التمرد على المجتمع والرضوخ له بين مسرحية نهر الجنون لتوفيق الحكيم ومسرحية الخرتيت ليوجين يونسكو

و نشرت مسرحية نهر الجنون لتوفيق الحكيم سنة ١٩٣٥، ونشرت مسرحية الخرتيت ليوجين يونسكو سنة ١٩٥٩، وعلى الرغم من المسافة الزمنية بين كتابة هاتين المسرحيتين فإن هناك اتفاقا بينهما في عرض قضية مهمة، وهي ما موقف الفرد من المجتمع حين يرى أن موقفه معه مختلف في أمر من الأمور؟ هل له أن يتمسك برأيه الذي هو مقتنع به، ويصمد في مواجهة مجتمعه به، أو عليه أن يوافق المجتمع فيما اختلف معه فيه؛ إيثارا لسلامته، وحتى لا ينبذه المجتمع، ويصبح غريبا فيه؟وقد اختلف تصور توفيق الحكيم لهذه القضية في مسرحية نهر الجنون عن تصور يوجين يونسكو لها في مسرحية الخرتيت، أما توفيق الحكيم فرأى أن الفرد لا بد أن ينصاع لما اتفق عليه المجتمع، وإلا نبذه المجتمع، وربما عاقبه، واتهمه بالجنون، فالملك الذي في هذه المسرحية قد رأى في حلم – اعتقد أنه نبوءة – أن نهر المملكة قد لوثته أفاع نفثت فيه سمومها، وأن كل من يشرب منه يصاب بالجنون، وامتنع الملك ووزيره عن الشرب من هذا النهر؛ ونظرا لكل أهل المملكة على أنهم أصيبوا بالجنون لشربهم من هذا النهر.وعندما أخبر الوزير الملك أن أهل المملكة ينظرون إليهما على أنهما هما المجنونان؛ لعدم شربهما من هذا النهر – واكتفائهما بشرب النبيذ بديلا عنه – وأنهم قد يثورن عليهما لو استمرا على ذلك – هنا وافق الملك وزيره على الخضوع لرأي الشعب في المملكة؛ حفاظا على حياتهما، وعلى منصبيهما.وتعد مسرحية نهر الجنون من المسرحبات الذهنية التي يمكن أن تتعدد وجوه تأويلها، فيمكن أن تكون النهاية في هذه المسرحية توحي بأهمية السير في ركاب الحماعة وعدم التخلف عنها؛ لأن الذئب يأكل من الغنم القاصية؛ متوافقا بهذا مع بعض المعاني الإسلامية.ولكن هناك تفسيرا آخر مختلفا لهذه المسرحية، وهو أن أصحاب الآراء الإصلاحية المخالفة للمجتمع غالبا ما يجدون صعوبة شديدة في سبيل تبليغ آرائهم ورسائلهم، وقد يضطهدون وينكل بهم بسبب ذلك، ويرمون بالجنون أيضا، كما حدث مع بعض الأنبياء مع قومهم الذين أرسلوا إليهم.

والرسالة التي يمكن فهمها من هذه المسرحية بناء على هذا التأويل الأخير أن المجتمع قلما يتقبل هؤلاء الذين يأتون بما يخالف ما اعتقدوه، وثبت في وجدانهم، ولا يتقبل آراءهم التي اختلفوا معهم فيها، وأن كثيرا من هؤلاء الذين يختلفون مع المجتمع قد يتراجعون عن مواقفهم، ويسايرون المجتمع فيما تعارف عليه، إيثارا لسلامتهم، وبهذا تعد هذه المسرحية بهذا التأويل الأخير تقدم رؤية تشاؤمية.أما عن مسرحية الخرتيت ليونسكو فإن بيرنجيه الذي يواجه مجتمعه الذي تحول كله لخراتيت واحدا بعد الآخر – بما فيهم أقرب الناس إليه كحبيبته ديزي وصديقه جين، ورفاقه في العمل – فإنه يبدو متحيرا فيما يجب عليه عمله، هل يقرر الصمود والثبات على أن يكون البشري الوحيد في مجتمعه الذي تحول لخراتيت، أو يحاول أن يكون خرتيتا مثلهم بأي شكل من الأشكال؛ حتى لا يعيش وحيدا، ولا يجد من يتواصل معه؟

ويظل بيرنجيه في هذه الحيرة بعض الوقت، ولكنه في النهاية يتخذ قراره بأن يحافظ على بشريته، ويقاوم أن يتحول لخرتيت بأي وسيلة ممكنة.وبهذا فإن مسرحية الخرتيت تقدم رؤية متفائلة عن موقف الفرد من المجتمع، فعليه ألا يذوب فيه لو رأى أنه مختلف عنه؛ لأنه استشرى فيه فساد لا يمكن إصلاحه، أو توجد صعوبة في إصلاحه.وما قلته عن هذا التفسير لموقف بيرنجيه في مسرحية الخرتيت يعد أحد تفسيراتها؛ لأن هذه المسرحية يمكن أن تفسر تفسيرات أخرى، ومن ذلك أن كل من تحولوا لخراتيت فيها كانوا يحاولون أن يفرضوا نظاما وقيما على المجتمع، وما دام المجتمع – والإنسانية بشكل عام – عند يونسكو وكل كتاب مسرح العبث – يخلو من المعنى، ويشمله العبث – فإن من حاولوا أن يفرضوا عليه قيما غريبة عليه كان لا بد من تحولهم لخراتيت؛ ليتوافقوا مع الفوضوية التي به، أما بيرنجيه الذي اعتاد أن يكون فوضويا وبوهيميا في حياته فإنه – وأمثاله – لم يكونوا في حاجة للتحول لخراتيت؛ لأنهم يشبهون الخراتيت في أسلوب حياتهم الفوضوي والبوهيمي.وبهذا رأينا تعدد الرؤى في مسرحية نهر الجنون ومسرحية الخرتيت، واختلف التصور في كل واحدة منهما في التصور الذي بمكن أن تطرحه عن موقف الفرد من المجتمع، لا سيما عندما يرى نفسه مختلفا معه في أمر جوهري

بقلم د. علي خليفة

أخر المقالات

منكم وإليكم