قبل أن يرى العالم أول صورة حقيقية لثقب أسود، كانت الرياضيات قد كشفت ملامحه بالفعل.في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً عام 1978، سعى عالم الفيزياء الفلكية الفرنسي جان بيير لومينيه إلى الإجابة عن سؤال بدا آنذاك أقرب إلى الخيال العلمي: كيف سيبدو الثقب الأسود لو استطعنا تصويره؟استند لومينيه إلى معادلات النسبية العامة التي وضعها ألبرت أينشتاين لحساب كيفية انحناء الضوء في المجال الجاذبي الهائل للثقب الأسود. وأجرى حساباته باستخدام حاسوب IBM 7040، وهو جهاز قديم كانت قدراته الرسومية محدودة للغاية، لذلك لم يكن قادراً على إنتاج صورة مباشرة.بعد انتهاء العمليات الحسابية، لم يتوقف العمل عند الأرقام. فقد حوّل لومينيه النتائج إلى رسم بنفسه، مستخدماً ورقاً فوتوغرافياً سلبياً وحبر الهند الأسود، حيث وضع النقاط يدوياً وفق شدة الإضاءة التي توقعتها المعادلات. وعندما قلب الصورة ظهرت حلقة مضيئة تحيط بمنطقة مظلمة، مع جانب أكثر سطوعاً من الجانب الآخر.ولم يكن هذا التفاوت في السطوع عشوائياً، بل كان انعكاساً مباشراً لقوانين الفيزياء. فالجزء من قرص المادة الذي يتحرك باتجاه الراصد يبدو أكثر إشراقاً نتيجة تأثير دوبلر، بينما يتعرض الضوء الصادر من المناطق الأقرب إلى الثقب الأسود لفقدان جزء من طاقته بسبب الجاذبية الشديدة، فيظهر أقل سطوعاً وأكثر ميلاً إلى اللون الأحمر.نُشرت نتائج هذا العمل عام 1979، وظلت لعقود مجرد نموذج نظري يستند إلى الفيزياء والرياضيات. ثم في عام 2019 أعلن مشروع تلسكوب أفق الحدث أول صورة حقيقية لظل ثقب أسود فائق الكتلة في مركز المجرة M87.المثير للدهشة أن الصورة التي التقطها التلسكوب جاءت متوافقة إلى حد كبير مع الرسم الذي أنجزه لومينيه قبل نحو أربعين عاماً. وقد عُدّ ذلك واحداً من أبرز التأكيدات على دقة تنبؤات النسبية العامة، وأظهر أن المعادلات استطاعت الكشف عن شكل الثقب الأسود قبل أن تتمكن التكنولوجيا من تصويره مباشرة.إنها واحدة من أكثر القصص العلمية إبهاراً، حيث سبقت الرياضيات الكاميرات إلى رؤية أحد أكثر الأجسام غموضاً في الكون.
#اقرأ#مجلة ايليت فوتو ارت.


