الشاعر الفلسطيني:محمود درويش سؤالا شعريا مفتوحا… من سيرة الاقتلاع إلى سردية القصيدة.- مشاركة: علي حسن الفواز.

 محمود درويش… من سيرة الاقتلاع إلى سردية القصيدة

علي حسن الفواز

يظل الشاعر محمود درويش سؤالا شعريا مفتوحا، على مستوى علاقة الشاعر باللغة والهوية والقضية، وعلى مستوى أثره في الذاكرة، أو في يوميات الوجع والمنفى، فبقدر ما أنه حمل قلق صاحب السيرة الشعرية، فإنه حمل أيضا جمرة الشاعر المسكون ببرد العزلة، وفوبيا الغياب والحضور، حيث تكون السيرة هي البلاد والكتابة والبيت والحبيبة، وحيث تكون تلك «الفوبيا» هي سرديته الشخصية، سردية من يلوذ باللغة ليعرف وجوده، ومن يلجأ للغناء ليواجه صمت العالم ازاء غيابه، وازاء قسوة المحو الذي يصنعه الآخرون.
في كتاب الناقد خليل الشيخ «سردية محمود درويش الشعرية» الصادر عن منشورات الجامعة الأمريكية/ بيروت 2026 يبدو اختيار مصطلح «السردية» خيارا لقراءة مختلفة، ولفحص إجرائي يُعنى بتمثيل سيرة الشاعر، وتحولات قصيدته التي أغوت تاريخ القصيدة العربية، وأزاحت عنها كثيرا من الرماد، وأعادتنا إلى سحرية الشاعر المُغَّني، فما حفلت به تجربة درويش المفتوحة، وإلى لعبة الشاعر «القّوال»، الذي يدرك سحر تلك اللعبة، في مواجهة الغياب، وفي إغواء العالم، واستدراجه إلى زمنه الشخصي، زمن الطاولة والمقهى والمنفى والشارع والوردة والأم..
تضعنا هذه «السردية» إزاء قراءة مستفزة، وإزاء رؤية نقدية يجس من خلالها الناقد «المخفي السردي» في شعره، وفي تجربته، منحازا إلى الكشف عن تمثلاتها البنائية، وعن علاقاتها التي يشتبك فيها السرد بالشعر، بوصفه «شعرا سائلا» يمنح «المغني» حيوية الانفلات والتمرد ومشاغبة المألوف، أو إعادة دوزنته ليكون صالحا لليومي والإنساني، وحتى للثوري، وأحسب أن قراءة الشيخ أرادت من هذا المختلف إثارة أسئلة تخص درويش، الذي عاش الوجود والقضية والقصيدة بشكل مختلف أيضا، فهو يعني أهمية وضع تأطير منهجي وإجرائي لمعالجة التمثيل السردي في تجربة محمود درويش، بعيدا عن «الاحتفال به» والانفعال بصوته «الشهواني»، ليكون قريبا من «السيرة» بوصفها زمنا «ثقافيا» ودالا تاريخيا على التمفصل الشعري الذي صنعه درويش في شعريتنا العربية، فضلا عما يستدعيه من إجراءات، تمنح القراءة بعدا «سسيونقديا» وحساسية ليست بعيدة عن درويش الرمز، وعن تجربته الصاخبة في السيرة الفلسطينية..

قراءة الكتاب تعني أولا قراءة «عالم درويش»، لكنها أيضا تعني علاقة درويش بزمنه، وبتلك السيرة التي بدت وكأنها نقلات سردية، حيث تجربة الشاعر التأملي المسكون بشعريات «السياب وسعدي يوسف» مرورا بهواجس الشاعر الثوري بنزعته الأيديولوجية، وبسؤاله الوجودي عن «الهوية» والأرض والذاكرة، وصولا إلى تراجيديا «شاعر القضية» وهي سمة لم يطمئن لها كثيرا، لأنها بدت له وكأنها منفى آخر له، وتسكين للقلق الذي يخرقه دائما..
قصائده الأخيرة قد تكون أكثر تمثيلا لسيرته، ليس لأنها سيرة الشاعر المجروح والمنهك، بل لأنها أعادته إلى الذات، وإلى رؤية الشاعر الوحيد، الذي يقاوم موته الشخصي، وموته في الغياب، باحثا عن المعنى، وعن المحذوف من ذاكرة الجدار، وعن الأب الذي ترك الحصان وحيدا، وعن الموتى الذين علقوا الزمن على اليافطات، وعلى نحوٍ أعطت لهذا الكتاب خاصية التعرّف على درويش من خلال سيرته، أو عبر أقنعتها السردية، فبقدر ما وجد في كتابه الشعري الأول «عصافير بلا أجنحة» في أوائل الستينيات، عتبته الشعرية الرخوة، فإنه وجد فيه لحظته الفارقة، لحظة الإيقاظ وسط عالمٍ شعري يضج بالمغامرين، حتى بدا كتابه الشعري الأخير الصادر عام 2009 وكأنه محاولة للقبض على تلك الذات الفائرة، عبر أقنعة استعان بها الشاعر طول رحلته/ سيرته، فهو الشاعر الوحيد والبطل والميت، و»لاعب النرد، والشاعر الذي يكتب القصيدة التي لا تنتهي، والشاعر الذي يستعيد لذة البطولة والحضور من شعرائه الموتى/ نزار قباني وإميل حبيبي، راشد حسين، إدوارد سعيد، وائل زعيتر وغيرهم..
هذه الانتقالات الشعرية هي مدخل قرائي، للتعّرف على علاقتها بالتشكل السردي لتجربته، فبقدر ما أراد الباحث عن تحولاتها الكبيرة، الشاعر، وعن سيرته في الزمن والقصيدة، فإنه عمد إلى جعلها مجالا لدرس ثقافي، كاشفا عن المخفي والجمالي، وعن حذاقته في تشكيل أدواته في التصوير والمجاز والاستعارة، وفي الحضور الذي يشبه الاحتفاء، حيث تتحول القصيدة إلى سردية مضادة للغياب، وإلى ذاكرة تستعيد تفاصيل يوميات المُغّني والشاهد والعاشق والحالم والحّطاب، والشاعر الذي يجر قصيدته خارج الرماد.

البدايات والبحث عن الذات:

تغافل درويش عن السيرة الأولى لا يعني نسيانها، لأنها «الفورة» التي تترك الجسد الشعري أمام صدمة القصيدة الجديدة، والتي بدا فيها «مقلدا» وباحثا عن صوت يخصه، ولعلي أجد أن الحديث عن سعي درويش للتخلص من «النبرة الصاخبة» لم يكن دقيقا، لأن هذه النبرة ظلت ترافقه، وإن بمستويات معينة، لأن الصوت الفلسطيني يظل شيفرة تعويض، واحتجاج على صمت العالم، نداء إلى الآخر الغائب، وحتى قصيدة «الهوية» لم تكن بعيدة عن تلك الحساسية، حيث حضر فيها بوصفه الشاعر المنتمي، الذي يجد في جملة «سجّل أنا عربي» ثيمة لمواجهة ذلك الغياب، يعيد تأثيث القصيدة عبر تقانة الصوت الذي تحول إلى عدوى شعرية، أصابت أغلب الشعراء الفلسطينيين، وربما الكثير من الشعراء العرب، ليس لأنها قصيدة تمثيل فحسب، بل هي «قصيدة تحّيز» واستدعاء أيضا..
تحولات درويش اللاحقة هي تحولات «الذات الشعرية» التي لم يغب عنها «المعنى» رغم أنها عمدت إلى إشباع وجودها عبر الجملة الشعرية، حتى تبدو أكثر تمثيلا لخبرة الشاعر التصويري، ولمخياله البلاغي، في تجاوز أشكاله الأولى، وحتى في تجاوز عقدة «السياب» الشعرية، وأحسب أن حديث الناقد الشيخ عن كتبه الشعرية اللاحقة «عصافير بلا أجنحة» و»العصافير تموت في الجليل» تأكيد على هوسه بالتجاوز، حيث إعطاء «القصيدة» خصوصية الاتساع، والمفارقة، تلك التي يشتبك فيها النثري بالتفعيلي، وحيث تحرير «اللغة» من الذاكرة لتبدو وكأنها سيرة «أوديسية» يتشهى فيها الشاعر العودة، لكنه يغامر بالرؤيا والاستعارة لمواجهة الموت، وقتل الروح، وإعادة تمثيل الشعرية بوصفها مفهوما باختينيا، يتجاوز عقدة التاريخ إلى السرد، باحثا فيها عن ذاته، بوصفه الفلسطيني الرائي، الذي تستوطنه شهوة البقاء على «قيد الصوت» صوتية وهو ما تجّلى واضحا في كتبه الشعرية « مديح الظل العالي، حصار لمدائح البحر، ورد أقل، أرى ما أريد، أحد عشر كوكبا، لماذا تركت الحصان وحيدا، سرير الغريبة»، التي بدت وكأنها تمرينات وجودية على مناكفة العالم الذي يطارده ويطرده، وأن مقاومته صارت أكثر «حكمة»، وأكثر تمثيلا للذات المهجوسة بحساسية الغياب/ الموت، وبأن العالم قد فقد براءته، ولم يعد للشاعر سوى الاحتفاء بذلك الغياب، حيث طقس النداء، واستعادة الآخر، وحيث الاعتراف، وتدوين ما لا يدوّن، وحيث البقاء على قيد الحب، مراقِبا، ومراقَبا، وهو ما حفلت به كتبه الخمسة الأخيرة «جدارية» «حالة حصار» «لا تعتذر عما فعلت» «كزهر اللوز أو أبعد»، «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي».

