الصراع ضد التماهي: حين يصبح التشبّه بالآخر تهديدًا للهوية
قراءة تحليلية في رالف ر. غرينسون
ينطلق رالف غرينسون في «الصراع ضد التماهي» من مفارقة تمس إحدى العمليات الأساسية في تكوين الشخصية: التماهي، الذي يُفترض عادة أنه وسيلة لبناء الذات والحفاظ على الرابطة بالموضوع، يمكن أن يتحول لدى بعض الأشخاص إلى تجربة مهدِّدة يجب مقاومتها. يستند غرينسون إلى التصور الفرويدي الذي يجعل التماهي من أقدم أشكال الرابطة العاطفية بالآخر، بل ومن الشروط التي تسمح للهو بالتخلي عن موضوعاته؛ لكن مادته السريرية تكشف وضعًا مختلفًا: مرضى حدث لديهم التماهي بالفعل مع شخصية والدية مهمة ومكروهة، ثم أصبحت حياتهم النفسية منظمة حول إنكار هذا التماهي ومقاومته. ليست المسألة إذن عجزًا بسيطًا عن التماهي، وإنما تماهي وقع وأصبح جزءًا من الذات، بينما تحاول الذات أن تعيش كما لو أنه لم يقع. ومن هنا يصبح «ضد التماهي» بناءً دفاعيًا واسعًا: يختار الفرد صفات وسلوكيات ومواقف مضادة تمامًا لما يمثله الوالد المكروه كي يثبت لنفسه أنه ليس مثله، في الوقت الذي تعود فيه خصائص ذلك الوالد، على نحو اندفاعي ومتقطع، من داخل الشخصية نفسها.
يبدأ غرينسون بتفكيك الالتباس بين الاستدماج، والاستدخال، والتماهي. فالاستدماج نشاط غريزي فموي: أخذ شيء من الخارج إلى الفم وابتلاعه وجعله جزءًا من الذات الجسدية، وهدفه المباشر الإشباع. أما الاستدخال فهو المقابل النفسي لهذا النموذج؛ إنه أخذ الموضوع الخارجي إلى الداخل نفسيًا، في محاولة للاحتفاظ داخل الذات بخبرة الإشباع التي كانت في الأصل مرتبطة بموضوع خارجي. لذلك يبدأ الاستدخال في خدمة الدوافع الغريزية، ثم يمكن أن يُستخدم لاحقًا لأغراض دفاعية. أما التماهي فأكثر تركيبًا: الاستدخال شرط أساسي له، لكنه ليس مرادفًا له. يمكن أن يوجد موضوع مستدخل دون أن يحدث تحول في الذات يجعله تماهيًا. التماهي يبدأ عندما يؤدي الاستدخال إلى تعديل الذات بحيث تصبح مشابهة للموضوع الخارجي في السلوك أو الموقف أو الشعور أو التعبير أو طريقة الوجود. لذلك فالفرق حاسم: الموضوع المستدخل أصبح «في الداخل»، أما في التماهي فقد تغيرت الذات نفسها بفعل ما أُدخل إليها.
وهذا يقود غرينسون إلى تمييز آخر بين الأنا والذات. التماهي لا يغير وظيفة منفردة من وظائف الأنا فحسب، بل قد يمس الذات بكليتها. فالاستثمار النرجسي، في هذا التصور، ليس استثمارًا للأنا وحدها وإنما للذات التي تشمل الهو والأنا والأنا الأعلى. وفي الأنا توجد تمثيلات للذات وتمثيلات للموضوع. صور الذات المبكرة تنشأ من الخبرات الجسدية ومن صورة الجسد، لكنها في البداية لا تكون منفصلة بوضوح عن صور الموضوع؛ فالطفل لم يحقق بعد ذلك التمييز المستقر بين «أنا» و«آخر». ومع التطور تصبح تمثيلات الذات والموضوع أكثر تمايزًا وتركيبًا. أهمية هذه النقطة ستظهر في نهاية حجة غرينسون: إذا حدث نكوص إلى مستوى مبكر لم يكن فيه الفصل بين الذات والموضوع قد استقر، فإن التماهي لا يعود مجرد «أنا أشبه أبي أو أمي»، بل قد يُعاش كما لو أن «أنا أصبحت أبي أو أمي». هنا يصبح التماهي خطرًا على الإحساس نفسه بالهوية.
