من أبرز التجارب التي تناولها التقرير موقع “رن تايم واير” الأميركي، الذي أسسه التقني رايان ميركيت في مايو/ أيار 2026، ويعتمد على منظومة ذكاء اصطناعي مصممة لرصد المعلومات وتحليلها والتحقق منها قبل تحويلها إلى أخبار…
كشف تقرير نشره “معهد رويترز لدراسة الصحافة” عن تجارب إعلامية في الولايات المتحدة الأميركية وكندا وكرواتيا وإيطاليا تعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي لإدارة عمليات إنتاج الأخبار، بدءًا من رصد المصادر وجمع المعلومات، وصولًا إلى كتابة المواد وتدقيقها واتخاذ قرارات النشر، مع تفاوت مستوى التدخل البشري بين منصة وأخرى.
واستند التقرير، الذي أعدته الصحافية غريتل كان، إلى مقابلات مع خمسة من مؤسسي هذه المشاريع والقائمين عليها، بهدف فهم كيفية عمل غرف الأخبار المؤتمتة، ومدى قدرتها على إنتاج محتوى صحافي موثوق، وتأثيرها المحتمل في مستقبل المهنة.
وتختلف هذه المشاريع عن مواقع تجميع الأخبار التقليدية، إذ لا تقتصر على جمع المواد المنشورة وإعادة عرضها، بل تستخدم أنظمة ذكاء اصطناعي متعددة لمحاكاة العمليات التحريرية، بما يشمل اختيار الأخبار والتحقق من المعلومات وصياغة النصوص.
ووفقًا لقاعدة بيانات “جيندكس”، التي أنشأتها الصحافية الأوكرانية كاتيا غورشينسكايا لرصد استخدامات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الإعلامية، يوجد نحو 30 مشروعًا إخباريًا حول العالم يعتمد على هذا النموذج.
من أبرز التجارب التي تناولها التقرير موقع “رن تايم واير” الأميركي، الذي أسسه التقني رايان ميركيت في مايو/ أيار 2026، ويعتمد على منظومة ذكاء اصطناعي مصممة لرصد المعلومات وتحليلها والتحقق منها قبل تحويلها إلى أخبار.
ونجح الموقع في نشر خبر عن حادثة تتعلق بخروج أكثر من 1200 وكيل ذكاء اصطناعي تابع لشركة “أوبن إيه آي” عن السيطرة، بعدما بدأوا التواصل فيما بينهم ومحاولة اختراق منصة “هاغينغ فيس” بصورة مستقلة.
وكشفت الشركة تفاصيل الحادثة خلال مؤتمر “بلاك هات” للأمن السيبراني في لاس فيغاس، لكن الموقع نشر الخبر قبل مجلة “وايرد” بنحو ثلاث ساعات، وقبل مؤسسات إعلامية دولية كبرى.
وأوضح ميركيت أنه رصد المعلومات في النص المكتوب لعرض مباشر خلال المؤتمر، وأدخلها إلى نظامه الآلي، الذي تولى مطابقة هوية المتحدثين مع الوثائق الرسمية وسجلات الحوادث السابقة.
وبعد مراجعة المعلومات، اتخذ ميركيت بنفسه قرار النشر، لتظهر النسخة الأولى من الخبر بعد نحو ست دقائق.
ويرى أن سرعة النشر لا تعود فقط إلى قدرات الذكاء الاصطناعي، بل إلى جاهزية البنية التحريرية قبل وصول المعلومات، بما يسمح بتنفيذ عمليات البحث والتحقق والصياغة خلال وقت قصير.
ورغم اعتماد الموقع على الأتمتة، يحتفظ ميركيت بالمسؤولية التحريرية عن جميع المواد المنشورة، وتحمل الأخبار توقيعه باعتباره المسؤول عن صحتها.
وأوضح أن دوره يبدأ قبل كتابة الأخبار، من خلال تحديد أولويات التغطية ووضع معايير التحقق والضوابط التي تمنع النشر عندما تكون الأدلة ضعيفة أو يتعذر التأكد من المعلومات.
في إيطاليا، يقدم موقع “ريداتسيوني زيرو” نموذجًا أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي، إذ يتولى وكلاء آليون اختيار الأخبار وكتابتها وتدقيقها ونشرها دون مراجعة بشرية مسبقة.
وقال ناشر الموقع، مطور البرمجيات إميليو سالميري، إن النظام يستخدم وكيلين يعملان بنماذج من شركتي “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي”، ويتولى كل منهما جمع الأخبار بصورة مستقلة كل صباح.
وبعد جمع المعلومات، تختار الأنظمة القصص المناسبة وتكتبها وفق ميثاق تحريري معلن، قبل إحالتها إلى أنظمة تحقق منفصلة تعمل على كشف الأخطاء ومنع نشر المواد التي لا تستوفي الشروط المحددة.
ويتولى محرر آلي في نهاية العملية كتابة افتتاحية تشرح اختيارات الموقع الإخبارية لذلك اليوم.
ولا يراجع سالميري الأخبار قبل نشرها، لكنه يضع القواعد التي تحكم عمل النظام ويتحمل المسؤولية عن نتائجه.
وتشمل هذه القواعد حظر تغطية الجرائم والمحاكم، ومنع تقديم النصائح الطبية، واشتراط الاعتماد عادة على مصدرين مستقلين لكل خبر.
