بقلم حازم سليمان
خصصت المؤسسات الثقافية والمسارح في ألمانيا وعدد كبير من الدول الاوروبية الشهور المتبقية من عام 2006 لإحياء الذكرى الاربعين لرحيل أحد أبرز مؤسسي تيار المسرح السياسي الألماني ايروين بسكاتور الذي توفي في مثل هذه الفترة من العام 1966.
ويعتبر بيسكاتور من أوائل الذي قالوا بأن الاهتمام بالشكل الفني للعرض يساهم في طمس الرسالة السياسية للعمل المسرحي، وكان لبروز هذا الاتجاه عدة أسباب أهمها الهزيمة التي تعرضت لها ألمانيا في عام 1919 والتي أدت إلى اهتزاز القيم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ومن ثم ثورة 1919 الاشتراكية التي فشلت واعدم زعماؤها، ليعم السخط العارم على الرأسمالية والفوضى الاقتصادية التي أطاحت باحلام الملايين، وتزامنت هذه الأحداث مع الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي ضربت المجتمع الاميركي وادت إلى انهيار ذلك الحلم الجميل بالعالم الجديد مطلع العشرينات ، إن كان بصورة مؤقتة.
ولكن قبل الدخول إلى هذه المرحلة والدور الذي لعبه بيسكاتور في تبلور وانتشار فكرة المسرح السياسي لابد لنا من وقفة نؤكد فيها ان العنصر السياسي في العمل المسرحي تعود جذوره إلى الدراما الاغريقية القديمة او التراجيديات التي ربط الناقد جورج لوكاتشي بينها وبين التحويلات الجذرية في تاريخ الجنس البشري.
او كما يشير هيجل (ان الصراع الذي ينشأ في انتيجون سوفوكليس يمثل ذلك الصدام السياسي الذي نشأ بين تلك القوى الاجتماعية والتي ادت بدورها إلى تحطيم الأشكال البدائية للمجتمع وظهور المدينة الإغريقية) لتجيء بعد ذلك الاعمال والتجارب المسرحية في العهد الاليزابيثي ومسرحيات وليم شكسبير.
الا ان هذا الامر لم يربط البعد السياسي الايديولوجي بالعمل المسرحي، ويمكننا القول ان جميع المظاهر السابقة تعتبر بمثابة المقدمات العامة لولادة وتبلور المسرح السياسي على يد بيسكاتور الذي طالت اعماله ونظرياته جذور المسرح العالمي.
عائدا إلى الارث المسرحي مقدما اياه بأبعاده السياسية، ليثبت بصورة لا شك فيها عمق الفكرة السياسية في المسرح حتى ولو كانت بصورة غير مباشرة او مقصودة، كما فعل مع مسرحية روميو وجولييت والملك لير التي احدثت صدمة حقيقية في اسلوبية الطرح والتناول.
انطلقت علاقة بيسكاتور مع البحث عن عوالم مغايرة في المسرح منذ عام 1919 حيث وجد ان الفن في حد ذاته لم يعد كافيا لارضائه، ومن جانب اخر راح يبحث عن نظرية تلاقي بين الفن والواقع، ليجد ان الثورة هي السبيل الامثل، الامر الذي جعل تأثيره بالثورة الروسية كبيرا.
ومنذ عام 1919 انغمس في عالم السياسة بصورة تامة، لدرجة اعتقد فيه معاصروه انه تخلى عن المسرح ليلتحق بالعمل السياسي، غير انه كان يسعى للخروج بنظرية متكاملة بين الفن والسياسة، وكانت البداية منذ عام 1920 عندما اسس مسرح الطبقة الكادحة.
وكانت هذه الخطوة الاولى له في سياق كسر الحاجز بين الشارع والمسرح والاعتماد على الممثلين الهواة وتخفيض اسعار البطاقات وان ترتبط مضامين هذه المسرحيات بالاحداث السياسية القائمة والتعاطي مع الطبقات الكادحة في عقر دارها.
بحيث تعرض الاعمال المسرحية في المعامل والمصانع باسلوب شعبي يتقاطع فيها العمل مع المتلقي مباشرة ويتم تداول القضايا المطروحة بصورة سجالية بحيث يصل التأثير والتأثر إلى اقصى درجة ممكنة.