الوجود وسردية الاقتلاع:

من الصعب الحديث عن محمود درويش، من دون التوقف عند تمثيل زمنه الشخصي في المكان الفلسطيني، وفي المنفى، فبقدر ما أصابته النكبة بلوعة الطرد والاقتلاع، فإنها جعلته مُصابا بلوعة القلق، وهي أكثر أعراض الشعر إثارة، وأكثرها استغراقا بالحلم، وأحسب أن شغف درويش بالحلم هو الذي دفعه إلى «الأيديولوجيا» حيث هوس التعويض، وهوس الفكرة المتعالية، وحيث مواجهة الغياب الواقعي بالحضور الفكري والنفسي والشعري، وحيث إعادة اصطناع صورة أندلسية عن الهوية، لمقاومة توحش الاقتلاع، وعلى نحوٍ بدا في شعره رومانسيا وحالما، ومهجوسا بغنائية حزينة، لكنه في التدوين النثري، بدا أكثر وعيا، على مستوى القبض على فراغ الغياب، وتحويل الكتابة إلى ما يشبه التطهير، فكتابه «يوميات الحزن العادي» هو المدونة الأكثر إشهارا، والأكثر شعرية، في تدوين زمن الفقد، حيث يراقب الشاعر انفلات الأشياء حوله، وحتى في كتابه النثري «حيرة العائد» بدا درويش قريبا من تدوين زمنه بين 1995 ولحين وفاته، يرقب ما حوله، ويكتب سيرة حيرته، وكأن «السلام» الذي خدعه، قد تحول إلى كوميديا سوداء، جعلت من نصوصه الأقرب إلى يوميات المراثي، وعن سيرة الأخطاء التي وقع بها الآخرون.
عودة عائلة درويش إلى الأرض المحتلة، لم تقلل من إحساسه الفاجع بالاقتلاع، لأنه ظل مسكونا بهاجس المطرود، وسط «أنقاض المدينة»، جعله كما يقول الشيخ شغوفا بفكرة الاستعادة على طريقة السياب، حيث استعادة المدينة/ المكان، وحيث استعادة «المطر» وهي قراءة تقوم على تمثيل «بنية الغياب» بوصفها بنية موّلدة، استكنه من خلالها عوالم النشأة، والوجود القلق، والانكسار، تلك دفعته إلى البحث الأيديولوجي عن الهوية، وإلى الاستغراق التأملي عبر الشعر، وإلى التحول الفلسفي عبر الأسئلة الوجودية، وصولا إلى طرح سؤاله التراجيدي «لماذا تركت الحصان وحيدا» لتكون «وحدة الحصان» نظيرا لوحدته، وعزلته، ولإرهاصات موته..

سردية السيرة.. سردية القصيدة:
ما كتبه الناقد الشيخ جمع بين سرديتين، إذ تعني الأولى الحياة، وتعني الثانية التمرد عليها، وما بين السرديتين، تتبدى تحولات الشاعر وهو يكتب السيرة، ويغامر بالقصيدة، ليؤشر من خلال تلك التحولات مسارات عوالمه الشعرية بشكل خاص، فهو الشاعر الذي جعله الفقد متشظيا، ومُحرّضا على البحث عن غائبه، غاطسا في غموض شهي، وعلى نحوٍ يتمثله من خلال المواربة في استنفار الذاكرة والسيرة والذات والأرض والبحر، أو عبر النزوع إلى ما يشبه أسطرة «شعرية الغياب» حيث تتسع الاستعارة والرؤية، وحيث تضيق الجملة لتبدو عبر كثافتها التصورية، أكثر اختزالا بتمثيل قلق الشاعر، حيث هو يهتف، أو يعترف، أو يستدعي الغائب، أو يسخر من السلطة، أو يرثي العالم من خلال ذاته..
سردية السيرة لا تعني أيضا «سيطرة الوضوح، والتمثيل الكونولوجي للزمن، بقدر ما تعني وعيا غامضا، ربما تمثله عبر بودلير، الذي جعله الشاعر العابر، وأن العبور هو مراقبة اللغة وهي تعبر تاريخها، وتمنح الغموض سحرا، يغويها بالاحتواء، وبتقويض الوضوح الساذج، واليقيني الصارم، فما يراه الناقد الشيخ في قراءته لكتابه الشعري «آخر الليل» يدخل في هذا السياق، حيث تتمرد سردية القصيدة على سردية السيرة، وعلى أن تُعطي لنفسها مفاتيح الكشف عن السري والغامض، حيث يتحول «امتداح الغموض» إلى لعبة جمالية، وإلى قوة دافعة لإثراء الشعري، في بنيته، وفي مخيال بلاغته الجديدة كما تصوره الناقد محمد مشبال..

وفي سياق «سردية السيرة» ينحني الناقد الشيخ على الفضاءات الثقافية التي تحرك فيها درويش، وفي مدن وبلدان متعددة، بدا فيها فاعلا شعريا في تمثيل «قصيدته» وفي تمثيل «هويته»، وكلا الأمرين لم ينفصلا عن تلك السردية، ولا عن المدى الذي تتحرك فيه، بوصفها سردية غير واضحة المعالم، إذ بدا درويش أكثر تفجرا في «مهرجان الشباب العالمي» في صوفيا 1968، وحضوره في موسكو، وفي القاهرة وفي بيروت وفي باريس، وغيرها حاملا معه يقظته الشعرية، ويقظته الفلسطينية، مثلما حمل معه «وعيه الأيديولوجي» المشبوك بحلم الشيوعي الطيب، والواثق من أن السيد ماركس سيعالج أزمات العالم ومحن الشعوب المطرودة، وأن الثورة مثل القصيدة يمكن التبشير بها..
شكّلت هذه الحمولات جزءا مهما من «سردية السيرة» ومن أسئلة «خروجه» إلى تمثيل «السردية الشعرية»، حيث العالم وصخبه وأسئلته، وحيث تحولات الشعر الكبرى في عالمنا العربي، والتي بدت أكثر انفتاحا، وتمردا على النمط، وحتى الأيديولوجيا، وعلى ذاكرة التاريخ والأبوة الشعرية..
لقد عمد الشيخ في قراءته العميقة لسرديات درويش أن يفتح آفاقا بدت غير واضحة، لكن الشيخ جعل من تمثيلها السردي قوة فاعلة في عالم درويش المفتوح على ما يشبه المتاهة، فهو يتشبث بكل شيء لكي يؤدي وظيفة الشاعر الرائي، عبر سرديات البيوت والطرق التي عشقها، وعبر سرديات الشخصيات الثقافية التي ساكنها بالوعي والألفة الغامرة، وعبر سردية «الحب» الذي ظل منفيا عنه، وموجوعا فيه، وحتى عبر «سردية الملحمة» التي جعلته صراعا عميقا ومكبوتا مع الآخر، ومع الموت، ومع الغياب، حيث بدت قصيدته «الجدارية» أكثر احتشادا بالرموز، وبوعي الذات اللجوجة، الباحثة عن وجودها، وبهوس التأويل الذي دفعه إلى أن يقف عند حافة الموت، متسائلا، عبر أساطير الشخصية، عن الوجود والمعنى والسيرة، وعن الأشياء التي «تحاول عبثا الاختباء»، كما يقول خليل الشيخ..

كاتب عراقي

أخر المقالات

منكم وإليكم