الحلاق في المسرح كنمط كوميدي فضولي..

من الأنماط الكوميدية
[20] الحلاق الفضولي الثرثــار
الحلاق الفضولي الثرثار نمط كوميدي نجده في معظم الآداب العالمية. ففي النوادر العربية تنسب نادرة لجحا محتواها أنه ذهب ليحلق شعره عند حلاق، فأخذ يثرثر، وفي الوقت نفسه أصاب جحا إصابات كثيرة في الجانب الأيمن الذي حلقه له، ووضع قطنًا في مكان الجراح التي جرحه إياها، فقال له جحا قبل أن يشرع في حلق جانب رأسه الأيسر: لقد حلقت جانب رأسي الأيمن، وزرعت مكان شعري فيه قطنًا، فماذا ستزرع في جانب رأسي الأيسر !!
وتروى حكاية طريفة للحجاج بن يوسف الثقفي مع أحد الحلاقين، فما إن بدأ هذا الحلاق بحلاقة رأس الحجاج حتى أخذ يثرثر، ويسأله أن يحكي له قصة حربه مع ابن الأشعث، والحجاج يقول له: فيما بعد، والحلاق يستحلفه أن يحكيها له الآن، وبمجرد أن فرغ من حلاقته قال له الحجاج: والآن سأحكي لك قصة حربي مع ابن الأشعث. وكلما ذكر عبارة من القصة أمر الجلاد أن يجلده جلدة حتى أتى على نهاية القصة وقد نال الحلاق جلدات كثيرة، وقال له الحجاج في النهاية: ها أنا ذا حكيت لك قصة حربي مع ابن الأشعث، وكلما رغبت في سماعها مني حكيتها لك بهذه الطريقة!
ومن أروع مقامات بديع الزمان الهمذاني المقامة “الحُلْوَانية”، وفيها نرى عيسى بن هشام بعد أن حج، وذهب لحلوان – بلد في مشرق العالم الإسلامي – أراد أن يحلق شعره، وينظف جسمه من آثار السفر، فطلب إلى غلامه أن يحضر له حلاقًا ماهرًا في صنعته قليل الفضول والثرثرة، ويأتيه غلامه بحلاق ثرثار فضولي يتكلم أكثر مما يحلق ويخلط في كلامه كالمجانين، ويتضايق عيسى منه، فيصرفه عنه، ولم يكن قد أتم حلاقة شعره له، وكان قبل ذلك قد دخل حمامًا ليدلك جسمه ويغتسل، فيتصارع بشأنه عاملان في الحمام كل واحد يرى أنه أحق به لتدليكه، وفي النهاية يهرب عيسى من الحمام بعد أن أُهين، ولم يحصل على ما كان يريده في ذلك الحمام.
ومن الواضح أن الأجواء التي تسود هذا الحمام – والمقامة بشكل عام – أجواء عبثية سواء من العاملين في الحمام، أو صاحب الحمام، وكان عيسى غريبًا في هذه المقامة؛ لأنه لم يتعامل فيها إلا مع مجانين وغريبي الأطوار، ومن هؤلاء الحلاق الفضولي الثرثار.
ومن أشهر قصص “ألف ليلة وليلة” قصة “حلاق بغداد” الفضولي الثرثار الذي كان يتتبع أحد الأشخاص في أي مكان يذهب إليه.
وأيضًا نجد في قصص “ألف ليلة وليلة” قصة أبي قير وأبي صير، وفيها نرى أبا صير حلاقًا طيبًا، ولكنه يتعرض لمقالب كثيرة من صديقه الشرير أبي قير. وقد صيغت هذه الحكاية في بعض الأعمال الأدبية، ومنها مسرحية “الطيب والشرير والجميلة” لألفريد فرج، والغريب في هذه المسرحية أن الشرير أبا قير مع كثرة ما أساء لصاحبه أبي صير فإن أبا صير يظل على سذاجته وقبوله لصداقة أبي قير، وهذا لم يحدث في القصة الأصلية، بل عوقب في نهايتها الشرير أبو قير وقتل.
وتأثر ألفريد فرج في مسرحيته “حلاق بغداد” بقصة حلاق بغداد بألف ليلة وليلة، ويبدو أيضًا تأثره في الفصل الأول من مسرحيته هذه بأحداث مسرحية “حلاق إشبيلية” لبومارشيه، والأوبرا الغنائية “حلاق إشبيلية” لروسيني. أما الفصل الثاني من هذه المسرحية فتأثر فيه ألفريد فرج بحكاية طريفة ذكرت في كتاب “المحاسن والأضداد” المنسوب للجاحظ، وفيها يسامر ابن القِرِّيَّة الحجاج، ويحكي له قصة امرأة جميلة مات زوجها، وترك مبلغًا كبيرًا من المال عند صديق له، وتطلب المرأة إلى هذا الشخص أن يعطيها مال زوجها الذي تركه عنده، ولكنه حين يرى جمالها يراودها عن نفسها، وتطلب إلى صاحب الشرطة وغيره مساعدتها، ولكن الكل يطمع فيها، وحينذاك يأتيها متسول يساعدها في كشف حقيقة كل هؤلاء الرجال للخليفة بحيلة يدبرها مع هذه المرأة.
وحلاق إشبيلية الظريف في المسرحية والأوبرا اللتين سبقت الإشارة إليهما فيه تأثر بالحلاق الأندلسي العربي في ظرفه وثرثرته وقدرته على صنع الحيل.
وهناك مسرحية “حلاق لندن” لسومرست موم، ولكن بطلها الحلاق ليس نمطًا كوميديًّا، بل إن المسرحية ليست كوميدية على الإطلاق، وبطلها الحلاق شخص طيب القلب يحب مساعدة الناس. وأيضًا مسرحية “المحارة واللؤلؤة” لوليم سارويان بطلها حلاق طيب القلب يساعد كل أهل بلدته الذين يأتمنونه على أسرارهم، وبه مسحة من الظرف، ولكنه مع ذلك ليس نمطًا للحلاق الفضولي الثرثار.

#علي خلف#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم