تحت المجهر
إلى أين تذهب أعمالنا بعد رحيلنا ؟
في الإبداع والزمن وحلم الشهرة والخلود
خلال مكالمة هاتفية مع صديق فنان دار بيننا حديث عن العمر وما أنجزناه خلاله من أعمال فنية وعندها طرح سؤالا ظل يتردد في ذهني إلى أين ستذهب كل هذه اللوحات بعد رحيلنا وما المصير الذي ينتظر هذا العدد الكبير من الأعمال التي استهلكت سنوات طويلة من أعمارنا واستنزفت طاقاتنا الذهنية والجسدية وحملت في داخلها شيئا من ذاكرتنا وتجاربنا وأسئلتنا عن الإنسان والحياة والعالم
كان ردي أن هذا السؤال يشغلني أنا أيضا لكنني رغم ذلك أواصل العمل والإنتاج لا لأنني أملك إجابة عن مصير أعمالي ولا لأنني أضمن بقاءها بعد رحيلي بل لأنني ما زلت أشعر بأن هناك ما يستحق البحث وأفكارا لم تستنفد إمكاناتها وأعمالا لم تولد بعد وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل لماذا نستمر في الإنتاج ونحن نعرف أن الزمن المتاح لنا محدود وأن مصير ما ننجزه قد يكون مجهولا بل إن بعض أعمالنا قد تختفي من الذاكرة أو تضيع ماديا بعد غيابنا
ليست هذه معضلة تخص فنانا بعينه بل هي سؤال يواجه الغالبية العظمى من الفنانين في العالم فكم من فنان أمضى حياته في بناء عالمه التشكيلي وأنجز عشرات الأعمال أو مئاتها وربما آلافها من دون أن يعرف أيها سيبقى وأيها سيختفي وأيها سيجد طريقه إلى المتاحف والمجموعات الفنية وأيها سيظل حبيس المخازن والبيوت عرضة للإهمال والتلف والنسيان وبين حجم ما يبذله الفنان في حياته وهشاشة المصير الذي قد ينتظر إنتاجه تنكشف مفارقة تتجاوز الفن إلى طبيعة الوجود الإنساني نفسه
لكنني أعتقد أن علاقتنا بمصير أعمالنا تتغير مع تقدمنا في العمر ففي مرحلة الشباب كثيرا ما يكون حلم الشهرة والاعتراف والخلود حاضرا في طموحات الفنان سواء أعلن ذلك أم أخفاه في داخله يتطلع إلى أن يجد مكانه في تاريخ الفن وأن تصل أعماله إلى جمهور أوسع وأن يصبح اسمه معروفا وأن يترك أثرا يتجاوز حدود حياته وقد تكون هذه الرغبة جزءا من الطاقة التي تدفعه إلى العمل والمنافسة وإثبات الذات ومن إيمانه بأن ما يقدمه يستحق أن يرى ويناقش ويعترف به
لكن هل يظل حلم الخلود هو الدافع نفسه بعد عقود من العمل وهل تستمر الرغبة في الإنتاج لأن الفنان لا يزال ينتظر الاعتراف أم لأن علاقته بالفن أصبحت أكثر تعقيدا من أن تختصر في الشهرة والمكانة التاريخية
ربما لا يتخلى الفنان بالضرورة عن رغبته في أن تفهم أعماله أو أن تجد مكانها في الذاكرة الإنسانية لكن معنى هذه الرغبة قد يتغير فمع مرور الزمن ومع تراكم التجارب والأعمال يصبح السؤال أقل ارتباطا بما إذا كان الآخرون سيتذكرون اسمه وأكثر ارتباطا بما إذا كان لا يزال يمتلك القدرة على مواصلة البحث فالشهرة تتعلق بنظرة الآخرين إلينا أما الإبداع فيتعلق أيضا بعلاقتنا بأنفسنا وبما لم نكتشفه بعد والخلود مهما أغرانا به يظل احتمالا لا نستطيع التحكم فيه بينما يبقى العمل نفسه تجربة نعيشها ونخوضها في الحاضر
لذلك أرى أن من الخطأ تفسير إصرار الفنان على الإنتاج بأنه مجرد محاولة لخلود اسمه فثمة فرق بين أن ننتج أملا في أن نتذكر بعد موتنا وأن ننتج لأننا ما دمنا أحياء لا نزال نشعر بالحاجة إلى اكتشاف ما لم نعرفه قد يكون حلم الشهرة حاضرا في البداية وقد يرافق الفنان طوال حياته لكن استمرار الإنتاج لا يمكن تفسيره بهذا الحلم وحده فهناك حاجة داخلية إلى الخلق تتجاوز انتظار الاعتراف وتصبح مع الزمن جزءا من طريقة الفنان في الوجود والتفكير ومواجهة العالم
ومن هنا تبرز فكرة أجدها أكثر أهمية ربما لا يكون ما يدفع الفنان إلى الاستمرار هو ما أنجزه بالفعل بل ما يشعر أنه لم ينجزه بعد فالعمل المكتمل لا يغلق بالضرورة باب الفكرة بل قد يفتح أبوابا جديدة لم تكن مرئية قبل إنجازه وكل لوحة قد تقود إلى لوحة أخرى وكل تجربة قد تكشف عن إمكانات لم تكن في الحسبان وهكذا يتراكم الإنتاج من دون أن يشعر الفنان بأنه اقترب بالضرورة من نهاية رحلته
إن الفنان لا يحمل في داخله أعماله المنجزة وحدها بل يحمل أيضا أفكارا واحتمالات ومشروعات لم تجد طريقها إلى الوجود بعد وقد تكون هذه الأعمال التي لم تنجز هي أكثر ما يدفعه إلى مواصلة العمل لأنها تمثل الجانب المجهول من رحلته ذلك الجزء الذي لا يستطيع التنبؤ بنتائجه لكنه يشعر بأن عليه أن يخوضه
وهنا تظهر مفارقة الزمن بصورة أكثر وضوحا فكلما تقدم الفنان في العمر ازداد عدد الأعمال التي أنجزها لكن الوقت المتاح له لإنجاز ما لم ينجزه يتناقص تتسع حصيلة حياته الفنية بينما تضيق السنوات أمامه ويصبح أكثر وعيا بأن إمكاناته وأفكاره قد تكون أوسع من العمر الذي منح له لتحقيقها ومع ذلك قد لا يؤدي هذا الوعي إلى التوقف بل إلى إلحاح أكبر على العمل وكأن إدراك محدودية الزمن يجعل كل فرصة للإنتاج أكثر قيمة
هل يكون الإصرار على العمل في هذه الحالة محاولة لمقاومة الموت ربما ولكن ليس بالمعنى الذي يجعل الفن وعدا بالخلود فالفن لا يستطيع أن يلغي النهاية ولا يستطيع الفنان أن يضمن بقاء أعماله أو اسمه وربما يكون الإصرار على الإنتاج شكلا آخر من أشكال مواجهة الفناء ليس من خلال الادعاء بأننا سنبقى إلى الأبد بل من خلال رفض أن نجعل معرفتنا بالنهاية سببا للتخلي عن إمكانات الحياة ما دامت متاحة لنا
إننا لا نحتاج إلى ضمان أن أعمالنا ستبقى حتى نمنحها وقتنا وطاقتنا فلو اشترط الإنسان ضمان النتائج قبل أن يبدأ لما أقدم على كثير من الأفعال التي تمنح حياته معناها ومن هذا المنظور لا يصبح الإنتاج محاولة لضمان المستقبل بل فعلا نمارسه لأننا نملك القدرة عليه الآن إنه انتقال من انتظار ما سيحدث لأعمالنا بعد الموت إلى الاهتمام بما نستطيع فعله قبل أن يأتي ذلك الوقت
ومع ذلك لا يعني هذا أن مصير الأعمال الفنية أمر لا يستحق الاهتمام فهناك فرق بين قبول حقيقة أن كل شيء معرض للزوال وبين التسليم بضياع الأعمال نتيجة الإهمال وغياب الوعي الثقافي إن حفظ الأعمال وتوثيقها وإتاحتها للأجيال القادمة مسؤولية تتجاوز الفنان نفسه وتقع أيضا على عاتق المؤسسات الثقافية والمتاحف والباحثين والمجتمع فالأعمال الفنية ليست مجرد ممتلكات شخصية بل قد تتحول إلى شواهد على زمنها وعلى الأسئلة التي شغلت الإنسان وعلى التجارب التي لا يمكن استعادتها إذا ضاعت آثارها
لكن ثمة سؤالا آخر لا يقل أهمية هل يظل العمل الفني ملكا لصاحبه حتى بعد رحيله أم أنه يكتسب حياة مستقلة بمجرد خروجه إلى العالم فالعمل قد يحمل في لحظة إنجازه تجربة الفنان وذاكرته ورؤيته لكنه قد يكتسب لاحقا معاني جديدة لدى أشخاص لم يعرفوا صاحبه وقد يعاد اكتشافه في سياقات لم يتوقعها وقد تتغير قراءته مع تغير الأزمنة فيرى فيه جيل ما لم يره جيل سابق
