الجامع الأموي.. مزيجاً معمارياً وتاريخياً في قلب دمشق – بقلم نجوى عبد العزيز محمود.

المسجد الأموي.. مزيجاً معمارياً وتاريخياً في قلب دمشق
بقلم نجوى عبد العزيز محمود
هوواحداً من أعظم المعالم الإسلامية والتاريخية في العالم، ومن أقدم وأشهر المساجد التي لا تزال قائمة حتى اليوم، يقع في قلب المدينة القديمة في دمشق، ويجسد المسجد مزيجاً فريداً من الفن الإسلامي المبكر، والعمارة الأموية، والتاريخ الديني الذي يمتد عبر آلاف السنين. لم يكن المسجد مجرد مكان للعبادة، بل كان مركزاً للعلم والثقافة والسياسة، وشاهداً على تحولات حضارية كبرى مرت بها المنطقة.
يقع المسجد الأموي في الجزء القديم من دمشق، وهي مدينة تُعد من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم، وقد احتل موقع المسجد أهمية دينية منذ عصور قديمة، إذ تشير الدراسات التاريخية إلى أن المكان كان معبداً مخصصاً لعبادة الآلهة في الحضارات القديمة، ثم تحول خلال العصر الروماني إلى معبد ضخم للإله جوبيتر، وبعد انتشار المسيحية بُنيت في الموقع كنيسة مخصصة للنبي يحيى عليه السلام.
وعن تأسيسه ذكر المؤرخون روايتين تقول الأولى إن أصله هو مانفذه أبو عبيدة بن الجراح، أحد قادة الفتح الإسلامي، حين دخل دمشق عام 634م، وأخذ النصف الشرقي للكنيسة المسيحية بها، وجعله مسجدا، وظل النصف الغربي بأيدي المسيحيين وفقا لشروط الصلح. ثم عندما أراد الوليد بن عبد الملك أن يبني المسجد الأموي عوّض المسيحيين بمال عظيم وأخذ النصف الثاني من الكنيسة، وهُدمت وأقيم مكانها ومكان مسجد أبي عبيدة المسجد الأموي عام 706م.
أما الرواية الثانية فتقول إن المسجد أقيم مكان معبد وثني قديم للإله “جوبتير”، حوّله الإمبراطور “ثيودور” إلى كنيسة عام 379م عُرفت باسم كنيسة القديس يوحنا، فبنى أبو عبيدة بن الجراح المسجد الأول في دمشق، فلما جاء الوليد بن عبد الملك أرسى مسجده مكان المعبد والجامع والكنيسة معاً.
أمر الخليفة الوليد بن عبد الملك ببناء المسجد ليكون تحفة معمارية تعكس قوة الدولة الأموية واتساع نفوذها، حيث شارك في البناء مهندسون وصناع مهرة من مناطق متعددة، بما في ذلك بلاد الشام، وبلاد الروم، وفارس.
استُخدمت في البناء مواد فاخرة مثل الرخام والفسيفساء والزخارف الذهبية، مما منح المسجد طابعاً جمالياً استثنائياً، وقد اشتهر المسجد بزخارفه الفسيفسائية التي تصور مناظر طبيعية ومدناً وأشجاراً وأنهاراً بأسلوب فني مميز.
كان المسجد عند اكتماله من أكبر وأجمل المساجد في العالم الإسلامي، وأصبح نموذجاً معمارياً أثّر لاحقاً في تصميم العديد من المساجد الإسلامية. ويرى بعض علماء الآثار أن الجامع بني دفعة واحدة، ولم يدخل في بنائه الكنيسة أو المعبد، ولم يكن استكمالاً لبناء سابق، ويؤكدون أن الوليد بن عبد الملك بناه كله دفعة واحدة من دون مشاركة مع مبان سابقة.
يمثل المسجد الأموي نموذجاً متكاملاً للعمارة الإسلامية المبكرة حيث
يتميز المسجد بصحن واسع مرصوف بالحجارة، تحيط به أروقة ذات أعمدة وقباب صغيرة. ويُعد الصحن من أبرز معالم المسجد، حيث يمنح الزائر إحساساً بالاتساع والهيبة، كما يقع بيت الصلاة في الجهة الجنوبية من المسجد، ويضم صفوفاً من الأعمدة والأقواس المزخرفة، كما يحتوي على محراب فاخر ومنبر تاريخي، كما يضم المسجد ثلاث مآذن شهيرة منها: مئذنة العروس وتعد من أقدم مآذن المسجد، مئذنة عيسى التي ترتبط بمعتقدات إسلامية تشير إلى نزول النبي عيسى عليه السلام في آخر الزمان، والمئذنة الغربية “مئذنة قايتباي”التي أُعيد بناؤها في عصور لاحقة.
تُعد قبة النسر من أبرز العناصر المعمارية في المسجد، وتقع فوق قاعة الصلاة الرئيسية، وتشكل علامة مميزة في أفق دمشق، ومن أبرز الخصائص الدينية للمسجد وجود مقام يُنسب إلى النبي يحيى عليه السلام، حيث يعتقد كثير من المسلمين أن رأس النبي يحيى مدفون داخل المسجد، ويجذب هذا المقام الزوار من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
لم يكن المسجد الأموي مكاناً للصلاة فقط، بل كان مركزاً علمياً بارزاً، فقد احتضن حلقات العلم والدروس الدينية، ودرس فيه كبار العلماء والفقهاء عبر القرون.
شهد المسجد نشاطاً فكرياً واسعاً في علوم التفسير، والحديث، والفقه، واللغة العربية، وأسهم في تخريج أجيال من العلماء الذين أثروا الحضارة الإسلامية.
تعرض المسجد الأموي خلال تاريخه الطويل لعدد من الحرائق والزلازل والكوارث الطبيعية، ما استدعى عمليات ترميم متكررة.
لا يزال المسجد الأموي حتى اليوم واحداً من أهم الرموز الدينية والثقافية في سوريا والعالم الإسلامي. ويقصده المصلون والسياح والباحثون في التاريخ والعمارة.
كما يُعد جزءاً أساسياً من المدينة القديمة في دمشق، لقد جمع المسجد الأموي بين البعد الديني والجمالي والحضاري، فكان شاهداً على عصر ازدهار الدولة الأموية، ورمزاً للاستمرارية التاريخية والحضارية.
يبقى المسجد الأموي في دمشق أكثر من مجرد بناء تاريخي؛ فهو سجل حيّ لتاريخ طويل تعاقبت فيه الحضارات والأديان والثقافات، ومن خلال هندسته المعمارية المذهلة، وقيمته الدينية، ومكانته الحضارية، يستمر الجامع الأموي في إلهام الزائرين والباحثين، محافظًا على مكانته كأحد أعظم الصروح الإسلامية في التاريخ

معرض الصور:

أخر المقالات

منكم وإليكم