بقلم د.علي خليفة
بعض كتاب المسرح في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي كانت لهم في بعض مسرحياتهم بعض الجرأة على المقدس بما لا نرى له مثيلا من قبل، فقد كان كل من يظهر من الشخصيات بالمسرحيات سخريته من المقدس أو إلحاده بالدين يتم عقابه فيما قبل العصر الحديث، كما نرى ذلك في عقاب دون جوان الملحد في نهاية مسرحية دون جوان لموليير.
وزادت في المسرحيات في العصر الحديث وتيرة الجرأة على المقدس مع ازدياد المدنية وانتشار العلمانية والإلحاد في كثير من المجتمعات الغربية، ووضحت هذه الجرأة الكبيرة على المقدس عند كتاب مسرح العبث الغربي، كما نرى ذلك في مسرحية في انتظار جودو لصمويل بيكيت، ومسرحية قرافة العربات ومسرحية الناسك لفرناندو أرابال.
أما عن جون سينج الذي كتب مسرحياته في مطلع القرن العشرين فإننا نرى له بعض الجرأة على المقدس في بعض مسرحياته، كمسرحية بئر القديسين التي يرمي فيها مارتن دول الكفيف أحد القديسين بالغباء والحمق، ويرمي على الأرض إناءه المقدس الذي به قطرات يتمكن بها من إعادة النظر لمن فقدوا بصرهم، وكذلك يظهر جون سينج في مسرحية فتى الغرب المدلل مايكل جيمس صاحب إحدى الحانات في إحدى القرى شخصا سكيرا لا يعبأ بوقار الجنائز وما يتلى فيها من آيات للتأبين من القساوسة، ولكنه يستغل هذه المناسبات للسكر والمزاح بما يتناقض مع وقارها وهيبتها.
وتظهر في مسرحية زفاف الحداد جرأة أكبر من جون سينج على المقدس من خلال بعض الشخصيات في هذه المسرحية، فقد بدا القس فيها شخصا مدعيا للتدين، فهو يوحي بكلامه أنه يراعي الله ويقوم بما يرضيه، ولكن أفعاله تخالف ذلك تماما؛ فهو لا ينفك عن السكر في الليل، ولا يجد حرجا في أن يشارك ماري بيرن – المرأة العجوز اللاهية البذيئة والمنكرة للأديان – شرب الخمر من زحاجة معها، كما أنه يبدو نفعيا جدا في هذه المسرحية، ولا يتحلى بأي وقار.وتسخر ماري بيرن من هذا القس، ومن كل رجال الدين، فتقول: إنها رغم كثرة ما رأته من غرائب في هذا العالم فإنها لم تر رجل دين حقيقيا.وعندما يرفض ذلك القس إقامة شعائر زواج الحداد مايكل بيرن وسارة كيثي؛ لأنهما لا يستطيعان إعطاءه غير نصف جنيه فقط فإنهما يصطدمان به، ويكيلان له السباب، ثم يقيدانه، وأوشكا أن يلقيا به في البحيرة لولا أن ماري بيرن والدة مايكل بيرن حذرتهما من ذلك؛ حتى لا يكتشف أمرهم، ويشنقواوجميعا.
وعند ذلك يأخذون تعهدا على القس بفك قيوده وتركه حيا في مقابل ألا يشي بهم عند رجال السرطة، ويتعهد لهم بذلك، ولكنهم بمجرد أن يفكوا قيوده ويبتعدوا عنه قليلا – يقول لهم: لقد تعهدت لكم بعدم إبلاغ الشرطة عنكم، ولكنني لم أتعهد لكم بعدم دعائي عليكم؛ لتصطلوا بالعذاب جزاء ما فعلتموه معي وجزاء جرائمكم.وربما قصد سينج بهذا القس بعض رجال الدين المنافقين الذين يتواجدون في كل مجتمع وفي كل دين – كطرطيف رجل الدين المنافق الذي أظهره موليير في مسرحية طرطيف – دون أن يعني ذلك نيله من كل رجال الدين. ولكن ما يعنينا هنا أن الجرأة على المقدس ممثلا في رجال الدين والكتب المقدسة قد زادت مع بدايات القرن العشرين، وزادت أكثر بعد ذلك، وظهرت تلك الجرأة من بعض رجال الدين في بعض مسرحيات جون سينج، لا سيما مسرحية زواج الحداد.


