الأصول الخفية لرواية 1984م.
زيد خلدون جميل
عندما يُسئل أحد هواة الأدب العالمي عن الرواية التي تعد الأبرز في القرن العشرين، فإن الرواية التي يذكرها على الأغلب هي «1984»، التي نشرها الكاتب البريطاني جورج أورويل عام 1949 والتي كان تأثيرها شديدا إلى درجة أن كلمات اختلقها المؤلف فيها دخلت اللغة الإنكليزية، وتحولت إلى مصطلحات سياسية مهمة، نجدها في الكتب والأدب السياسيين.
تعد هذه الرواية الأبرز في نوع بارز من الأدب يدعى الأدب الديستوبي، الذي يكون نوعا أساسيا من الأدب الظلامي الذي يتناول طغيان السلطة أو المجتمع على الفرد في جميع جوانب الحياة، والسيطرة على أفكاره وتحديد مستقبله بشكل مطلق، بأساليب تشمل مراقبة كل تحركاته ومحادثاته وأفكاره باستعمال الجواسيس والتقنية الحديثة، وحتى بالنسبة لمن له الحق في ممارسة الجنس والإنجاب.
أصبحت هذه الرواية أهم رمز أدبي للحكم الشمولي، والرقابة الكلية والقمع والسيطرة على المجتمع، حتى إن كلمة «الأورويلي» تطلق في اللغة الإنكليزية على الدولة الطاغية، التي تستعمل مختلف أساليب القمع والخداع لفرض سلطتها بشكل مرعب، ولكن الخبراء سرعان ما لاحظوا شيئا لم يكن في الحسبان، ولكنه كان مثيرا للاهتمام، فرواية «1984» الشهيرة تشبه إلى حد كبير رواية سابقة بعنوان «نحن» (We) لكاتب روسي غير شهير يدعى يفغيني زامياتين، كان قد نشرها باللغة الإنكليزية عام 1924. ومن غير المنطقي أن يكون هذا التشابه محض مصادفة. والسؤال الأول، هل كان جورج أورويل يعرف بوجود الرواية الروسية»؟ نعم، كان على علم بها، فقد كتب مقالا عن الرواية الروسية في إحدى المجلات عام 1946 متهما الكاتب والفيلسوف البريطاني ألدوس هكسلي بأن روايته «عالم جديد وشجاع» Brave New World (1932) كانت في الحقيقة مقتبسة من الرواية الروسية. وقد نفى ألدوس هكسلي هذا الادعاء تماما.
كان الكاتب الروسي أوسع خيالا من جورج أورويل بكثير، فمثلا تذكر رواية «1984» البريطانية، أن كل مسكن يحوي أجهزة تصوير لمراقبة ساكنيه من قبل الدولة، بينما تذكر الرواية الروسية أن جميع المباني مبنية من الزجاج كي يراقب الجيران بعضهم بعضا، بالإضافة إلى مراقبة الدولة لهم جميعا. وتمتاز قوة السلطات في الرواية الروسية بقوة وبشاعة أكثر من تلك في النسخة البريطانية، فلا أسماء للمواطنين، بل أرقام، فهم بالنسبة للسلطات أدوات وجدت لخدمتها فحسب. وتدور أحداث الرواية الروسية بعد ألف عام في المستقبل، كما توسع الكاتب الروسي في طريقة إدارة الدولة الشمولية للمواطنين، حيث تطرق إلى مفهوم الإدارة العلمية والسيطرة على المواطنين وفق معادلات رياضية من قبل الدولة، والانتقال بين الكواكب والتطور التقني المشابه للذكاء الاصطناعي، الذي يشهد حاليا تطورا سريعا. وعلى الرغم من التشابه الكبير بين الروايتين، فإن نهاية الرواية الروسية كانت أكثر إثارة من نهاية تلك البريطانية، حيث تُقتَل البطلة نظرا لعدم تخليها عن مبادئها بينما تتخلى البطلة في النسخة البريطانية عن مبادئها. أما بالنسبة للبطل، ففي كلا الروايتين يستسلم تماما للسلطات ويذعن لمشيئتها.
لم تشتهر الرواية الروسية، على الرغم من أنها نشرت للمرة الأولى باللغة الإنكليزية. وقد يكون السبب الأول عدم اهتمام الإعلام بها، ولم يكن أسلوب مؤلفها جميلا بما فيه الكفاية كي يجذب القراء، وكان خياله الخصب ربما أكثر مما يستوعبه القارئ العادي، بالإضافة إلى عدم طبع نسخ كثيرة.