كما يتيح الموقع للقراء تقديم اعتراضات على المواد المنشورة، مع التعهد بالرد خلال 48 ساعة.
وأكد سالميري أن القرارات المتعلقة بتصحيح الأخبار أو سحبها أو رفض الاعتراضات تبقى من صلاحياته، موضحًا أن النظام يتولى الكتابة، لكنه لا يملك سلطة الفصل في أخطائه.
في كرواتيا، أسس مهندس البرمجيات تيهومير ياوك منصة “موي كراي”، التي يعني اسمها “منطقتي”، بهدف توفير تغطية إخبارية للمجتمعات المحلية الصغيرة التي لا تحظى باهتمام كافٍ من المؤسسات الإعلامية الكبرى.
وتغطي المنصة أكثر من 124 بلدة، من خلال متابعة ما يزيد على ألفي مصدر، بينها مواقع البلديات والهيئات الحكومية وشركات الخدمات وإعلانات المرور والطقس.
وأوضح ياوك أن المؤسسات الإعلامية التقليدية لا تمتلك دائمًا الوقت والموارد اللازمة لمتابعة مصادر محلية صغيرة، بينما تتيح الأنظمة الآلية جمع هذه المعلومات ومعالجتها بصورة مستمرة.
وتخضع المواد التي ينتجها النظام لسلسلة من اختبارات الجودة تشمل الدقة واللغة والنبرة والحياد، مع منح كل مادة درجات رقمية وفق معايير محددة.
فعلى سبيل المثال، تُرفض المادة إذا حصلت على أقل من 80% في تقييم الحياد.
وبحسب ياوك، ينتج النظام نحو 100 مسودة يوميًا، لكن المنصة لا تنشر منها سوى 20 إلى 30 مادة، بعد استبعاد النصوص التي لا تستوفي معايير الجودة.
وتستخدم المنصة كذلك نظامًا لمراجعة شروط استخدام المصادر وسياسات الخصوصية ومتطلبات نسب المعلومات قبل معالجتها.
مراسل آلي لتغطية اجتماعات المجالس المحلية
في ولاية أريزونا الأميركية، أطلق الصحافي المتخصص في التكنولوجيا نيكولاس دي ليون موقع “توسون ديلي بريف”، الذي يعتمد نموذجًا يجمع بين النشر الآلي والمراجعة البشرية.
وتُنشر الأخبار الروتينية والمعلومات المستمدة من السجلات العامة بصورة آلية، بينما تخضع التغطيات الأكثر حساسية لمراجعة بشرية قبل النشر.
وأوضح دي ليون أن المشروع جاء استجابة لتراجع التغطية الإعلامية المحلية، مشيرًا إلى أن مدينة توسون لم يبق فيها سوى صحيفة واحدة وعدد محدود من المحطات التلفزيونية.
وطوّر نظامًا يعمل كمراسل آلي لتغطية اجتماعات المجالس المحلية، من خلال تسجيل البث المباشر وتفريغ المداخلات وتحويلها إلى مسودات إخبارية.
ويمكن للنظام متابعة عدة اجتماعات في الوقت نفسه، فيما يتولى دي ليون مراجعة المسودات وتحريرها والتحقق من المعلومات قبل نشرها.
وقال إن المواد التي ينتجها النظام تكون جاهزة للنشر بنسبة تقارب 90%، لكنها لا تُنشر دون تدقيقه.
ووسع المشروع أنشطته لتشمل بودكاست يوميًا مدته دقيقتان، يستخدم نسخة مولدة بالذكاء الاصطناعي من صوت دي ليون، إضافة إلى قناة باللغة الإسبانية على منصة “تيك توك” تقدم محتواها مذيعة افتراضية تدعى باتريشيا.
كما أطلق أدوات أخرى، بينها محرك بحث يعتمد على أرشيف الموقع للإجابة عن أسئلة القراء، وألعاب كلمات متقاطعة محلية أسبوعية.
ورغم تعدد هذه الخدمات، أقر دي ليون بأن المشروع لم يحقق أرباحًا حتى الآن، مؤكدًا أن هدفه توسيع نطاق التغطية المحلية، وليس إثبات إمكانية الاستغناء عن الصحافيين.
في كندا، ساهم الذكاء الاصطناعي في إعادة إطلاق صحيفة “جورنال مترو”، التي توقفت عن الصدور بعد إعلان مجموعة “مترو ميديا” إفلاسها عام 2023، ما أدى إلى إغلاق أكثر من 30 منصة إخبارية محلية.
وبعد عامين، اشترى رجل الأعمال المتخصص في التكنولوجيا بيير أنطوان فراديه حقوق الصحيفة، وأعاد تشغيلها بنموذج يعتمد على الأتمتة لخفض تكاليف الإنتاج.
وعُيّن الصحافي السابق في المؤسسة أوليفييه روبيشو رئيسًا للتحرير، ليصبح الموظف البشري الوحيد في غرفة الأخبار.
وتتولى أدوات الذكاء الاصطناعي متابعة البيانات الصحافية والتقارير وجمع المعلومات وكتابة المسودات، بينما يراجع روبيشو المحتوى ويتحقق من الوقائع ويضيف السياق ويطلب ردود الأطراف المعنية عند الحاجة.
******
المصادر
عرب ٤٨
إيليت فوتو أرت


