الديك الأسود…قصة قصيرة

بقلم أمين الساطي

هذه قصة حقيقية، عشتُ أحداثها بنفسي، ولو أن شخصاً آخر أخبرني بها، لظننت أنه كذاب أو أجدب. كان مأمون يعيش في البيت المجاور لبيتنا في قرية حردين، التي تمتد مساكنها على منتصف المدرج العلوي من سفوح جبل لبنان، وتحيط بها غابات أشجار الصنوبر والعرعر.

كنتُ أنا ومأمون في الصف الثامن، نذهب صباحاً إلى ثانوية الحكمة، التي أقامتها البلدية لأبناء القرية، المدرسة مختلطة، وفيها عددٌ قليلٌ من البنات، ما جعل الطلاب ينظرون إليهن كملكات لجمال العالم، ولسوء حظ مأمون فإن ابنة خالته هيفاء الجميلة الناعمة كانت طالبةً معنا في المدرسة، ما أعطى سبباً لطالب أزعر كسول اسمه سهيل، لكي يتنمَّر على مأمون، ويعتدي عليه لفظياً، ثم زادت جرأته، فأخذ يدفعه عمداً أمام الطلاب لإظهار قوته الجسدية، لجذب انتباه هيفاء له، بالنهاية بلغت به الوقاحه لتسمية مأمون “أبو بطيخة”، مستغلاً حجم رأسه الكبير نسبياً وجسمه القصير النحيل.أصبح أبو بطيخة يعيش حالة صراع نفسي بين الشعور بالخوف والخجل من المحيطين به، وبين الرغبة في الانتقام، خطرت له فكرة جنونية، بعد أن شاهد فيلماً عن صراع الديوك على التلفزيون، إنه قتال شرس مشهور، تقوم به الديوك ببسالة حتى الموت.في اليوم التالي نزل إلى بيروت، وعاد ومعه ديك تايلاندي، من سلالة مقاتلة معروفة بشراستها، له جسم رشيق أسود قوي مع ريش مزخرف بالذهبي والأبيض، وعرف أحمر صغير، وذيل طويل بشكل أفقي، يساعده على التوازن في أثناء القتال، وارتفاعه بحدود السبعين سنتمتراً، ووزنه نحو خمسة كيلوغرامات، إنه تقريباً ضعف حجم الديك البلدي المألوف لدينا في لبنان.لم يرَ أبو بطيخة أنَّ هذا الديك مجرد طائر، سمَّاه “رعد”، كان يقول له وهو يربت على عنقه، ستكون حارسي الخاص، وسوف تنتقم لي من أعدائي، درّبه على الغضب، حرمه من قطيع الدجاج، وضعه في قفص كبير، وغطّاه بقطع الخيش، ليعزله عن الشمس. أيقظه كلَّ فجر على الصراخ والضرب على قفصه، علّمه أن يهجم على كل حركة، أن ينقر كلَّ ظل، أن يربط الأمان بالخوف، والأهم من كل ذلك، لقد جعل طعامه كلَّه من دهن الخروف وبقايا اللحم النيء، ليزيده شراسة، باختصار لقد علَّمه الكراهية.بعد شهر ونصف الشهر، تغيَّر رعد، لم يعد إعلانَ صباحٍ، بل إنذار حرب، صار الديك يهاجم الغرباء، ثم الجيران، حتى صاحبه لم يسلم منه، لقد كان عندما يقف في قنِّ الدجاج، يختفي الديك البلدي الآخر من القطيع، يقف وصدره منتفخٌ أمام الدجاجات، منقاره ملوث بالدم، ليؤكد للجميع أنه سيّد وحارس هذا البيت.أدرك أبو بطيخة، أن الوقت قد حان، فوضع رعداً في سلة قش، واقترب من الأزعر المتنمِّر، أزاح غطاء السلة، وألقى برعد عليه، فوجئ سهيل بالديك وهو ينقضُّ عليه، محاولاً أن ينقر عينيه، وأخذ يضربه بالوقت نفسه بالمهاميز الحادة الموجودة على الجزء الخلفي من رجليه، ما سببت له بعض الجروح، إلا أن الصبيَّ الأزعر وضع إحدى راحتيه على وجهه، وأخذ يدفع الديك بيده الأخرى لحماية نفسه، ثم استعاد توازنه، وبدأ يركض بجنون، والدم يسيل من وجهه ورقبته مبتعداً عن ميدان المنازلة.لم تكن المعركة ناجحة، كما كان يتوقعها أبو بطيخة، لكنه تذكر ما شاهده مرة في أحد الأفلام السينمائية، أخذ أربع شفرات للحلاقة، وألصق كل اثنتين منهما بالجزء العلوي الخلفي من رجلي رعد، لم يعد حارساً بعد اليوم، بل أصبح قاتلاً محترفاً.