ورغم الفتور الذي قوبلت به هذه الخطوة على المستوى النقدي البرجوازي، حقق هذا المسرح نجاحا ملموسا ولم يستطع ان يحافظ على وجوده لأكثر من عام واحد عندما تم إغلاقه في عام 1921.
منذ عام 1927 وجد بيسكاتور ان ارتباطه بالمسارح العامة والحكومية لم يعد قادرا على استيعاب وتقبل اجتهاداته في طرح الاعمال المسرحية ولذلك اتجه إلى البحث عن مسرح خاص به، الا ان ظروفه المالية اجلت هذا المشروع لعدة سنوات إلى ان استطاع الحصول على التمويل والمقر الذي كان وسط برلين.
وانطلاقا من هذا المسرح ظهرت اعمال بيسكاتور التي اثارت الكثير من الجدل والصدامية مع الرقابة بالرغم من تصريحاته الدائمة بأن مسرحه لايرتبط ولا يلتزم بأي حزب سياسي، وانه لا يسعى إلى التبشير بين صفوف الطبقات الكادحة، انه فقط يقدم تجاربه ورؤاه الخاصة المستقلة لفن المسرح، الا ان الاعمال التي قدمها استطاعت ان تبرز ذلك التفتت الشديد الذي تعيشه الطبقات البرجوازية.
و خاصة بعد ان اتجه إلى نشر كتاباته التنظيرية إلى جانب تجاربه المعملية التي فتحت امام العالم اسئلة جديدة في المسرح، اسئلة متعلقة بوظيفة الانسان في الحياة وعلاقته بالعالم وموقفه من الطبيعة والقدر.
وهي اسئلة كانت مغيبة عن المجتمع الغربي والرأسمالي بصورة عامة، ومن الخطوات الاولى التي قام بها بيسكاتور في مسرحه الجديد انشاء مكتب مستقل للتأليف المسرحي بحثا عن ذلك التناغم والعمل الجماعي، لتأدية الغرض من العمل المسرحي.
لم تقتصر رؤية بيسكاتور للمسرح السياسي على رصد الابعاد السياسية التقليدية بل كان لابد من ان يصبح المسرح اختصارا لما يحدث في العالم من صراعات دولية فالسياسة لا تقتصر على ذلك الوجع المحلي وفلسفة المسرح السياسي الحقيقية تكمن في القدرة على فهم العالم وانعكاسات الأحداث الدولية على اي إنسان موجود في اي مكان على سطح الكرة الأرضية، وفي هذه المرحلة برزت مسرحية (ازدهار) التي تناول فيها موقف الاتحاد السوفييتي في صراعه السياسي والاقتصادي على أسواق النفط.
ويعتبر هذا الاتجاه الموضوعي نقطة ريادية حقيقية، ولعلها المرة الاولى في مسيرة المسرح العالمي المعاصر التي يدخل المسرح إلى طرق مثل هذه المواضيع، وقد اثارت عروض هذه المسرحية سجالات واسعة على المستوى الجماهيري والنقدي.
وكانت ردود الفعل متناقضة حتى ان الجهات الحكومية والرقابية آنذاك وقفت حائرة في الرفض او السماح لهذا العرض ان يستمر على خشبات المسارح وقد تعرضت هذه المسرحية لهجمة واسعة النطاق من صحف اليمين التي اتهمت العمل بأنه يدمر كل ما بناه المسرح على مر تاريخه من قيم فنية وابداعية وثقافية.
في الفترة الأخيرة من حياته انهمك بيسكاتور في المسرح الحديث الذي قدم ما يزيد على اربعين مسرحية في عام 1965 وصل بيسكاتور إلى ذروته المسرحية والتنظيرية وكانت انظار العالم متجهة صوبه كواحد من اهم العقول المسرحية في العالم رغم وجود شخصيات بارزة اخرى من اهمهم.
بريخت. غير ان القدر لم يمنحه المزيد من الوقت ليتابع مشواره المسرحي حيث توفي في مايو 1966 وكان انذاك في صدد اعادة هيكلية جديدة لمسرح الشعب. ومن المعروف أن نخبة من رجال المسرح في العالم كانوا قد تتلمذوا على يده منهم تينسي وليافر، مارلون براندو وغيرهما.