لا يتعامل غرينسون مع التماهي بوصفه ظاهرة واحدة متجانسة. فهناك تماهيات كلية وجزئية، مبكرة ومتأخرة، عابرة ومستقرة، وتماهيات عرضية كما في الهستيريا، وتماهيات متعددة كما في المالنخوليا، وتماهيات بدائية تسبق علاقات الموضوع، وأخرى تحل محل علاقات الموضوع. وهذه التعددية ضرورية لفهم مرضاه: فهم يقاومون بشدة تماهيًا قديمًا بعينه، بينما يظهرون في الوقت نفسه جوعًا إلى تماهيات جديدة. وقد كانوا في التحويل قادرين على التقاط بعض السمات السطحية للمحلل وتقليدها بسرعة، لكنهم يجدون صعوبة كبيرة في التماهي معه في المواقف الأعمق والأكثر أهمية. لذلك لا يعني وجود قدرة ظاهرة على التقليد أو التشبه أن عملية التماهي الناضج قد أصبحت ممكنة.
تكشف الحالة الأولى هذه الدينامية بوضوح. جاءت امرأة شابة إلى التحليل بسبب رهاب معقد من النوم، ثم ظهر أثناء العمل تثبيط شديد في التحدث بالألمانية، لغتها الأم، رغم طلاقتها اللافتة في الإنجليزية. بدا في البداية أن مركز حياتها الصراعية هو تعلق أوديبي بالأب، أعادت تمثيله في علاقة خاضعة برجل متزوج، لكن تحليل اللغة قاد إلى طبقة أقدم: علاقة فموية وجنسية وعدوانية بالأم. كانت تكره أمها بوعي وتتجنبها بوصفها موضوعًا خارجيًا، لكنها لم تكن قادرة على التخلص من الأم المستدخلة. حتى الكلمات المرتبطة بالأم والثدي اكتسبت شحنة حسية لا تستطيع احتمالها. المفارقة أن المرأة التي تعلن رفض الأم كانت، في بعض لحظات الإخراج إلى الفعل، تتصرف تمامًا مثلها: تهمل ابنها، تصبح عدوانية، وتكرر السلوك الجنسي الذي كانت تدينه في أمها. وعندما صار المحلل في التحويل شخصية أمومية أمكن الاقتراب من التماهي الذي كان إنكاره شديدًا.
يضع غرينسون خلف ذلك مستوى أعمق من مجرد «كراهية الأم». أحلام الأثداء والتماسيح التي تلتهمها، والخوف من النوم والسقوط، تشير عنده إلى شبكة من الرغبات والمخاوف الفموية-السادية: رغبة في الأخذ إلى الداخل، ورعب من أن تكون هي نفسها موضوعًا للالتهام. لذلك كانت مقاومة الأم المستدخلة مقاومة لما يحمله التماهي بها من شحنات غريزية بدائية. وتكتسب مسألة اللغة هنا معناها الكامل: الإنجليزية لم تكن مجرد لغة أجنبية تعلمتها المريضة، بل مجالًا نفسيًا يسمح بتكوين تماهيات جديدة في مواجهة التماهي القديم. كانت تقول عن نفسها، في المعنى الذي تنقله الحالة، إنها في الألمانية طفلة خائفة وقذرة، بينما تصبح في الإنجليزية امرأة راقية وعصبية. إن تبديل اللغة يسمح بتبديل صورة الذات؛ لكنه لا يمحو التماهي القديم، بل يحاول بناء ذات مضادة له.
في الحالة الثانية تظهر البنية نفسها من خلال الفراغ. جاءت امرأة بسبب ملل مزمن بلغ أحيانًا شدة دفعتها إلى محاولات انتحار. كان أكثر ما يعذبها في الملل شعورها بأنها «في اللامكان» وأنها غائبة وغير قادرة على الاندماج. يقرأ غرينسون هذا الفراغ على مستويات عدة: نتيجة لكبح التخيلات المرتبطة بأهداف وموضوعات غريزية محرمة، وتمثيلًا للجوع، وتحولًا بدائيًا في وظيفة من وظائف الأنا؛ لكنه يرى أن أهم وظائفه كانت إنكار وجود الأم المستدخلة. كانت الأم في الواقع الخارجي شخصية تكرهها المريضة: غير مسؤولة، مدمنة على الكحول ومتسيبة جنسيًا. وكانت الابنة تعيش تحت تهديد داخلي بأنها ستنتهي مثلها. لذلك يصبح الفراغ دفاعًا: إذا كنت فارغة، فلا توجد الأم داخلي؛ وإذا لم توجد داخلي فلست مثلها.
لكن ما يُنفى يعود في الفعل. كانت فترات الفراغ والملل تتناوب مع الإفراط في الشرب والتسيب الجنسي والعلاقات المثلية وهجر الزوج والأطفال؛ أي مع أنماط تعيد بصورة مباشرة السلوك الذي نسبته إلى أمها وكرهته فيها. كانت تقاوم التماهي حين تشعر بالفراغ، ثم تجسده حين يفشل الدفاع. ومن هنا لا يعود الملل مجرد نقص في الإثارة، بل يصبح إنجازًا دفاعيًا له وظيفة محددة: إنتاج إحساس بالداخل الخالي كي يُنفى الموضوع المستدخل. وتظهر المفارقة المركزية مرة أخرى: «أنا لست أمي» تحتاج إلى مجهود نفسي مستمر تحديدًا لأن الأم موجودة داخل تنظيم الذات.
الحالة الثالثة لرجل في منتصف العمر تكشف الوجه الأبوي من المشكلة. كان الرجل يعيش في مزاج جيد بصورة مزمنة، تتخلله انفجارات دورية من السلوك العدواني والمدمر والجنسي تهدد زواجه ومسيرته. يفسر غرينسون المزاج الجيد نفسه باعتباره وجدانا ساترًا واستثمارًا مضادًا ضد اكتئاب وعدوان كامنين، تدعمه آليات النفي وإنكار الإدراك. كانت علاقته الظاهرة بأمه تحمل ملامح محرمية لكنها سطحية، بينما كانت العلاقة الأعمق بالأب. كان يكره الأب بوعي ويقضي حياته محاولًا الإفلات منه، بل يتخيل نفسه ابنًا لرجل آخر. ومع ذلك كانت انفجاراته السلوكية تطابق بالضبط السلوك الذي يمقته في أبيه. ما هرب منه كموضوع خارجي كان قد استدخله وتماهى معه داخليًا. وخلف الكراهية ظهرت اشتياقات ومخاوف فموية سلبية تجاه الأب؛ لذلك لم يكن المطلوب فقط إنكار الحب للأب، وإنما إنكار بنية غريزية كاملة تجعل الأب موضوعًا مطلوبًا ومخيفًا في الوقت نفسه.
أما الحالة الرابعة فتجعل علاقة التماهي بفقدان الهوية صريحة. قاوم شاب بشدة الاعتراف بأنه يشبه أباه، خصوصًا في الصفات التي كانت أمه تحتقرها فيه. بعد زيارة الأب له، بدأت سلسلة من الخبرات الغريبة: لاحظ تشابهًا في التبرز، ثم أخذ يرى نفسه يؤدي أفعالًا كثيرة بالطريقة نفسها التي يؤديها بها الأب، وصاحب ذلك شعور مخيف بأن ذاته تتلاشى. ظهر تبدد الشخصية جنبًا إلى جنب مع وعي مفرط بالتشبه بالأب. لكن المجال الوحيد الذي لم يشعر فيه بهذه الظاهرة كان الجماع، وهنا كشف التحليل المفارقة: كان تحديدًا في العلاقة الجنسية يتماهى مع الأب على نحو أعمق، ويتصرف تجاه زوجته كما يتذكر أو يتخيل أن أباه كان يتصرف تجاه أمه. التماهي المفرط في التفاصيل التافهة كان يحجب التماهي الأخطر في المجال الجنسي. وفي العمق كان التماهي بالأب يعني أيضًا الخضوع له فمويًا وجنسيًا وسلبيًا، حتى إن الخبرة الجنسية نفسها ارتبطت بفانتازمات فموية، وظهرت اضطرابات القدرة الجنسية والخوف من النوم بعد زيارة الأب. فعودة الأب الخارجي أعادت تنشيط تماهٍ بدائي لم يكن مجرد محاكاة لسلوك الأب، وإنما تنظيمًا يحمل مكونات ليبيدية وعدوانية وفموية شديدة.
