
الأربعاء الحمصي: حين تصبح النكتة عيداً وتتحول المدينة إلى ذاكرة تضحك
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين تضحك المدينة على الزمن
في قلب سورية، حيث تتوسط حمص الجغرافيا السورية، وحيث تبدو سورية نفسها كأنها نقطة وصل بين جهات العالم وطرق الحضارات، نشأت حكاية شعبية حمصية شديدة الخصوصية: «عيد الأربعاء».
ليس الأربعاء في الذاكرة الحمصية مجرد يوم من أيام الأسبوع، بل موعد رمزي للضحكة والطرفة والحكاية الساخرة. يومٌ يمكن فيه للنكتة أن تصبح تحية، وللطرفة أن تتحول إلى طقس اجتماعي، وللابتسامة أن تؤدي وظيفة ثقافية تتجاوز التسلية إلى مواجهة القلق وترويض قسوة الحياة.
ولعل العبارة الشعبية التي يتداولها الحماصنة تختصر هذه الروح:
«اليوم الأربعاء… هات احكيلنا شو آخر نكتة؟»
وهنا تبدأ الحكاية؛ حكاية مدينة جعلت من الفكاهة جزءاً من صورتها الشعبية، ومن الأربعاء مساحة مفتوحة لاستعادة الذاكرة بالضحك.
الفولكلور… ذاكرة الشعوب التي لا تكتبها الكتب
الفولكلور، بمفهومه الحديث، ليس مجرد مجموعة من العادات والنكات والأمثال والأغاني الشعبية، بل هو أحد أشكال الذاكرة الجمعية التي تنتقل من جيل إلى آخر عبر الحكاية والممارسة والطقوس.
ولكل منطقة سورية لونها الخاص من الفولكلور؛ في الأغنية، واللباس، والأمثال، والموسيقى، والرقص، والحكاية، وحتى في طريقة صناعة النكتة.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة «أربعاء حمص» بوصفه ظاهرة من ظواهر الثقافة الشعبية الحمصية؛ إذ لم يعد اليوم مرتبطاً بالتقويم وحده، بل أصبح علامة رمزية استقرت في المخيال الشعبي.
إنها حالة ثقافية تشبه الصورة الفوتوغرافية: قد تتغير التفاصيل مع الزمن، لكن الذاكرة تحتفظ بجوهر المشهد.
لماذا الأربعاء؟
لا توجد، بحسب الروايات المتداولة، إجابة تاريخية واحدة قاطعة عن أصل هذه العادة. بل إن التراث الشفهي الحمصي يحتفظ بعدة حكايات تحاول تفسير ارتباط الأربعاء بالفكاهة والطرفة.
وهذه النقطة مهمة؛ فالحكاية الشعبية لا تعمل دائماً بمنطق الوثيقة التاريخية، وإنما بمنطق الذاكرة والتخييل وإعادة تفسير الماضي.
وقد نقل الأكاديمي مروان الأحمد عدداً من الروايات الشعبية المتداولة حول أصل «عيد الأربعاء» في حمص، وهي روايات تكشف، قبل كل شيء، عن قدرة المخيال الحمصي على تحويل الأحداث الصعبة إلى حكايات ساخرة.
حكاية الجمعة التي جاءت يوم الأربعاء
تقول إحدى الروايات الشعبية إن حمص تعرضت في زمن ما لخطر هجوم، وخشي أهلها ألا يتمكنوا من أداء صلاة الجمعة بسبب اقتراب الخطر.
وتروي الحكاية أنهم أقاموا صلاة الجمعة يوم الأربعاء.
كانت المفارقة كافية، في المخيال الشعبي، لصناعة قصة بقيت متداولة؛ فكيف يمكن أن تأتي الجمعة في الأربعاء؟
ومع مرور الزمن تحولت الحكاية إلى مادة للسخرية والطرفة، وأصبح الأربعاء نفسه مرتبطاً بالمفارقة والضحك.
هذه الرواية، مثل غيرها، تنتمي إلى التراث الشفهي ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها وثيقة تاريخية مثبتة، وإنما باعتبارها جزءاً من الطريقة التي فسرت بها الذاكرة الشعبية الحمصية خصوصية هذا اليوم.
المغول… حين انتصرت الحيلة على السيف في الحكاية الشعبية
أما الرواية الثانية فتأخذنا إلى زمن المغول.
تقول الحكاية الشعبية إن الزحف المغولي اقترب من حمص، وكان الناس يعرفون ما ارتبط بالمغول في الذاكرة التاريخية من حروب ودمار ومجازر.
وأمام قوة عسكرية هائلة لم يكن من السهل مواجهتها، تقول الرواية إن أهل حمص لجأوا إلى الحيلة بدل المواجهة.
فحين وصل المغول إلى المدينة يوم الأربعاء، تظاهر أهلها بالجنون، وراحوا يتصرفون بطريقة غير مألوفة، حتى اعتقد المغول ـ وفق الحكاية ـ أن الجنون مرض معدٍ وأن هواء المدينة قد أصاب أهلها بالعلة نفسها.
فتراجعوا عن دخولها.
وهكذا انتصرت، في هذه الحكاية الشعبية، الحيلة الحمصية على القوة المغولية.
