الرسم يحتاج الى مجددين دائما ،كي يتطور،فالفنون الراكدة مصيرها النسيان.

إن أخطر ما يمكن أن يواجه الفن ليس التجريب، بل الاعتقاد بأن الفن قد اكتمل وأن حدوده قد رُسمت سلفاً. فالتاريخ الفني لم يتقدم يوماً بالمحافظة على القواعد وحدها، وإنما تقدم أيضاً بفضل أولئك الذين تجرؤوا على تجاوزها.
إذا كان الفن يُقاس بنوع المادة فقط، فكيف نفسر آلاف الأعمال التي غيّرت تاريخ الفن ولم تُرسم بالزيت أو الأكريليك؟ الفن لم يكن يوماً أسيراً للأداة، بل كان دائماً أسيراً للفكرة والرؤية.
عندما أنظر إلى كيس بلاستيكي مهمل أو قطعة خشب ألقتها الطبيعة جانباً، لا أراها كنفايات، بل أراها كإمكانية بصرية ومعنى لم يُكتشف بعد. الفنان لا يصنع الجمال من المواد النبيلة فقط، بل من قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون.
لقد علّمنا الفن التجريدي أن قيمة العمل لا تكمن في المادة التي صُنع منها، بل في الطاقة التعبيرية التي يحملها، وفي العلاقات التي يبنيها بين الشكل واللون والملمس والفراغ. لذلك فإن استخدامي لمواد معاد تدويرها ليس خروجاً عن الفن، بل بحثٌ عن لغة بصرية مختلفة، وعن حياة جديدة لمواد انتهى دورها الوظيفي لتبدأ دورها الجمالي.
إن حصر الفن في الزيت والأكريليك يشبه حصر الشعر في نوع واحد من الأقلام. فالفرشاة ليست فنانة، كما أن الألوان وحدها لا تصنع عملاً فنياً. المادة مجرد وسيلة، أما الفن الحقيقي فهو الفكرة والرؤية والقدرة على تحويل المادة إلى معنى.
الخشب كان شجرة، والبلاستيك كان شيئاً منسياً في طريقه إلى النفايات، لكن الفن يملك القدرة على نقل الأشياء من عالم الاستهلاك إلى عالم التأمل. وما أفعله ليس محاولة لتقليد ما هو قائم، بل محاولة لاكتشاف ما يمكن أن يكون.
ولو كان اختلاف المادة كافياً لنفي صفة الفن عن العمل، لما اعترف تاريخ الفن بأسماء مثل مارسيل دوشامب، وكورت شفيترز، وألبرتو بوري، وإل أناتسوي، وغيرهم ممن وسّعوا مفهوم الفن وفتحوا له آفاقاً جديدة باستخدام مواد لم تكن تُعتبر فنية في زمانهم.
لذلك فأنا لا أرى نفسي أعمل خارج الفن، بل داخل أحد أعمق أسئلته: هل قيمة العمل فيما صُنع منه، أم فيما استطاع أن يقوله؟
الفن التجريدي حرّر اللون من ضرورة تمثيل الواقع، وأنا أحاول أن أحرّر المادة من وظيفتها التقليدية. فالفن ليس انتصار الطلاء على القماش، بل انتصار الرؤية على المادة، وانتصار الخيال على المألوف

#الرسام فيتوري روبيك#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم