
خالد معاذ… حين تحوّل التراث إلى صورة وذاكرة
رائد توثيق العمارة والفنون والحياة اليومية في سورية وبلاد الشام
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: رجلٌ كان يرى في المدينة أرشيفاً مفتوحاً
ثمة رجال لا يكتفون بأن يعيشوا في زمنهم، بل يحاولون أن ينقذوا الزمن من النسيان.
وحين نتأمل تاريخ التوثيق الفني والتراثي في سورية خلال القرن العشرين، يبرز اسم خالد عبد الرزاق معاذ (1904–1989) بوصفه واحداً من أولئك الذين أدركوا، في وقت مبكر، أن المدينة ليست حجارةً صامتة، وأن البيت الدمشقي ليس مجرد بناء، وأن السوق الشعبي ليس فضاءً تجارياً عابراً، وأن الزخرفة والخط واللباس والحرفة والعادة اليومية ليست تفاصيل هامشية، بل أجزاء من ذاكرة مجتمع كامل.
كان خالد معاذ فناناً تشكيلياً وباحثاً أثرياً ومؤرخاً للفن ومفتشاً للآثار ومصوراً وموثقاً؛ ولذلك لم تكن علاقته بالتراث علاقة الباحث الذي يقرأ الوثيقة من بعيد، ولا علاقة الفنان الذي يستلهم الماضي جمالياً فحسب، وإنما كانت علاقة شاهدٍ ومشاركٍ وموثقٍ يعرف أن ما يراه اليوم قد لا يبقى غداً.
من هنا تبدو تجربته اليوم، في عصر الصورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والأرشيفات البصرية، أكثر راهنية مما قد يبدو للوهلة الأولى.
لقد كان خالد معاذ يصنع، بأدوات عصره، ما يمكن أن نسميه اليوم ذاكرة بصرية للمدينة.
دمشق… المدينة التي دخل إليها من بوابة الفن
ولد خالد معاذ في دمشق عام 1904، ونشأ في بيئة كانت المدينة القديمة فيها لا تزال تحتفظ بالكثير من ملامحها العمرانية والاجتماعية التقليدية.
درس في مدرسة التجهيز بدمشق، مكتب عنبر، ثم انتسب إلى المعهد الفرنسي للآثار والفنون الإسلامية الذي ارتبط بالحياة العلمية والثقافية في دمشق منذ عشرينيات القرن العشرين.
وهنا بدأت ملامح شخصيته الثقافية تتشكل على تقاطع ثلاثة مسارات:
الفن، والآثار، والتوثيق.
وقد تتلمذ على يد الفنان الفرنسي دوفال، وانفتح في الوقت نفسه على الدراسات الأثرية والمعمارية، وارتبط بأعمال بحثية مع المستشرق الفرنسي جان سوفاجيه، أحد الأسماء البارزة في دراسة العمارة الإسلامية في سورية.
كان هذا التكوين مهماً للغاية؛ لأن خالد معاذ لم ينظر إلى الأثر باعتباره حجراً منفرداً، بل باعتباره جزءاً من منظومة بصرية وتاريخية.
فالواجهة بالنسبة إليه ليست واجهة فقط.
والقوس ليس قوساً فقط.
والزخرفة ليست زخرفة فقط.
والكتابة المنقوشة على حجر ليست مجرد حروف.
كل عنصر كان يحمل طبقات من الزمن.
الفنان الذي جعل اللوحة وثيقة
في زمن لم تكن فيه تقنيات التصوير الرقمي موجودة، ولم يكن الأرشيف البصري متاحاً بضغطة زر، كانت العين واليد والكاميرا أدوات أساسية لحفظ الذاكرة.
ومن هنا تكتسب لوحات خالد معاذ أهمية خاصة.
لقد اتسم أسلوبه بما يمكن وصفه بـ الواقعية التسجيلية؛ فكان يرسم الأبنية والأسواق والأحياء والأزياء والحرف والزخارف والتفاصيل المعمارية بعناية كبيرة.
لكن هذه التسجيلية لم تكن جفافاً أكاديمياً.
ففي أعماله تظل العين الفنية حاضرة.
كان يعرف أن التوثيق يحتاج إلى الدقة، لكنه كان يعرف أيضاً أن الدقة وحدها لا تكفي لصناعة صورة حية.
ولهذا تبدو أعماله عند قراءتها اليوم كأنها تقع في المنطقة الفاصلة بين اللوحة الفنية والوثيقة التاريخية.
وهذه المنطقة بالذات هي التي تمنح أعماله قيمتها الاستثنائية.
فاللوحة يمكن أن تكون جميلة، لكن قيمتها تتضاعف عندما تصبح أيضاً شاهداً على مكان لم يعد موجوداً، أو سوق تغيرت ملامحه، أو لباس انقرض، أو حرفة تراجعت، أو بيت دمشقي اختفى.
خالد معاذ… المصور الذي كان يرى المستقبل في الحاضر
إلى جانب الرسم والبحث، ترك خالد معاذ أرشيفاً فوتوغرافياً واسعاً يوثق دمشق ومدناً سورية أخرى، فضلاً عن مشاهد من فلسطين ولبنان، والحياة الاجتماعية والعادات والحرف والأزياء.
وهنا نصل إلى جوهر تجربته.
فالتصوير بالنسبة إليه لم يكن مجرد تسجيل بصري لما تراه العين.
كان فعلاً من أفعال مقاومة النسيان.
الصورة عنده لا تقول فقط:
هذا المكان كان موجوداً.
بل تقول أيضاً:
هكذا كان المكان، وهكذا كان الناس يعيشون فيه، وهذه التفاصيل التي تبدو صغيرة اليوم كانت ذات يوم جزءاً من الحياة اليومية.
وهذه هي القيمة الكبرى للأرشيف الفوتوغرافي التاريخي.
فالصورة القديمة لا تحفظ العمارة وحدها؛ إنها تحفظ الزمن المحيط بالعمارة.
تحفظ الإنسان الذي يقف أمام الباب.
والطفل الذي يعبر الزقاق.
والحرفي الذي يعمل في دكانه.
والمرأة بزيها التقليدي.
والباعة في السوق.
واللافتة القديمة.
والحجر الذي كان جزءاً من جدار ثم اختفى.
بهذا المعنى يمكن قراءة أرشيف خالد معاذ بوصفه أنثروبولوجيا بصرية لسورية في القرن العشرين.
سيباط زين العابدين… صورة حمص التي أعادت المكان إلى الذاكرة
ومن الصور التي ارتبطت بأرشيف خالد معاذ صورة قديمة لمدينة حمص، توثق سيباط زين العابدين المعروف أيضاً بسوق الحشيش أو سوق الخضرة، في باب هود، جادة زين العابدين، غرب جامع القاسمي، والذي كان يصل بين شارع أبي العوف وسوق الحشيش.
تعود الصورة إلى خمسينيات القرن العشرين، وهي اليوم أكثر من مجرد مشهد معماري قديم.
إنها نافذة زمنية.
ففي الصورة تتجاور العمارة مع الحياة اليومية، ويتحول الممر المسقوف إلى مسرح صامت للحركة البشرية، وتصبح الحجارة والأسقف والأبواب والواجهات عناصر في تركيب بصري يعيد بناء المكان في الذاكرة.
وتزداد قيمة الصورة اليوم عندما نعرف أنها محفوظة ضمن الأرشيف المرتبط باسم خالد معاذ، وأن نسخاً منها أعيد تداولها وترميم حضورها البصري بالتلوين المعاصر.
وهنا تظهر مفارقة جميلة بين زمنين:
كاميرا بالأبيض والأسود تحفظ الماضي، وتقنية التلوين الحديثة تعيد إليه لوناً تخيلياً أو ترميمياً في الحاضر.
لكن الأصل يبقى هو الوثيقة.
فاللون المضاف يمكن أن يساعد العين المعاصرة على تخيل المشهد، أما الأبيض والأسود فيحمل أثر الزمن نفسه.
وهذا يطرح سؤالاً مهماً في فلسفة الأرشيف:
هل نحن نعيد تلوين الماضي، أم نعيد تخيل علاقتنا به؟
خريطة دمشق… عندما تصبح المدينة نصاً بصرياً
من أهم أعمال خالد معاذ إعداد خريطة علمية وأثرية لمدينة دمشق بعد سنوات طويلة من البحث الميداني وجمع الوثائق ومراجعة المعلومات وتفقد المواقع.
هذه الخريطة لا يمكن النظر إليها باعتبارها عملاً كارتوغرافياً فحسب.
إنها محاولة لتحويل المدينة إلى نص قابل للقراءة.
فالمدينة القديمة ليست مجموعة شوارع وأزقة منفصلة؛ إنها شبكة من الذاكرة.
كل باب يقود إلى حكاية.
وكل سوق يحمل تاريخاً.
وكل جامع أو مدرسة أو خان أو بيت يمثل طبقة من طبقات المدينة.
ولهذا فإن الخريطة الأثرية تصبح في جوهرها نوعاً من التصوير من الأعلى قبل عصر التصوير الجوي الحديث؛ إنها محاولة لتثبيت المكان في الوعي، وترتيب ذاكرته، وربط أجزائه بعضها ببعض.
من العمارة إلى الحرفة… التراث بوصفه حياة
لم يقتصر اهتمام خالد معاذ على المباني.
لقد أدرك أن التراث الحقيقي لا يسكن في الحجر وحده.
فالتراث أيضاً:
يدٌ تعمل.
وحرفة تُمارس.
وثوب يُرتدى.
وزخرفة تُرسم.
وخط يُكتب.
وعادة تُمارس.
وصوت سوق.
ومشهد يومي.
ولهذا وثق مظاهر من العادات والتقاليد والحرف والصناعات اليدوية والأزياء الشعبية.
وتكمن أهمية هذا الاتجاه في أنه ينقل مفهوم التراث من المبنى إلى الإنسان.
فالبيت الدمشقي، مثلاً، لا تكتمل حكايته من دون معرفة كيفية استخدامه، وكيف توزعت فضاءاته، وما الذي كان يجري في باحته، وما الحرف والأدوات والأزياء التي كانت مرتبطة بسكانه.
هنا يتحول التوثيق إلى علم اجتماع بصري.
«الفن الإسلامي»… حين يصبح التراث مشروعاً معاصراً
في عام 1938 افتتح خالد معاذ مشغلاً فنياً حمل اسم «الفن الإسلامي»، بهدف تقديم تطبيقات عملية على الزخارف العربية والفنون الإسلامية.
وهذا المشروع يكشف جانباً آخر من شخصيته.
فهو لم يكن يريد للتراث أن يتحول إلى متحف مغلق.
بل كان يبحث عن إمكانية إعادة تشغيل التراث داخل الحياة الفنية المعاصرة.
فالزخرفة الإسلامية بالنسبة إليه لم تكن مجرد نموذج تاريخي يُنسخ، وإنما لغة بصرية يمكن دراستها وفهم بنيتها وإعادة توظيفها.
ومن هنا تبرز أهمية المشغل بوصفه جسراً بين:
الموروث والتطبيق،
والبحث والممارسة،
والتاريخ والفن المعاصر.
الخط العربي… عندما تصبح الكتابة أثراً
أولى خالد معاذ عناية خاصة بالخط العربي والكتابات التاريخية الموجودة على المساجد وشواهد القبور.
وقد تبدو هذه المهمة للوهلة الأولى بعيدة عن التصوير والفن التشكيلي، لكنها في الحقيقة تقع في قلبهما.
فالخط العربي في العمارة الإسلامية ليس مجرد كتابة تؤدي وظيفة لغوية.
إنه شكل بصري.
الحرف يتحول إلى بناء.
والكلمة تصبح زخرفة.
والنص يتحول إلى جزء من هندسة المكان.
ولهذا فإن دراسة الكتابات العربية القديمة هي في الوقت نفسه دراسة للتاريخ والفن واللغة والعمارة.
ومن أعماله في هذا المجال دراسات تناولت شواهد القبور، ومنها ما صدر عن المعهد الفرنسي للآثار حول شواهد القبور في مدفن الباب الصغير بدمشق.
وهكذا كان خالد معاذ يقرأ المدينة كما يقرأ الفنان لوحة: من خلال اللون والشكل والخط والإيقاع والفراغ.
قصر الحير الغربي… من الحجارة إلى المتحف
شارك خالد معاذ في أعمال ترميم مرتبطة بالمتحف الوطني بدمشق، وكان من المساهمين في إعادة تركيب واجهة قصر الحير الغربي، التي أصبحت لاحقاً من أبرز المعالم داخل المتحف.
وهنا يتضح وجه آخر من وجوه تجربته: المحافظة على الأثر لا تعني فقط تصويره، بل المشاركة في إنقاذه وإعادة تقديمه.
فالمصور يوثق.
والفنان يعيد صياغة الرؤية.
والآثاري يدرس.
والمُرمم يحاول إنقاذ المادة.
وخالد معاذ جمع هذه الأدوار في شخصية واحدة.
الجمعية السورية للفنون الجميلة… من البيت بدأت الحكاية
كان خالد معاذ أيضاً من الشخصيات المرتبطة ببدايات التنظيم الفني السوري الحديث.
وتذكر المصادر التي تتناول سيرته أنه كان من مؤسسي الجمعية السورية للفنون الجميلة، وأن الدعوة الأولى لتأسيسها ارتبطت بمنزله.
ثم شارك في تأسيس الجمعية السورية للفنون عام 1950.
وهذه الخطوة تكشف أنه لم يكن فناناً يعمل في عزلة.
لقد كان جزءاً من مشروع أوسع لبناء حياة فنية سورية حديثة، تقوم على اللقاء والحوار والمعارض وتبادل الخبرات.
ومن هنا تأتي أهمية تجربته في تاريخ الحركة التشكيلية السورية؛ فهو ينتمي إلى جيل لم يكن يكتفي بإنتاج الفن، بل كان يحاول أيضاً صناعة البيئة التي يمكن للفن أن يعيش فيها.
المعارض… الفنان الذي حمل الأرشيف إلى الجمهور
أقام خالد معاذ عدداً من المعارض الفردية والمشاركات الجماعية.
ومن المحطات التي ترد في سيرته:
معرض في مقر الجمعية السورية للفنون عام 1950.
معرض في منزله بشارع 29 أيار عام 1961.
معرض في المركز الثقافي العربي بدمشق عام 1970.
معرض خصصه للزي الشعبي في ريف سورية عام 1973.
معرضه الفردي الأخير في صالة إيبلا للفنون بدمشق عام 1983.
مشاركات في معارض الرواد، ومنها معرض عام 1983 في صالة أوغاريت، ومعرض الرواد عام 1985 في صالة إيبلا.
وفي صورة من معرض الرواد الأخير عام 1983، يظهر خالد معاذ إلى جانب الناقد طارق الشريف، في مشهد يلخص مرحلة كاملة من تاريخ الفن التشكيلي السوري.
إنها ليست صورة شخصية فقط.
إنها صورة لجيل كامل كان يعرف أن الفن ذاكرة أيضاً.
أسلوبه… بين عين الفنان وعين المؤرخ
إذا أردنا اختزال تجربة خالد معاذ في مفهوم واحد، فربما يكون ذلك المفهوم هو:
العين المزدوجة.
عين الفنان التي تبحث عن التكوين والجمال.
وعين المؤرخ التي تبحث عن المعلومة والدقة.
العين الأولى ترى الضوء.
والثانية ترى الزمن.
الأولى ترى الشكل.
والثانية ترى ما وراء الشكل.
ولهذا فإن أعماله لا تنتمي بسهولة إلى خانة واحدة.
فهو فنان، نعم.
لكنه فنان يحمل عقل الباحث.
وهو باحث، لكنه لا يفقد حساسية الفنان.
وهو مصور، لكن الصورة عنده ليست نهاية العمل، وإنما بداية قراءة.
«مشاهد دمشق الأثرية»… المدينة في هيئة ذاكرة
من بين العناوين المرتبطة بإنتاجه:
«مشاهد دمشق الأثرية»،
و**«دمشق أيام الغزالي»**،
و**«دمشق في أيام ابن عساكر»**،
و**«الكتابات العربية بدمشق»**،
إضافة إلى دراسات وأعمال أخرى تناولت تاريخ الفن الأموي والعباسي، والفنون الحرفية، والأزياء والخط والخطاطين.
