جورج حاوي: الرجل النادر الذي كسر قوالب العقيدة من أجل الوطن
تمرّ ذكرى اغتيال القائد الوطني والعروبي الكبير، الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني، الرفيق العظيم جورج حاوي (أبو أنيس) ، لتعيد إلى الأذهان سيرة رجل لم يكن مجرد رقم في المعادلة السياسية اللبنانية، بل كان مدرسة في الشجاعة الفكرية، وصانعاً للمنعطفات التاريخية التي شكلت وجدان المقاومة والسيادة في لبنان. في زمن عزّت فيه القامات التي تغلب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، يبرز اسم “أبو أنيس” كمنارة ومثال للقائد الذي لم يتردد يوماً في مراجعة الذات، وتحطيم الأصنام العقائدية، ومد الجسور بين المتاريس، حاملاً بوصلة واحدة لا تحيد: لبنان أولاً وأخيراً.
الوطن هو الثابت والحزب هو الوسيلة
في الجلسات الصغيرة والحميمة، تلك التي كان يخلع فيها جورج حاوي عباءة البروتوكولات الحزبية ويتحدث بقلب المناضل وعقل المفكر الحر، كان يردد مقولة تختصر كل فلسفته السياسية: “إن الوطن أهم من الحزب، والحزب ليس سوى وسيلة لا غير” .
كانت هذه القناعة ثورة في الفكر الحزبي التقليدي الذي كان سائداً في حقبة الحرب الباردة، حيث كانت الأحزاب الشمولية ترى في نفسها غاية الوجود وتعتبر بقاءها وتوسعها مقدساً يُقَدَّم على كل شيء. أما جورج حاوي، فقد امتلك مرونة فكرية نادرة وجرأة استثنائية أدرك من خلالها أن التنظيم، مهما عظم تاريخه وكبرت تضحياته، يفقد شرعيته الأخلاقية والوجودية إذا تحول إلى قفص مغلق يتصادم مع مصالح شعبه وتطلعات وطنه. بالنسبة لأبي أنيس، كان الكيان اللبناني هو الأرض والثابت، أما الإيديولوجيات والأحزاب فليست سوى أدوات متحركة لخدمة هذا الإنسان اللبناني وحمايته.
مواجهة الاستبداد العقائدي: التمرد على موسكو وخالد بكداش
لم تكن استقلالية جورج حاوي شعاراً رخيصاً، بل كانت معمدّة بالدم والاقصاء والمواجهات الكبرى مع أعتى القوى الدولية آنذاك. تعود الذاكرة التاريخية إلى أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، حيث كان جورج حاوي يمثل جيل الشباب الثائر داخل الحزب الشيوعي، الذي يطالب بـ”لبننة” الحزب وربطه بقضايا محيطه العربي، والإنفتاح على المد التحرري العروبي الذي قاده جمال عبد الناصر.
هذا التوجه الشبابي المتمرد جابهته الأرثوذكسية الشيوعية الجامدة المتمثلة بالرجل الأول لموسكو في الشرق الأوسط، خالد بكداش. وبسبب وشايات وتقارير حُرّضت ضده من قِبل بكداش، الذي اتهم حاوي ومجموعته بالانحراف عن الخط الماركسي اللينيني السوفيتي الصارم، تم استدراج جورج حاوي (وكان حينها قيادياً في اتحاد الشباب الديمقراطي) إلى موسكو. هناك، لم يكن الاعتقال زنزانة جنائية، بل تم فرض “الإقامة الجبرية والعزل السياسي” عليه لعدة أشهر بهدف إعادة تأهيله عقائدياً ومنعه من العودة إلى بيروت للتأثير على القواعد الحزبية.
لكن هذه التجربة القاسية، بدلاً من أن تكسر إرادة “أبو أنيس” أو تدفعه لتقديم فروض الطاعة، صقلت شخصيته القيادية المستقلة. وعندما عاد إلى بيروت، قاد مع رفاقه معركة تجديدية كبرى تُوجت في المؤتمر الوطني الثاني للحزب عام 1968، حيث أُعلنت استقلالية الحزب الشيوعي اللبناني التامة عن أي وصاية خارجية، وفُصمت عرى التبعية العمياء للقرار السوفيتي.
