما يجعل التجربة غير قابلة للاسترداد. العالم ضيق لأن الزمن لا يعيد شيئًا، ولأن الذات لا تستطيع أن تعود إلى ما كانت عليه، إذ كل لحظة تحمل في داخلها احتمال فقدانها.لكن سنية لا تكتب الزمن بوصفه فكرة مجردة. إنها تمنحه جسدًا، فالأعوام عندها مسننة، والذاكرة يمكن أن تنزف. وتبلغ هذه القدرة على تجسيد الزمن واحدة من أكثر صورها روعة في “دموع الأميرة”:”أنا المرأة ذات الأعوام المسننةأنزف كجندي بتر رأسه”.يبدو الزمن هنا كأنه فك يعض؛ فالسنين مادة جارحة لا مجرد مدة.لا شك في أن المرأة والجسد والأمومة والحب عناصر أساسية في تجربتها، وأن “ذكر الورد” يحمل ملمحًا أنثويًا ورمزيًا واضحًا. لكن الحديث عن أنوثة شعرها يتطلب الحذر، فالقول إن شعرها “أنثوي” لا يفسر كثيرًا ما دام لا يوضح كيف يعمل الجسد فيه فعليًا. ففي “تخرجين من أسوار الجسد”، القصيدة التي تخاطب فيها ابنتيها شام وسلافة مباشرة، تكتب الأم انتقال الحياة إلى الطفلة فعلًا جسديًا، لا وصفًا له:”دفاعك البريء يشع فيّفأضخ روحي في صدرك”.يجعل الفعل “أضخ” جسد الأم أداة نقل لا مصدر عاطفة فحسب. وحين تتكرر الصورة في “مليون امرأة هي أمك”، حيث تكاد عظام الأم وابنتها “تغيب داخل بعضها البعض”، يتضح أن الجسد عند سنية هو موقع العلاقة الفعلي، لا مجازها: ففيه يقاس الزمن، وفيه تمر الأمومة من فكرة إلى مقاومة محسوسة للفناء، حيث لا ينفصل الحب عن خوف الفقد.وهذا الجسد نفسه يمنع قراءة “ذكر الورد” على أنه مجرد “ديوان امرأة مريضة تواجه الموت”؛ فالمرض كشف ما كان موجودًا أصلًا منذ “حبر الإعدام”. و”ذكر الورد” نفسه بناء شعري كثيف يتوزع على خمسة أقسام هي: “الطوفان”، و”مليون امرأة هي أمك”، و”على زغب المياه”، و”المحاكمة”، و”الأفكار الصامتة”. وفي “المحاكمة” تبلغ المحاكمة الداخلية للذات ذروتها الأوضح، حيث تستدعي صورة محكمة كاملة لمحاكمتها هي:”أنا المرأة الرهينة السلف يطالب بي والخلف”.وحين تتابع القصيدة:”علّني أسبق اللصوص والطغاة، والقتلة، الذين من بصاقهم حبر التاريخ، المقدس”.نرى أن العنف يُختبر هنا بوصفه تواطؤًا محتملًا للذات نفسها، فتتقدم لتحاكم نفسها قبل أن يسبقها اللصوص والطغاة إلى ذلك. وحين تخاطب القضاة أنفسهم قائلة: “إن كلمات العدالة التي بين أضراسكم، ليست للمضغ”، فإنها تسخر من خطاب العدالة نفسه، تمامًا كما تسخر لاحقًا من الحماسة الوطنية بقولها: “بحب الوطن يضرم نيرانه ويزرع رماده، لكن من يحصده”، فالوطن، بحسب استعارتها عن الزرع والحصاد، أقرب إلى استثمار خاسر منه إلى قضية. و”الجيوش المفكّكة رغم أزرارها اللامعة” صورة تهدم البهاء العسكري من الداخل بلمحة واحدة.وفي “شيء ما في صدر الريح” ينتقل هذا العنف إلى الجسد الأنثوي مباشرة، حين تصف الأرض كذات حاملة لأحلامها: “أنا الأرض وأحلامها”، ثم ينتقل هذا الحمل الرمزي إلى حمل جسدي حين تصف الأرض وهي “تطلق جنينًا شرهًا يقرض الخصب والجسد”؛ فالخصوبة نفسها تصبح مصدر افتراس لا عطاء.وبعد، لم يكن بعض هذا الاقتدار على تجسيد الفكرة حاضرًا منذ البداية بالقدر نفسه، وهذا ما يفسر رأي أنسي الحاج: إن تكنيك “جسد السماء” أكثر مناخي منه عضوي. بمعنى أن صورها تنفلش في القارئ انطباعًا عامًا قبل أن تحتشد في ضرورة داخلية واحدة. وقد أشادت الناقدة روز غريب بموسيقية عبارة سنية وبراعتها في ابتداع التشبيه، لكنها ألحقت هذا المديح بإدراجها ضمن جيل يشترك في هواجس محددة يتقاسمها مع محمد الماغوط، وهو ما ردّت عليه خالدة سعيد بقولها إن القول بتأثرها بزوجها “كلام جاهل بالشعر والقراءة جهلًا فادحًا”. لكن الثابت أن نضج سنية الشعري كان مسارًا تحقق تدريجيًا، وأن “ذكر الورد” جمع في كثافته ما كان يتوزع في دواوينها الأولى: الزمن والجسد والطفولة والأمومة والذاكرة، حتى غدت هذه العناصر وجوهًا لتجربة واحدة.ولعل هذا ما يجعل العودة إلى الكلمات التي كتبها الماغوط عنها في تلك السنوات المبكرة ذات دلالة مختلفة. فقد كتب أن قصائدها “لا تبدو إلا كزهرة عارية إلا من عطرها”، تبحث وسط “عري الكتب والأشخاص والأيام”. وقد كتب هذا في تقديمه للحوار الذي أجراه معها ونشرته مجلة “مواقف” في عددها الحادي عشر (كانون الثاني/ يناير 1970). وما كشفته تجربتها بعد ذلك أن تلك الزهرة لم تكن تحتاج إلى ظلّ، ولا إلى اسم يجاورها، لكي يكون لها عطرها الخاص.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
#الشاعر منذر المصري#مجلة ايليت فوتو ارت.