والمشترك بين هذه الأعمال هو دمشق.
لكنها ليست دمشق الجغرافية فقط.
إنها دمشق بوصفها طبقات زمنية متراكبة.
دمشق التي عاش فيها الغزالي.
ودمشق التي وصفها ابن عساكر.
ودمشق التي رآها خالد معاذ بعين القرن العشرين.
ثم دمشق التي نراها اليوم عبر أرشيفه.
وهنا تتشكل دائرة زمنية عجيبة:
المدينة → الذاكرة → الوثيقة → الصورة → الباحث → الجيل الجديد.
الصورة التي بقيت بعد رحيل صاحبها
رحل خالد معاذ في دمشق عام 1989، لكن رحيله لم يغلق مشروعه.
فالأرشيف الذي تركه ظل يحمل إمكانية مواصلة البحث.
وهنا يأتي دور ابنه الدكتور عبد الرزاق معاذ، الذي تابع نشر وإظهار جانب من أعمال والده وأرشيفه، وأسهم في إبقاء هذه المادة البصرية والتاريخية حاضرة أمام الباحثين والمهتمين.
وهذه النقطة بالغة الأهمية.
فالأرشيف لا يعيش بمجرد وجوده في صندوق.
الأرشيف يعيش عندما يُفهرس، ويُحفظ، ويُعرّف، ويُنشر، ويُقرأ، ويُعاد ربطه بسياقه التاريخي.
ومن هذه الزاوية فإن استمرار نشر أعمال خالد معاذ ليس مجرد وفاء عائلي، بل هو استمرار لدورة الذاكرة البصرية.
خالد معاذ والتصوير الفوتوغرافي… من الوثيقة إلى فلسفة الذاكرة
إذا قرأنا خالد معاذ من منظور تاريخ التصوير، فإن أهميته تتجاوز عدد الصور التي تركها.
إنه يمثل نموذجاً مبكراً للمصور الذي فهم أن:
الصورة ليست فقط ما حدث أمام العدسة، بل ما سيبقى بعد أن يختفي الحدث.
وهذه الفكرة تجعل أرشيفه قريباً من مفهوم التصوير الوثائقي الحديث.
فالصورة التاريخية يمكن أن تصبح لاحقاً مصدراً لعلم العمارة.
وصورة السوق تصبح مصدراً لدراسة الاقتصاد الاجتماعي.
وصورة اللباس تصبح وثيقة للأنثروبولوجيا.
وصورة الحرفة تصبح سجلاً لتاريخ العمل.
وصورة الشارع تصبح وثيقة للتحولات العمرانية.
وهكذا تتعدد حياة الصورة الواحدة.
في لحظة التقاطها كانت صورة.
وبعد عقود أصبحت وثيقة.
وبعد قرن قد تصبح أثراً.
من الأبيض والأسود إلى الصورة الرقمية
في زمن خالد معاذ كان الأبيض والأسود هو اللغة الأساسية للتصوير الوثائقي.
وكانت الصورة تحتاج إلى كاميرا وفيلم وتحميض وطباعة وأرشفة.
أما اليوم فقد أصبحت الصورة رقمية، قابلة للنسخ بلا حدود، وقابلة للمعالجة والتلوين والترميم بواسطة البرمجيات والذكاء الاصطناعي.
لكن السؤال الذي تركه خالد معاذ لنا لم يتغير:
ماذا ينبغي أن نحفظ من الزمن؟
التكنولوجيا تغيرت.
أما المسؤولية فلم تتغير.
بل ربما أصبحت أكبر.
فإذا كانت صورة خالد معاذ القديمة تحتاج إلى عناية كي تبقى، فإن ملايين الصور الرقمية المعاصرة تحتاج أيضاً إلى أرشفة حقيقية، وبيانات وصفية، وحفظ للنسخ الأصلية، وتوثيق لمصدر الصورة وزمنها ومكانها.
إنه الدرس الذي يمكن استخلاصه من تجربته:
الصورة التي لا تُؤرشف معرضة لأن تتحول إلى ذاكرة مجهولة.
بين الوثيقة والتلوين… سؤال معاصر
إن إعادة تلوين الصور التاريخية، كما حدث مع بعض الصور القديمة المرتبطة بأرشيف خالد معاذ، تفتح باباً مهماً أمام فنون الصورة المعاصرة.
فالتلوين يمكن أن يمنح الصورة القديمة حياة بصرية جديدة، وأن يجعلها أكثر قرباً من العين الحديثة.
لكن هناك فرقاً ضرورياً بين:
الأصل التاريخي،
والنسخة المرممة،
والنسخة الملونة،
والصورة المعالجة بالذكاء الاصطناعي.
ومن منظور أرشيفي يجب ألا تختلط هذه المستويات.
فالنسخة الأصلية هي الوثيقة.
أما المعالجة فهي قراءة جديدة للوثيقة.
وهذا الفرق جوهري، خصوصاً في زمن أصبحت فيه الخوارزميات قادرة على ترميم الوجوه وإعادة بناء التفاصيل واستكمال الأجزاء المفقودة وإضافة ألوان لم تكن موجودة في الأصل.
وهنا يصبح إرث خالد معاذ مادة مثالية للحوار بين التاريخ والتصوير والفن الرقمي والذكاء الاصطناعي.
خالد معاذ في عين القرن الحادي والعشرين
ربما كان خالد معاذ، لو امتلك أدوات اليوم، سيستخدم الكاميرا الرقمية والطائرة المسيّرة والمسح ثلاثي الأبعاد وقواعد البيانات الرقمية.
وربما كان سيجمع بين التصوير الفوتوغرافي والرسم والخريطة الرقمية.
لكن جوهر مشروعه سيبقى واحداً:
أن يرى قبل أن يختفي.
وأن يسجل قبل أن يتغير.
وأن يحفظ قبل أن تنسى الذاكرة.
وهذا هو السبب في أن تجربته لا ينبغي أن تُحصر في تاريخ الفن التشكيلي السوري فقط.
إنها تقع عند تقاطع:
التصوير الفوتوغرافي،
والفن التشكيلي،
والآثار،
والعمارة،
والأنثروبولوجيا،
والتاريخ،
والخط العربي،
والتراث الشعبي،
وعلم الأرشيف.
وهذه التعددية هي سر فرادة تجربته.
خاتمة: حين يصبح الفنان حارساً للزمن
لم يكن خالد عبد الرزاق معاذ يرسم الماضي لأنه انتهى، بل لأنه كان يعرف أن الماضي يمكن أن يختفي مرة ثانية إذا لم يجد من يحفظه.
كان يرى في دمشق أكثر من مدينة.
كان يرى كائناً بصرياً تتغير ملامحه مع الزمن.
وكان يرى في البيت الدمشقي أكثر من عمارة.
كان يرى ذاكرة عائلة.
وفي السوق أكثر من دكاكين.
كان يرى اقتصاداً اجتماعياً وحياة يومية.
وفي الثوب أكثر من قماش.
كان يرى هوية.
وفي الخط أكثر من كلمات.
كان يرى تاريخاً مكتوباً على الحجر.
وفي الصورة أكثر من لحظة.
كان يرى زمنًا قابلاً للإنقاذ.
لهذا يمكن النظر إلى خالد معاذ اليوم بوصفه واحداً من رواد الذاكرة البصرية السورية؛ ذلك الجيل الذي أدرك باكراً أن الفن يمكن أن يكون وثيقة، وأن الوثيقة يمكن أن تصبح فناً، وأن الصورة تستطيع أن تقوم بما تعجز عنه الذاكرة البشرية: أن تعيد إلينا مكاناً غاب، ووجهاً رحل، وسوقاً تغير، وشارعاً تبدل، وحياةً كانت ذات يوم حاضرة بكل تفاصيلها.
وفي عالم تتسارع فيه الصور حتى تكاد تفقد قدرتها على التذكر، تبدو تجربة خالد معاذ أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فهو لم يكن مجرد فنان يصور التراث.
كان يحرس الزمن بالكاميرا والريشة والبحث.
وكان يعرف، قبل أن تصبح كلمة «الأرشيف البصري» مصطلحاً شائعاً، أن الصورة ليست نافذة على الماضي فحسب…
إنها المكان الذي يمكن للماضي أن يبقى فيه حياً.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