عند مقارنة الحالات الأربع يكشف غرينسون عن تركيب مشترك. كانت العقدة الأوديبية الإيجابية موجودة، لكنها بدت له طبقة سطحية فوق مساعٍ أقوى وأكثر بدائية تجاه الوالد من الجنس نفسه. لدى النساء كانت هناك دوافع عدوانية ومثلية تجاه الأم، ولدى الرجال تجاه الأب. كما وُجد في تاريخهم شقاق واحتقار واضحان بين الوالدين. انقسم المجال الوجداني بحيث أصبح أحد الوالدين محبوبًا والآخر مكروهًا بدل إمكان اجتماع الحب والكراهية تجاه الموضوع نفسه. والوالد من الجنس الآخر كان غالبًا مغويًا على نحو مفرط، ثم يجري تمجيده وإدخاله في مثال الأنا. وبذلك يمكن أن تصبح المعركة بين «الوالد الجيد» و«الوالد السيئ» معركة داخلية بين مستدخلات متعارضة.
هذه النقطة تسمح لغرينسون بالتمييز بين الازدواج الوجداني الناضج و«ما قبل الازدواج الوجداني». في الازدواج الوجداني يستطيع الفرد أن يحب الموضوع ويكرهه في آن واحد، وأن يحتفظ بصورة مركبة له. أما هؤلاء المرضى فكان الحب والكراهية لديهما منفصلين؛ قد ينتقلون فجأة من أحدهما إلى الآخر، لكنهما لا يندمجان في تجربة واحدة. ولذلك ظلت صورة الوالد المكروه نمطية جامدة، لا تصححها الخبرة الواقعية اللاحقة. لم يدخلوا في صراع حقيقي مع الوالد بوصفه شخصًا كاملًا؛ بل تهربوا منه، ثم كرروا النمط نفسه في علاقاتهم اللاحقة. كانوا يكوّنون صورة عن الآخر بسرعة ويثبتونها، ويتماهَون سريعًا مع أشخاص جدد حتى يكاد الصديق الجديد يجعلهم «يصبحون مثله». وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية: مقاومة شرسة للتماهي القديم يقابلها جوع شديد إلى موضوعات جديدة من أجل تماهيات جديدة.
الموضوع الجديد يؤدي وظيفتين: يحجب المستدخل القديم، ويحاول تحييد المستدخل «السيئ» بواسطة مستدخل «جيد» جديد. لكن التماهيات الجديدة تبقى سطحية وعابرة؛ ولذلك لا تنشئ استقرارًا حقيقيًا. ويظهر الاضطراب في المزاج وصورة الذات وصورة الجسد والإحساسات الجسدية وحتى في بعض جوانب اختبار الواقع. في النوبات لا يغضب الرجل فحسب، بل «يصير» أباه الغاضب؛ ولا تشعر المرأة فقط بذكرى أمها، بل تتحول صورة ذاتها بحيث تعود الشخصية التي تحاول إنكارها. كانوا عرضة أيضًا للإخراج إلى الفعل، واضطرابات النوم والأكل، وكان النفي والإنكار من وسائلهم الدفاعية المفضلة. ورغم أنهم لم يكونوا ذهانيين ظاهرًا، رأى غرينسون اضطرابًا في بعض الوظائف الأساسية للأنا، ووضعهم تشخيصيًا في منطقة بين عصابات التحويل والعصابات النرجسية وقريبة من الإدمانات والانحرافات.
هنا يصل النص إلى سؤاله النظري المركزي: لماذا يصبح التماهي مخيفًا إلى هذا الحد؟ للإجابة يعود غرينسون إلى الفرق بين التماهيات المتأخرة المنظمة والتماهيات المبكرة. في الحل الأوديبي المعتاد يتخلى الطفل عن جانب من دوافعه الجنسية والعدوانية تجاه الوالدين، ويترك ذلك رواسب من التماهيات تسهم في تكوين الأنا الأعلى. وتُستدخل الجوانب الناهية والمكافئة والحامية للوالدين، ويتكون مثال الأنا. وظيفة هذه العملية أنها تجعل التماهي قادرًا على تحرير علاقة الموضوع نسبيًا من الشحنة الليبيدية والعدوانية المباشرة، بحيث يستطيع الطفل الاستمرار في علاقته بالوالدين وتطويرها. أما في حالات غرينسون فقد وقع شيء مختلف: حلّت التماهيات محل علاقات الموضوع بدل أن تجعل تطورها ممكنًا.
ولفهم ذلك يجب الرجوع إلى الحياة النفسية المبكرة جدًا، حين لا يكون الأنا والهو ولا الذات والموضوع قد تمايزت بوضوح. في هذه المرحلة تتشابك عمليات الإدراك والحركة والاستدماج والاستدخال والتماهي. الاقتراب من الموضوع وأخذه إلى الداخل والحصول على الإشباع والاتحاد به والسيطرة عليه تنتمي إلى شبكة واحدة. وعندما يغيب الموضوع الخارجي، يُستدعى الاستدخال كي يحتفظ الطفل به نفسيًا؛ ويزيد الإحباط والحرمان من الميل إلى هذه العملية. لكن الاستدخالات المبكرة تقع تحت ضغط فموي وعدواني شديد، ولذلك قد يصبح الموضوع المحبط «موضوعًا سيئًا» ويُستدخل بهذه الصفة.
في البداية تبقى المستدخلات الجيدة والسيئة منفصلة. ومع نضج الأنا وتزايد القدرة على تحمل الإحباط يفترض غرينسون حدوث عملية دمج: يصبح الشخص قادرًا على الاحتفاظ بالموضوع بوصفه جيدًا وسيئًا في آن، مثلما يصبح قادرًا وجدانيًا على الحب والكراهية تجاه الشخص نفسه. إن الانتقال من «إما جيد أو سيئ» إلى «جيد وسيئ معًا» ليس تفصيلًا، بل علامة على تطور قدرة الأنا على بناء تمثيل مركب ومستقر للموضوع وتمثيل متمايز للذات. وبذلك يتوقف الإدراك والاستدخال عن إحداث تحول تلقائي في الذات. أستطيع أن ألتقي بالآخر وأدركه وأحبه وأستدخله دون أن أضطر إلى أن أصبح هو.
ومن هنا يصبح مرضى غرينسون مفهومين: إنهم ينكصون إلى مستوى أقدم من هذا الفصل. الإجابة السطحية عن خوفهم من التماهي هي أنهم يخشون، إذا أصبحوا مثل الوالد المكروه من الجنس نفسه، أن يفقدوا حب الوالد من الجنس الآخر. لكن ذلك غير كافٍ. الرعب الحقيقي متصل بالطبيعة البدائية للتماهي نفسه. فالعودة إلى المستدخل القديم تعيد معها الدوافع الفموية-السادية القديمة، وكأن التماهي يحمل خطر الالتهام. ليس الآخر هنا نموذجًا يمكن أخذ صفة منه، بل حضورًا داخليًا يمكن أن يبتلع الذات.
ثم يضيف غرينسون عنصرًا حاسمًا: الدفاع ضد التماهي أصبح نفسه أساسًا لطريقة الحياة وصورة الذات. الاعتراف بالتماهي يعني لذلك خسارة هوية دفاعية كاملة. الرجل الذي شعر بتبدد الشخصية عند زيارة أبيه، مثلًا، استطاع الاحتفاظ بإحساس بالاقتدار طالما لم يدرك أن جانبًا من هذا الاقتدار «مستعار» من الأب. الاعتراف بذلك يفرض عليه التخلي عن الاقتدار الدفاعي وبناء اقتدار خاص به تدريجيًا. ومن ثم فالمقاومة لا تحميه من الأب فقط؛ إنها تحمي أيضًا صورة الذات التي بناها على إنكار الأب.
يصل غرينسون بذلك إلى فرضية عن تسلسل هرمي للاستدخالات والتماهيات يمتد منذ الأيام الأولى للحياة. المبكر منها يحمل شحنة فموية-سادية قوية ويميل إلى البقاء منفصلًا ومجزأً، بينما تصبح التماهيات اللاحقة أقل بدائية وأكثر قدرة على الامتزاج والتكامل. وفي الحالات الأربع حدث نكوص على مستوى الموضوعات: ضعفت علاقات الموضوع الخارجية وأصبحت سطحية، بينما اكتسبت الموضوعات الداخلية البدائية أهمية متزايدة. وساعد تاريخ من الحرمان والإحباط والإشباع المفرط والصراع العنيف بين الوالدين على تهيئة هذه البنية. وحين جاءت خيبات الحياة اللاحقة وأضعفت الاستثمار في الموضوعات الخارجية، عاد المرضى إلى الموضوعات الداخلية الأقدم، وأصبحوا «جائعين للموضوعات»، فظهرت سلسلة من العلاقات السريعة العابرة المشبعة بالتماهي.
وهنا تبلغ حجة «الصراع ضد التماهي» نهايتها الأكثر دقة. المشكلة ليست أن المريض يخاف أن يكتشف بعض الصفات المشتركة بينه وبين أبيه أو أمه. إن ذلك سيكون مستوى ناضجًا نسبيًا من التشابه. المشكلة أن النكوص يضعف الحدود بين تمثيل الذات وتمثيل الموضوع إلى درجة يصبح عندها التشبه مساويًا للكينونة: «أن أكون مثل أبي» لا يختلف نفسيًا عن «أن أكون أبي». لذلك يمكن أن يشعر الشخص بأنه يُلتهم بواسطة الموضوع المستدخل أو بأنه تحول هو نفسه إلى ذلك الموضوع المكروه. وفي الحالتين تصبح الهوية مهددة: إما أن يبتلعني الآخر وإما أن أختفي داخله. ولهذا يضطر الأنا إلى محاربة التماهي البدائي كما لو كان يدافع عن وجوده ذاته.
تكمن قوة تصور غرينسون في أنه يقلب المعنى الظاهر للمقاومة. فالإنسان الذي يبني حياته كلها على عبارة «لن أكون مثل أبي» أو «لن أصبح مثل أمي» قد يبدو وكأنه حقق استقلالًا قويًا عنهما، بينما قد تكون شدة المعارضة نفسها دليلًا على مقدار حضورهما الداخلي. إن ضد التماهي لا يعني غياب التماهي؛ بل قد يكون أحد أقوى الشواهد على وجود تماهٍ لا تستطيع الذات الاعتراف به. الاختلاف القهري عن الوالد يظل محكومًا بالوالد مثلما يحكمه التقليد القهري؛ لأن الآخر في الحالتين يحدد شكل الذات. أحدهما يقول: سأكون مثلك، والآخر يقول: سأكون نقيضك، لكن كليهما ما زال يبني ذاته انطلاقًا من الآخر.
لهذا لا تتمثل المشكلة في وجود التماهي في ذاته؛ فالتماهي جزء ضروري من النمو، ومن تكوين الأنا الأعلى، ومن إمكان التخلي عن الموضوع مع الاحتفاظ بشيء منه، ومن بناء الهوية. المأزق يظهر عندما تبقى التماهيات المبكرة منفصلة ومشحونة بغرائز بدائية، وعندما يعجز الأنا عن دمج الموضوع الجيد والسيئ وعن تثبيت الفرق بين تمثيل الذات وتمثيل الموضوع. عندها لا يعود التماهي إثراءً للذات، بل يصبح تهديدًا بابتلاعها. ولا يعود الآخر شخصًا يمكن أن أحبه وأكرهه وأختلف عنه وأشبهه جزئيًا، بل يصبح قوة داخلية يجب إما طردها وإما الاستسلام لها.
إن النضج الذي ترسمه حجة غرينسون، إذن، ليس التحرر من كل تماهٍ، ولا بلوغ ذات «نقية» لم يأخذ تكوينها شيئًا من الآخرين. إنه القدرة على امتلاك التماهيات بدل أن تمتلك هي الذات؛ القدرة على الاعتراف بأن الآخر موجود في تكويني من دون أن يعني ذلك أنني هو، وأنني أستطيع أن أحمل صفات من أبي وأمي من دون أن أفقد حدودي، وأن أحب وأكره الشخص نفسه من دون أن أضطر إلى شطره إلى موضوع جيد وموضوع سيئ، وأن أستدخل الآخر من دون أن أُبتلع به. ما يفشل عند مرضى غرينسون هو تحديدًا هذه المسافة النفسية. ولذلك فإن أعمق صياغة للصراع ضد التماهي ليست: «أخشى أن أشبه الآخر»، وإنما: «أخشى أن يؤدي اعترافي بأن الآخر جزء مني إلى اختفاء الفرق بيني وبينه». عند هذه النقطة يصبح الصراع ضد التماهي صراعًا من أجل بقاء الإحساس بالذات، ويصبح التكامل النفسي هو الانتقال من عالم لا يعرف سوى «أنا أو الآخر» إلى إمكانية أكثر نضجًا: أن يكون الآخر داخلي، وأن أبقى، مع ذلك، أنا
#د.سناء جلالي#مجلة ايليت فوتو ارت


