الأساطير هي عالم يتأرجح بين الواقع والخيال، وإذا ابتغيت أسرار العظمة ابحث عنها لدى «أوديسيوس».- مشاركة: نعيمة عبد الجواد .

إذا ابتغيت أسرار العظمة ابحث عنها لدى «أوديسيوس»
 
نعيمة عبد الجواد
 
الأساطير هي عالم يتأرجح بين الواقع والخيال، يراها البعض سردًا لأحداث تاريخية تملأ فراغ الفجوات الزمنية التي لم يكتشفها العلم الحديث بعد. وأمَّا البعض الآخر، فيعتبرها حكايات خيالية، الغرض منها وضع نواميس أخلاقية وتعليمية لشعوب ما قبل التَّاريخ، التي كانت في أمسّ الحاجة لمن يأخد بيدها وينظِّم لها مسار حياتها؛ كي يدفعها إلى طريق المدنية والتقدُّم. وفي أيٍّ من الحالتين، الكل أجمع على أن الأساطير منهاج علمي تراثي، الغرض منه نشر الثقافة في أبسط صورها، وتنظيم العلاقات بين البشر.
ومن أكثر الأساطير التي تحظى بشهرة وقبول عالمي هي «الأساطير الإغريقية»، التي لا تزال عالماً غريباً يثير الفضول، وحكايات العبرة طابعها، والتسلية مذاقها. وعلى عكس ما قد يظنه البعض، فإن شخصيات الآلهة، التي هي المحور الرئيسي للأحداث، لم تحظ قط بنفس القبول والشهرة التي حظيت بها شخصيتان أسطوريتان؛ ألا وهما هرقل وأديسيوس. والغريب، أن «هرقل» Hercules، ابن سيد آلهة الإغريق «زيوس» Zeus، هو نصف إله ونصف إنسان؛ لأن أمه بشرية. وأما «أوديسيوس» Odysseus أو كما يطلق عليه أيضًا اسم «يوليسيس» Ulysses فهو بشري؛ ما يعني أن الأساطير الإغريقية كانت تهتم بالبشر وسيرتهم وتصنع منهم القدوة والنموذج الذي يجب أن يحتذي به الآخرون. وأكبر دليل على ذلك، أن آلهة الإغريق كانت شخصيات مليئة بالآفات الأخلاقية، وكلَّما كانت مكانة الإله عظيمة، كانت أخطاؤه هزلية أو لا تغتفر. في حين أن الشخصيات البشرية كان يتم تعظيمها.
ويدل ذلك على أن الأساطير الإغريقية نصوص أخلاقية تعليمية تصنع نواميس يجب ألَّا يحيد عنها البشر، وتكون بمثابة مرشد أخلاقي ومنظم لتعاملات البشر بعضهم مع بعض، وخاصة أن أعظم شخصياتها من البشر. ولربما لتلك الأسباب مجتمعة، اهتم الرومان بعد انتصارهم على الإغريق بحفظ وامتلاك الأساطير الإغريقية أوَّل شيء، كما لو كانت كنزاً ثميناً. ومن ثمَّ، لم يكن غريبًا أن تجد نفس الأساطير ونفس الآلهة والشخصيات الأسطورية التي تعجّ بها الأساطير الإغريقية حاضرة في الأساطير الرومانية، لكن مع تغيير الأسماء؛ حتى يتم صبغها بالطابع الروماني، كما لو كانت إرثًا ثمينًا أهداه لهم الأجداد.
ومن الملاحظ أن شخصية «هرقل» كانت ولا تزال تحظى بشهرة عالمية شعبية كبيرة، ولا يزال يصنع لها الأفلام والمسلسلات، وتتواجد بكثافة في الروايات. والسبب الرئيسي في شهرة «هرقل» على نحو شعبوي هو أنه يُعبِّر عن حلم الأجيال الشعبية في أي زمان ومكان؛ «هرقل» نموذج الرجل القوي، ذو الأخلاق الحميدة الممزوجة بخفة الظل، مما صنع منه بطلًا محبوبًا وصديقًا وفيًا ورجلاً تتطلع له جميع النساء. لكن على الجانب الآخر، تقع شخصية «أوديسيوس»، ملك إيثاكا البشري، الذي تم تخليد ذكراه في ملحمتي «الإلياذة» و»الأوديسَّا»، علمًا بأن الأخيرة عنوانها يشير إلى اسمه بشكل مباشر. وأكثر من هذا؛ نسجت حوله العديد من القصائد الشعرية العالمية الخالدة، وأُعجب بشخصه الفلاسفة والمفكِّرون. وهذا يعني أن «أوديسيوس» هو البطل والقدوة التي يحتفي بها المثقفون والفلاسفة، ولعل أكثر الأسباب التي وضعته في تلك المكانة هي شخصيته الحصيفة وفكره العميق، فهو بشري ويعطي الأمل لأي إنسان لأن يصل لنموذج حكمته، فهو لا يحظى بقدرات خارقة، لكنه استطاع أن يوسع مدارك عقله ليصبح ذا حكمة وقدرة خارقة على التفكير.
من النظرة الأولى، وبالمقارنة بشخصية «هرقل»، لم يكن «أوديسيوس» طويل القامة ومهيب الطلَّة مثل «هرقل»، بل كان متوسط الطول، وشكله لا ينم عن شخصه. لكن عند المواقف، كان يظهر معدنه الراقي، الذي هو مزيج فريد من القوّة والحكمة والمكر والدهاء والفصاحة، ويضاف إلى كل هذا المرح والشخصية الثَّابتة الأركان التي لا تتزعزع عمَّا خططت له، حتى ولو اجتمعت كل الظروف ضده.
تنبلج شخصية «أوديسيوس» الفريدة في جميع مواقف حياته. فعلى سبيل المثال، قبيل حرب طروادة، وبعد أن اختطف «باريس» الأميرة «هيلين» خطيبة «مينيلاوس» وأغواها، ناشد الخطيب المغدور جميع خطَّاب الأميرة لمساعدته في شنّ حرب على الأمير الروماني «باريس». وبالتأكيد، كان لا بد من وجود قائد شجاع شديد البأس يقود الجيوش، وهذا الشخص كان «أوديسيوس». لكن «أوديسيوس» كان لا يرغب في الذهاب للحرب؛ لأن العرَّافة تنبأت بأن عودته لأسرته سوف تستغرق سنوات طويلة. ومن ثمَّ، ادعى الجنون وحاول أن يقنع مندوب «مينلاوس» بذلك؛ ولهذا، عمل أمام المندوب على بذر الأرض بذرَّات الملح، كما لو كانت بذورًا لثمار، وكذلك ربط محراثه بثور وحمار في الوقت نفسه، وهذا لمعرفته أن عدم تساوي طولهما سيعيق حركة المحراث. لكن مندوب الأمير لم يقتنع بجنونه الظاهري، وقام باختباره بطريقة غير تقليدية؛ وذلك بأن وضع ابن «أوديسيوس» الرضيع أمام المحراث، وبسرعة غيَّر «أوديسيوس» مسار المحراث، ما أثبت أنّ جنونه ما هو إلَّا إدعاء للتهرُّب من الذهاب للحرب.
وبعد أن تم تكليف «أوديسيوس» بقيادة الجيش، بحث عن البطل الذي لا يُهزم «أخيل»؛ لكي يكون ظهيرًا له في الحرب. لكن عندما لم يجده، علم أن أم «أخيل» قد جعلت ابنها يتنكَّر في زي امرأة؛ والسبب هو أن العرَّافة قد أخبرتها أن في انتظار ولدها خيارين: إمَّا أن يعيش حياة سعيدة خالية من الأحداث المهمة، أو العيش حياة قصيرة يموت فيها بطلاً خالد الذِّكر. وبما أن هذا التنكُّر لم ينطلِ على «أوديسيوس»، قام بعمل حيلة ذكية لكشفه؛ فذهب إلى جمع النسوة التي اختبأ «أخيلوس» بينهن، ثم أهداههن مجموعة من أدوات التجميل، ودسّ بينها أيضًا مجموعة من الأسلحة. فابتلع «أخيلوس» الطُعم، وراح يتفحص الأسلحة، على عكس كل الفتيات الأخريات اللائي شغفن بتفحص أدوات التجميل. ولضمان عدم وجود شبهات في الأمر، قذف «أوديسيوس» بقطعة سلاح في الهواء، فما كان من «أخيلوس» إلا أن التقطها بكل مهارة وحرفيه، ما أظهر تدريبه الواعي بفنون القتال.
وفي أثناء المعركة، أظهر «أوديسيوس» شجاعة فارقة، وكان العقل المدبِّر وراء خدعة حصان طروادة الشهيرة. وأمَّا بعد المعركة، فلقد خاض معركة أكبر مع أهوال الحياة اختبرت صلابته وقدرته على مجابهة المغريات. فلقد تحققت نبوءة العرَّافة، وكانت رحلة العودة شديدة الطول وشاقة، لدرجة أنها استمرت فترة عشر سنوات. ولهذا، إذا كانت ملحمة «الإلياذة» تصف حرب طروادة، فإن «الأوديسَّا» تحكي عن أهوال رحلة العودة وسيرة «أوديسيوس».