في اليوم التالي عاد الأزعر سهيل، ومعه أخوه الكبير، يحمل كل منهما قضيباً من شجر الرمان، ووقفا أمام البيت، يتحدان رعداً وصاحبه. خرج أبو بطيخة حاملاً السلة في يديه، وعندما اقترب منهما أزاح غطاءها وألقى برعد عليهما، وجد رعد نفسه بالمعركة، وبدأ يدافع عن نفسه، ينقر ويضرب بالشفرات المثبتة بالجزء الخلفي من رجليه كلَّ من يعترضه، ما أدى إلى وقوع جروح كثيرة بالمهاجمين، كما أُصيب الديك رعد برضوض قوية من العصا التي انهالت عليه، انتهت المنازلة بفرار الأخوين، والدماء تنزف بغزارة منهما.حمل أبو بطيخة الديك المنهك بعد هذه المعركة، وقدَّم له وجبة كبيرة من اللحم النيء، وتركه ينام ويستريح ليسترد قوته، وليكون مستعداً للقادم المجهول.ذهب والد الأزعر سهيل، واشتكى إلى رئيس المخفر، بأنَّ الديك الموجود عند بيت الطالب مأمون، قد هاجم ولديه عند منتصف الشارع، في أثناء مرورهما بالمصادفة أمام منزله، وأعطاه التقرير الصادر عن مستوصف القرية، قرر رئيس المخفر أن يصادر هذا الديك المتوحش، وأن يذبحه، ليجعله عبرةً لأهل القرية، لكيلا يتجرأ أحد بعد اليوم على مخالفة القانون الذي يضعه رئيس المخفر.توجّه رئيس المخفر مع مساعده العريف إلى بيت صاحب الديك، قرع الباب، فخرجت الزوجة، فطلب منها العريف تسليمهما الديك، من شدة خوفها من رئيس المخفر الذي يمثل أعلى سلطة في القرية، قادتهما مباشرة إلى الساحة الخلفية لقنِّ الدجاج، أشارت إلى القفص الموجود فيه رعد، من دون مبالاة فتح العريف باب القفص، ومدَّ يده إلى الداخل ليمسك بالديك، أحسَّ بقضمة أطاحت بخنصره، وبألمٍ لم يعرفه طوال حياته، اندفع رعد مباشرة إلى وجهه محاولاً أن ينقر عينه، بالوقت نفسه أخذ يضربه بالشفرات المثبتة على قدميه، أخذ العريف ينزف من الجروح، ويبكي كولد صغير من هول الألم والمفاجأة، فتجمّدت الأم بمكانها، ولم تعد تعرف ماذا تفعل، أما رئيس المخفر فمن شدة الرهبة، حاول إخفاء الضعف خلف قناع القوة، فأخرج مسدسه، وأطلق طلقتين في الهواء، من دوي الصوت ازداد هياج الديك رعد، وأصبح ينقر العريف بوحشية، كما أخذت الدجاجات تطير في الهواء بحالة هستيرية فزعاً من دوي الصوت، ثم انتقل رعد، وهاجم وجه رئيس المخفر، الذي بدأ بدوره يدفعه بيديه، بعد أن ألقى مسدسه على الأرض، ليحمي عينيه من منقار رعد، وهو يصيح متوعداً أصحاب البيت.خرج أبو بطيخة وأبوه من المنزل، وشاهدا الفوضى تعمُّ في الساحة الخلفية، كما تجمّع اثنان من المارة بالطريق والجيران على صوت الطلقتين، فهمَّ أبو بطيخة متأخراً، إنه لم يصنع حارساً له، بل صنع سفّاحاً. هاله منظر رئيس المخفر وهو يتلوّى من الألم طالباً المساعدة، فأخذ عصا موجودة على الأرض، واتجه نحو رعد، رفع العصا بكل ما تعلمه من خوف، ليضرب بها رعداً، لكن رعداً بعينيه الحادتين، شاهد صاحبه وهو يخونه، بعد كل ما فعله من أجله، فطار بالهواء، وهوت العصا على رأس رئيس المخفر، فما كان أمام أبو بطيخة، إما أن تسقط أسطورة الديك الشجاع، أو تسقط الدولة ممثلة بهيبة رئيس المخفر.طار الديك بالهواء على ارتفاع خمسة أمتار متجاوزاً سور الحديقة، لما شاهدت الدجاجات الديك يطير خارج القن، تبعته من دون تردُّد، متجهات معه نحو غابة أشجار العرعر، أخذ القطيع يطير في الهواء لمسافات قصيرة، ثم يهبط على الأرض، وبعدها يتابع طيرانه من دون الشعور بالرعب، لأن الدجاجات تثق بحامي القطيع رعد.في اليوم التالي انتشرت شائعة في القرية، لفّقها رئيس المخفر، بأنَّ جنّياً تايلاندياً متشكلاً على هيئة ديك أسود، هاجم رئيس المخفر ومساعده، وقد أطلق رئيس المخفر عليه النار من مسدسه فأرداه قتيلاً، وأنقذ القرية من شرِّه.

أخر المقالات

منكم وإليكم