السوشال ميديا.. تواصل يقرب المسافات أم عزلة خلف الشاشات؟

تكشف تفاصيل الحياة اليومية مفارقة لافتة؛ فأفراد الأسرة قد يجتمعون حول مائدة واحدة، لكن كل واحد منهم ينشغل بعالمه الخاص خلف شاشة الهاتف. الأب يتابع الأخبار، والأم تتصفح مواقع التواصل، فيما يضع الابن سماعاته ويتنقل بين مقاطع الفيديو، لتبقى الأجساد حاضرة بينما يغيب الحوار.

وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، إذ يعتمد عليها الناس للتواصل مع الأصدقاء والأقارب، ومتابعة الأخبار، والترفيه، إضافة إلى الدراسة والعمل، إلا أن هذا الانتشار يطرح تساؤلاً متزايداً حول تأثيرها في العلاقات الاجتماعية: هل أسهمت فعلاً في تقريب الناس من بعضهم، أم أنها دفعتهم نحو مزيد من العزلة؟

ويقول أحد الشباب: «أحياناً انحدث مع رفاقي لساعات على الهاتف ، لكن عندما  نلتقي وجهاً لوجه لانجد  ما نتكلم به»، في تعبير عن مفارقة يعيشها كثير من الشباب، تتمثل في استمرار التواصل عبر الشاشات مقابل تراجع اللقاءات والحوارات المباشرة.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على علاقات الأصدقاء، بل تمتد إلى داخل الأسرة، حيث يمكن أن يتحول الهاتف من وسيلة للتواصل مع الآخرين إلى حاجز يفصل أفراد العائلة عن بعضهم. فالجلسات العائلية التي كانت فرصة للحديث عن تفاصيل اليوم وتبادل الأحاديث، أصبحت في بعض الأحيان مساحة ينشغل فيها كل فرد بهاتفه.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الجوانب الإيجابية لوسائل التواصل، فقد أتاحت الحفاظ على العلاقات مع الأقارب والأصدقاء الذين تفصلهم المسافات، ووفرت للشباب فرصاً للتعلم والعمل والتعبير عن آرائهم، كما جعلت التواصل مع أفراد الأسرة البعيدين أكثر سهولة من خلال الرسائل ومكالمات الفيديو.

وترى إحدى الأمهات أن التغيير بات واضحاً في الحياة العائلية، وتقول: « في الزمن الماضي  كنا نجلس ونتكلم عن نهارنا،  كل واحد مشغول بشيء على موبايله. حتى عندما نخراج  مشوار، أحياناً كل واحد يصور وبيتصفح بدل أن ما يعيش اللحظة».

وبين من يرى في وسائل التواصل جسراً يصل الناس ببعضهم، ومن يعتبرها سبباً في زيادة العزلة الاجتماعية، تبدو المشكلة مرتبطة قبل كل شيء بطريقة الاستخدام. فالتكنولوجيا بحد ذاتها ليست المشكلة، وإنما تتحول إلى عامل للابتعاد عندما تصبح الشاشة بديلاً عن الحوار واللقاء والتفاعل الإنساني المباشر.

ولعل السؤال الذي يستحق التوقف عنده لا يتعلق بعدد الساعات التي يقضيها الإنسان على مواقع التواصل، بقدر ما يرتبط بالوقت الذي يمنحه فعلياً للأشخاص الموجودين حوله. فقد يمتلك الإنسان مئات الأصدقاء والمتابعين على الشاشة، لكن التواصل الحقيقي يبدأ عندما يضع هاتفه جانباً، وينظر إلى من يجلس أمامه، ويسأله ببساطة: كيف كان يومك؟

نور عمران

أخر المقالات

منكم وإليكم