“مع كمال ظالماً أو مظلوماً”: معركة صيدا وصمود القرار المستقل
تجلت هذه الاستقلالية بأبهى وأشرس صورها في حزيران عام 1976، عندما اتخذت القيادة السوفيتية قراراً بمباركة وتأييد الدخول العسكري السوري إلى لبنان. وجدت الحركة الوطنية اللبنانية وحلفاؤها أنفسهم أمام امتحان مصيري. مارست موسكو ضغوطاً هائلة عبر سفيرها في بيروت لثني الحزب الشيوعي عن المواجهة، لكن جورج حاوي رفض الانصياع، واختار الوفاء للتحالف الوطني والدفاع عن القرار اللبناني المستقل، واضعاً يده بيد رفيق دربه المعلم كمال جنبلاط، ومطلقاً عبارته الوجدانية والتاريخية الشهيرة: “أنا مع كمال جنبلاط ظالماً أو مظلوماً” .
ترجم الحزب الشيوعي هذا الموقف ميدانياً بشراسة وبسالة منقطعة النظير في مواجهة الآليات العسكرية المتقدمة. واحتضنت مدينة صيدا، بوابة الجنوب، واحدة من أضخم الملاحم العسكرية. في شوارع صيدا الضيقة وعند “ساحة النجمة”، نصبت القوى المشتركة والشيوعيون كمائن محكمة للدبابات السورية (T-54 و T-55). كانت الانفجارات وشراسة التصدي عنيفة لدرجة أن أبراج الدبابات والمجنزرات كانت تنفصل عن هياكلها وتطير في الهواء من قوة العبوات والقذائف الصاروخية لترسو وتستقر فوق أسطح البنايات والمحلات التجارية المحيطة، في مشهدية تاريخية محفورة حتى اليوم في ذاكرة الجنوبيين كشاهد على رفض الإملاءات الخارجية بالدم.
شجاعة النقد الذاتي: “هنا أخطأنا”
إن ما ميز جورج حاوي عن ركام السياسيين التقليديين هو امتلاكه لفضيلة نادرة: شجاعة الاعتراف بالخطأ. بعد انتهاء الحرب الأهلية، لم يهرب أبو أنيس إلى الأمام ولم يختبئ خلف الشعارات الخشبية، بل قاد مراجعات نقدية علنية وجريئة أمام التاريخ وأمام جمهوره.
اعتبر حاوي أن الحرب الأهلية اللبنانية بمجملها كانت “جريمة بحق اللبنانيين” ، وأقرّ بجرأة نادرة أنه ما كان ينبغي للحزب الشيوعي اللبناني أن ينزلق ليكون طرفاً في اقتتال داخلي مدمر ومستنزف لأبناء الوطن الواحد. كما امتلك الشجاعة التاريخية ليعلن أن الحزب أخطأ في مغالاته في الدفاع عن القضية الفلسطينية؛ فرغم إيمانه المطلق والنهائي بعدالة وقداسة القضية الفلسطينية وحق شعبها، إلا أنه اعتبر أن نصرة هذه القضية ما كان يجب أن تتم على حساب تدمير الكيان اللبناني، واحتراق الوطن، وضرب صيغة العيش المشترك. كان يرى أن حماية الوطن وحقن دماء أبنائه هي القيمة الأخلاقية والسياسية العليا.
شق طريق السلم الأهلي: زيارة غدراس والحوار كبديل للمدافع
فور توقيع اتفاق الطائف وسكوت المدافع، أدرك جورج حاوي أن السلام لا يُصنع بين الحلفاء بل بين الخصوم الذين تقاتلوا. ومن هنا، قام بخطوة احتاجت شجاعة سياسية تفوق شجاعة الميدان: قام بزيارة قائد القوات اللبنانية سمير جعجع في مقره في غدراس.
كسرت هذه الزيارة كل متاريس الحقد النفسي والجغرافي، وأراد من خلالها أبو أنيس توجيه رسائل حاسمة: إن الحرب يجب أن تنتهي إلى الأبد في العقول لا على الورق فقط، وإن المكونات اللبنانية شريكة في هذا الوطن ولا يمكن إلغاء أو تجاهل أي طرف إذا أردنا بناء دولة حقيقية. أعلن حاوي من هناك أن الحوار والنقاش هما الوسيلة الوحيدة والبديل الشرعي والوحيد عن لغة السلاح لترتيب البيت الداخلي اللبناني بعيداً عن الوصايات.
نصائحه الاستشرافية لحسن نصر الله وحزب الله
لم تتوقف “أنتينات” جورج حاوي السياسية عن قراءة المستقبل حتى الأيام الأخيرة من حياته. ومع صعود نجم المقاومة الإسلامية (حزب الله) وتحرير الجنوب عام 2000، كان حاوي ينظر بريبة وإعجاب معاً لهذه القوة الناشئة. ومن موقعه كمهندس ومطلق رصاصات المقاومة الوطنية الأولى (جمول) في 16 أيلول 1982، وجه جورج حاوي نصائح ورسائل استشرافية مباشرة وغير مباشرة للأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، وللقيادة في حزب الله، تلخصت في نقاط جوهرية ما زالت تتردد أصداؤها في الواقع اللبناني اليوم:
- الخروج من العباءة الإقليمية ولبنانية المقاومة
كانت نصيحة حاوي الأساسية لحزب الله هي ضرورة “لبننة” المقاومة وفصل حساباتها الميدانية والسياسية عن المحاور الإقليمية، وتحديداً عن إيران وسوريا. انطلق حاوي من تجربته المريرة مع الاتحاد السوفيتي، موجهاً النصح للسيد حسن نصر الله بأن الارتباط العضوي بمحور خارجي قد يحقق مكاسب آنية، لكنه في النهاية سيجعل من المقاومة ورقة ضغط في البازار الدولي والإقليمي على حساب مصالح لبنان العليا. كان يرى أن المقاومة يجب أن تنبع من المصلحة الوطنية اللبنانية الصرفة وتتوقف عند حدود حماية الوطن، لا أن تتحول إلى أداة في صراعات عابرة للحدود. - التواضع بالانتصار وعدم فائض القوة الداخلي
حذر جورج حاوي حزب الله مراراً من الوقوع في فخ “فائض القوة” واستعراض العضلات في الداخل اللبناني بعد التحرير. نصح حاوي السيد نصر الله بأن السلاح الذي حظي بإجماع وطني لتحرير الأرض، سيفقد شرعيته وسيثير هواجس ومخاوف الشركاء في الوطن إذا ما اسْتُخْدِم كوسيلة للضغط السياسي في الزواريب الداخلية أو لفرض توازنات بقوة السلاح. كان يردد أن حماية المقاومة لا تكون بتحصينها عسكرياً فحسب، بل بتحصينها وطنياً عبر احتضان كافة المكونات اللبنانية لها. - الانخراط الفعلي في بناء الدولة وإصلاح النظام
كان حاوي يرى أن المقاومة لا يمكن أن تستمر كـ “جزيرة أمنية وعسكرية” مستقلة داخل دولة ضعيفة ومفككة. ونصيحته لحزب الله ركزت على وجوب الانتقال من منطق “الثورة والمقاومة المسلحة الدائمة” إلى منطق “الدولة والمواطنة”. دعا حزب الله إلى الانخراط الجدي في معركة إصلاح النظام اللبناني، ومحاربة الفساد، وبناء مؤسسات دولة قوية وقادرة، معتبراً أن قوة لبنان في مؤسساته وقضائه واقتصاده، وأن السلاح وحده لا يبني وطناً ولا يحمي مجتمعاً من الجوع والانهيار. - تغليب الحوار والابتعاد عن لغة التخوين
تأسيساً على مراجعته لخطايا الحرب الأهلية وزيارته لغدراس، نصح حاوي حزب الله بالابتعاد التام عن لغة التخوين وعزل الخصوم السياسيين في الداخل. كان يرى أن الاختلاف في وجهات النظر حول سلاح حزب الله أو خياراته السياسية هو ظاهرة صحية يجب أن تُعالج عبر الحوار الهادئ والنقاش المستمر تحت سقف المصلحة الوطنية، وليس عبر الاستقواء بالخارج أو التهديد بالقوة، لأن إلغاء أي مكون لبناني هو مشروع حرب أهلية جديدة.
خاتمة: الشعلة التي لا تنطفئ
رحل جورج حاوي مغتالاً بعبوة غادرة استهدفت جسده، لكنها لم تستطع اغتيال فكره ورؤيته الاستشرافية. غاب “أبو أنيس” تاركاً وراءه فراغاً هائلاً في الساحة الوطنية، وفي قلوب رفاقه الذين ما زالوا يشتاقون إلى جلساته، إلى ضحكته العفوية، وفصاحته، وكاريزمته النادرة.
لقد أثبتت الأيام والمنعطفات الخطيرة التي يمر بها لبنان اليوم كم كان هذا الرجل محقاً، وكم تفتقد الساحة السياسية لذهنيته المترفعة والمسؤولة. إن السيرة التاريخية لجورج حاوي، بنجاحاتها وإخفاقاتها، بمراجعاتها الجريئة وشجاعتها السياسية، ستبقى مدرسة حية تذكر اللبنانيين دائماً بأن الأيديولوجيات تموت، والأحزاب تتغير، والتحالفات تتبدل… ويبقى الوطن هو الثابت الوحيد والمقدس الذي يستحق النضال لأجله.
بقلم أكرم محمود