ومن أكثر الوقائع التي أثارت إعجاب الفلاسفة والمفكرين بشخص «أوديسيوس»، لقاؤه مع جنيَّات البحر. فتلك الجنيَّات وظيفتها إغراء البحَّارة المارة في البحر، وكلٌّ يأتي إغواؤه حسب ما يشتهي. وبعد الاستماع لترانيمهن، تعمل الجنِّيات على تحطيم السفينة والفتك بجميع المتواجدين على متنها. وبما أنَّ «أوديسيوس» كان يسعى للحكمة ولديه فضول عارم للمعرفة، فلقد استطاع التغلُّب على إغواء الجنيَّات بحيلة شديدة الدهاء. وعلى هذا، قام بوضع الشمع في آذان بحَّارة السفينة؛ حتى لا يستمعوا لترانيم الجنِّيات. وبالنسبة له، فلقد جعل البحَّارة يقيِّدونه في ساري السفينة من قدميه ويديه بعد أن يرفعوها أعلى رأسه، حتى يتمكن من سماع ترانيم الجنِّيات ما يعدن به من حكمة. وقطع عهدًا على بحَّارته بألَّا يستجيبوا له مهما توسل لهم بأن يحلوا وثاقه، بل أوصاهم أيضًا أن يزيدوا من إحكام الوثاق كلَّما زاد توسله لهم. ومن خلال تلك الحيلة، استطاع معرفة تفاصيل أخبار حرب طروادة ومعاناة الجنود خلال الحرب. أضف إلى ذلك، استطاع أن يكتسب ما لديهم من خبرة، وكذلك علم بأحداث الماضي والحاضر والمستقبل.
لكن قوَّة إرادته الحقيقية إزدادت توهجًا وعظمة وصلابة بعد أن تحطَّمت سفينته. حينئذٍ، قابل في جزيرة منعزلة الأميرة «ناوسيكا» Nausicaa التي تساعده وتمنحه بالثياب، وكذلك ترشده على الطريقة المناسبة لكي يكسب ودّ والديها ويفوز بعطاياهم. وبالرغم من أنها كانت على أتم الاستعداد للزواج منه ومنحه حياة أبدية من الرَّاحة والنعيم، اختار أن يخوض طريق العودة الوعر لكي يؤوب لمنزله وزوجته وأولاده.
شخصية «أوديسيوس» بالنسبة لـ «نيتشه» هي النموذج المثالي لما يجب أن يكون عليه الفرد: فلقد كسب الحرب واستطاع العودة لمنزله رغم الأهوال، وكذلك استطاع لمّ شمل أسرته، وكل هذا عن طريق الحيلة والدهاء والحكمة عند التنفيذ؛ أي أن «أوديسيوس» هو النموذج الفريد للإرادة الحرَّة والشخص المؤهَّل ليكون الـ «سوبرمان» Übermensch. وعن صلابته وقوة إرادته، قال «نيتشه»: «ينبغي للمرء أن يفارق الحياة كما فارق أوديسيوس ناوسيكا – أن يباركها بدلاً من أن يكون مغرماً بها»، ما يعني أن المُغريات يجب ألَّا تؤثِّر على قرارات الفرد، مهما كانت.
تمكَّن أيضًا «أوديسيوس» من تطبيق حكمة «سورين كيركجارد»Søren Kierkegaard عمليًا، وطبَّق مقولته: «يجب فهم الحياة من منظور الماضي، ولكن يجب عيشها من منظور المستقبل». فلقد كان مبتغى «أوديسيوس» هو أن يكون عظيمًا، وأن يجعل جميع أفعاله عظيمة؛ لتشهد له في حياته وبعد موته، إلى أن أصبح ذاك المنهاج عادة لديه ومكوِّنًا رئيسيًا في شخصيته، مؤكِّدًا بذلك مقولة «سقراط»: «يُجبل المرءعلى ما يدأب على فعله باستمرار. ومن ثمَّ، فإن التميُّز ليس أمرًا عرضيًا، بل فعلٌ صار عادة راسخة».

**********************
المصادر:
– موقع: الإمارات اليوم
موقع: photography world
– مواقع: الجزيرة .نت
– موقع: النهار العربي
– موقع:  CNN العربية
– موقع المواهب الفوتوغرافية
– موقع : mtv
– موقع الشرق الأوسط
– موقع: القدس العربي
– موقع صحيفة صراحة الإلكترونية
– مواقع: العربية .نت
– موقع : هسبريس
– موقع: شروق
– موقع اليوم السابع
– موقع :عالم التقنية
– موقع: مصراوي
– موقع: البيان
– الرياض – العربية Business
– صفحة الآتحاد العربي للثقافة
موقع : بيت الشعر بالمغرب
– موقع: https://www.bbc.com
– موقع : سبق
– موقع : مدارات الثقافية
– موقع: صحيفة النهار
– إتحاد المصورين العرب فرع مصر
المصدر: مواقع إلكترونية
– موقع: عكاظ
– موقع : المصرى اليوم
– مواقع :تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– موقع: مجلة فن التصوير
-موقع:  إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
*************

أخر المقالات

منكم وإليكم