لم تنشر الرواية في روسيا حتى عام 1988. وحكاية نشرها مثيرة للاهتمام وتثير بعض التساؤلات، فعندما أنهى الكاتب الروسي كتابة الرواية عام 1921 حاول نشرها، إلا أن هيئة الرقابة في الاتحاد السوفييتي رفضت السماح لها بالنشر، لأنها وجدتها هجوما على الاتحاد السوفييتي، وبذلك أصبحت أول رواية تواجه هذا المصير في تاريخ البلاد. ولكن الكاتب نجح بطريقة ما في تهريب نسخة إلى خارج البلاد، فتُرجِمَت إلى الإنكليزية ونشرت في الولايات المتحدة عام 1924، ما سبب استياء السلطات السوفييتية، فمنعته من النشر. ويمثل هذا مفاجأة، إذ كان من الممكن أن يكون مصيره الإعدام لعمله هذا الذي كان يعد خطيئة كبرى. وأثار قرار منعه من النشر انزعاج الكاتب، فطلب من ستالين، السماح له بمغادرة البلاد والسكن في باريس. وهنا نكتشف المفاجأة الثانية، إذ وافق ستالين على طلبه، ويقال إن الكاتب الروسي مكسيم غوركي قد ساهم في إقناعه. وسافر كاتب الرواية إلى باريس عام 1931 حيث توفي فيها عام 1937.
على الرغم من قيام جورج أورويل باقتباس الرواية الروسية، فقد امتاز بأن أسلوبه في الكتابة أفضل من أسلوب الكاتب الروسي، كما أنه قلل من خيال وحدة الرواية، ما جعلها ربما أقرب إلى عقلية القارئ العادي.
كان اهتمام الإعلام بالرواية البريطانية فوريا من قبل الصحف البارزة، وكبار النقاد والشخصيات الثقافية مثل، الفيلسوف البريطاني برتراند رسل الذي وصلت شهرته إلى درجة أنه أصبح من يحدد معايير الثقافة الراقية، ولذلك كان نجاح الرواية تجاريا فائق السرعة، وقد يكون أحد الأسباب أنها مثلت بالنسبة للكثيرين هجوما على الاتحاد السوفييتي والفكر الشيوعي. وتحولت إلى تمثيلية إذاعية في الولايات المتحدة الأمريكية في عام ظهورها، وكان الممثل الرئيسي فيها البريطاني ديفيد نيفن، ثم ظهرت كتمثيلية تلفزيونية عام 1953 في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم مرة أخرى في بريطانيا في العام التالي بنجاح غير عادي، حيث كان نجمها ممثل أفلام الرعب البريطاني بيتر كوشنغ. وعرض الفيلم السينمائي الأول المأخوذ منها عام 1956 وتلاه الفيلم الثاني عام 1984. وأدى الأدوار الرئيسية في الفيلم الثاني جون هرت وريتشارد برتن في آخر ظهور له في السينما. وما زالت هذه الرواية تعرض في أعمال تلفزيونية حتى الآن. أما الاقتباسات في الأدب والتلفزيون والسينما فكثيرة، ومن المستحيل تجاهل تأثير الرواية البريطانية على العديد من الروايات السياسية التي نشرت بعدها.
*باحث ومؤرخ من العراق
*****************
المصادر:
– موقع: القدس العربي
– موقع صحيفة صراحة الإلكترونية
– مواقع: العربية .نت
– موقع : هسبريس
– موقع: شروق
– موقع اليوم السابع
– موقع :عالم التقنية
– مواقع: الجزيرة .نت
– موقع: مصراوي
– موقع: البيان
– موقع BBC
– الرياض – العربية Business
– صفحة الآتحاد العربي للثقافة
موقع : بيت الشعر بالمغرب
– موقع: https://www.bbc.com
– موقع : سبق
– موقع الشرق الأوسط
– موقع : مدارات الثقافية
– موقع: صحيفة النهار
– إتحاد المصورين العرب فرع مصر
المصدر: مواقع إلكترونية
– موقع: عكاظ
– موقع : المصرى اليوم
– مواقع :تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– موقع: مجلة فن التصوير
-موقع: إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
****************