ومع ذلك لا ينبغي أن نحول هذا الاحتمال إلى وعد بالخلود فهناك أعمال قد يعاد اكتشافها بعد عقود وأخرى قد لا تجد من يلتفت إليها أبدا لا يملك الفنان أن يقرر أي المصيرين سيكون من نصيب إنتاجه إنه ينجز العمل ثم يدخل العمل في شبكة من الاحتمالات التي تتجاوز إرادته وربما يكون هذا أحد أوجه استقلال الفن عن صاحبه فالفنان يستطيع أن يخلق العمل لكنه لا يستطيع أن يتحكم في حياته اللاحقة ولا في مقدار ما سيحتفظ به الزمن منه
أما بالنسبة لي فإن السؤال عن مصير أعمالي لا يدفعني إلى التوقف بل يجعلني أكثر وعيا بالعلاقة بين ما أنجزته وما لا يزال ينتظرني لا أعرف أين ستذهب لوحاتي بعد رحيلي ولا أيها سيبقى ولا ما إذا كان أحد سيعود إليها بعد سنوات طويلة لكنني أعرف أن التوقف عن العمل لن يحل هذه المعضلة ولن يمنح ما أنجزته ضمانة إضافية للبقاء كل ما سيفعله هو أن ينهي علاقتي بأسئلة لا تزال مفتوحة وباحتمالات لم أستكشفها بعد
لهذا لا أرى أن الاستمرار في الإنتاج يعني تجاهل النهاية بل يعني قبولها من دون السماح لها بأن تصبح المعيار الذي يحدد أفعالنا فالفنان لا يستطيع أن ينجز كل ما يتخيله ولا أن يضمن بقاء كل ما أنجزه ولا أن يعرف كيف سيقرأ عمله في المستقبل لكنه يستطيع أن يواصل البحث وأن يمنح ما تبقى من عمره لما لا يزال يراه جديرا بالإنجاز
وربما تكمن المأساة الحقيقية للفنان في أن رحيله لا يضع حدا للأعمال التي أنجزها فحسب بل يضع حدا أيضا لكل الأعمال التي كان يمكن أن ينجزها ولكل الأفكار التي لم تتح لها الفرصة كي تولد إنه لا يفقد مستقبله وحده بل يفقد معه عالما من الاحتمالات التي كانت لا تزال ممكنة ومن هنا يصبح الإصرار على الإنتاج رغم محدودية العمر تعبيرا عن اتساع الرغبة الإنسانية في الخلق أمام ضيق الزمن المتاح لتحقيقها
في النهاية ربما ينبغي أن نعيد النظر في السؤال الأول فبدلا من أن نسأل فقط إلى أين ستذهب أعمالنا بعد رحيلنا يمكننا أن نسأل لماذا نسمح لمصير لا نعرفه أن يحدد ما نفعله في الحاضر وهل ينبغي أن نوقف البحث لأننا لا نضمن النتيجة أو أن نتخلى عن الخلق لأننا لا نملك ضمانة البقاء
أنا لا أواصل العمل لأنني أضمن أن لوحاتي ستبقى بعدي ولا لأنني أعتقد أن اسمي سيخلد من خلالها أواصل العمل لأنني ما زلت أبحث ولأن كل عمل جديد يفتح أمامي أسئلة أخرى لم أجد لها إجابة بعد أما مصير هذه الأعمال فسوف يكون جزءا من مستقبل لا أملكه مثلما أنني لا أملك الزمن الذي تبقى لي
ربما لا تكمن قيمة الإبداع في أنه يمنحنا الخلود بل في أنه يجعلنا نواصل الحياة بوصفها إمكانية لم تستنفد بعد نحن لا ننتج لأننا نضمن البقاء بل لأننا لم ننته من البحث وقد لا يكون التحدي الحقيقي أن نترك وراءنا أعمالا تتحدى الزمن بل أن نواصل الخلق ونحن نعرف أن الزمن لن يسمح لنا بإنجاز كل ما نحلم به
فالفنان قد يرحل وقد تختفي أعماله وقد يطوي النسيان اسمه لكن ذلك لا يجعل سنوات البحث والإنتاج بلا معنى إن عدم ضمان البقاء لا يلغي قيمة الفعل كما أن النهاية المحتومة لا تجعل الحياة التي سبقتها بلا جدوى
نحن نعمل لأن في داخلنا ما لم يكتمل ونواصل الإنتاج لأن المجهول لا يزال يستدعينا أما الخلود إن حدث فليس قرارا نتخذه بل مصير نتركه للزمن.
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.