قد لا يكون هذا التفسير قابلاً للإثبات التاريخي بصورته الشعبية، لكنه يحمل دلالة ثقافية لافتة: فالمجتمع الذي يصوغ هذه القصة يرى في السخرية والذكاء والقدرة على قلب المأساة إلى موقف طريف أدوات للمقاومة الرمزية.
الملك شمس… الأربعاء بوصفه يوم احتفال
وهناك رواية ثالثة تنقل «الأربعاء الحمصي» إلى عصور قديمة، وتتحدث عن ملك يدعى شمس، كان يحتفل في كل يوم أربعاء ويدعو السكان إلى الاحتفال قرب قصره بالرقص والغناء.
ومع تكرار الاحتفال، يصبح الأربعاء في هذه الرواية يوماً مميزاً في الذاكرة الشعبية، قبل أن تتغير دلالاته عبر الزمن وتدخل إليه الطرفة والفكاهة.
مرة أخرى، نحن أمام أسطورة شعبية أكثر من كوننا أمام سجل تاريخي موثق.
لكن الأسطورة نفسها تستحق الدراسة؛ لأنها تخبرنا كيف يصنع المجتمع ذاكرته، وكيف يمكن ليوم عادي في التقويم أن يتحول إلى رمز ثقافي.
من الخوف إلى الضحك
ربما تكمن القيمة الأعمق في «عيد الأربعاء» في أن الحكايات الثلاث، رغم اختلافها، تلتقي حول فكرة واحدة:
مواجهة الخوف بالضحك.
في الرواية الأولى هناك خوف من الحرب.
وفي الثانية خطر غزو عسكري.
وفي الثالثة احتفال وفرح جماعي.
وهكذا يتأرجح الأربعاء الحمصي بين الخطر والاحتفال، بين القلق والضحكة، حتى تستقر صورته الشعبية باعتباره يوماً للطرفة.
وهنا تصبح النكتة أكثر من مجرد نكتة.
إنها وسيلة نفسية واجتماعية للتعامل مع الواقع.
فالإنسان حين يعجز عن تغيير الظروف، قد يحاول على الأقل تغيير زاوية النظر إليها.
وهذه إحدى الوظائف العميقة للفكاهة في الثقافات الشعبية.
حمص… مدينة تصوّر نفسها بالضحكة
إذا نظرنا إلى حمص بعين المصور، يمكن أن نتخيل «عيد الأربعاء» كصورة فوتوغرافية جماعية واسعة.
في مقدمة الصورة: وجوه تبتسم.
وفي الخلفية: مدينة عريقة تحمل طبقات متراكمة من التاريخ.
وبينهما تتحرك الحكايات؛ من جيل إلى جيل.
فالمدينة ليست حجراً وشوارع وأسواقاً وآثاراً فقط، وإنما هي أيضاً وجوه وذاكرة وأصوات ونكات وأمثال.
وهنا تلتقي الحكاية الشعبية مع فن التصوير.
فالمصور لا يلتقط الحجر وحده، بل يحاول أن يلتقط روح المكان.
والروح الحمصية، في صورتها الشعبية، كثيراً ما تظهر من خلال ابتسامة ساخرة، أو تعليق طريف، أو نكتة تختصر حكاية طويلة.
النكتة بوصفها أرشيفاً شفهياً
من منظور ثقافي، يمكن النظر إلى النكتة الحمصية باعتبارها شكلاً من أشكال الأرشيف الشفهي.
فالوثيقة الرسمية تسجل الأحداث بلغة المؤسسات، بينما تسجل الذاكرة الشعبية الأحداث بطريقة مختلفة: بالمثل، والحكاية، والأغنية، والنكتة.
قد تختصر نكتة واحدة موقفاً اجتماعياً كاملاً.
وقد تختزن حكاية قصيرة تصوراً شعبياً عن شخصية المدينة.
وقد يتحول التندر إلى وسيلة تحفظ تفاصيل الحياة اليومية التي لا تجد طريقها إلى الكتب.
ومن هنا يصبح «الأربعاء» أشبه بصندوق ذاكرة شفهي مفتوح؛ كل جيل يضيف إليه حكاية، ثم ينقلها إلى الجيل الذي يليه.
الأربعاء الحمصي… ظاهرة ثقافية لا مجرد نكتة
إن اختزال «عيد الأربعاء» في فكرة أن الحماصنة يحبون النكتة قد يكون تبسيطاً لظاهرة ثقافية أعمق.
فالفكاهة في المجتمعات الشعبية تؤدي وظائف متعددة:
تخفيف التوتر الاجتماعي.
مواجهة الخوف والقلق.
نقد بعض الظواهر بطريقة غير مباشرة.
تقوية الروابط بين أفراد المجتمع.
تحويل الذاكرة المؤلمة إلى حكاية قابلة للتداول.
منح الجماعة صورة خاصة عن نفسها.
ولهذا فإن استمرار الحكاية زمناً طويلاً يدل على أن الفكاهة أصبحت جزءاً من الهوية الثقافية المتخيلة للمدينة.
عندما تصبح المدينة شخصية في حكاية
لكل مدينة شخصيتها.
هناك مدن ترتبط في الذاكرة بالموسيقى، وأخرى بالشعر، وأخرى بالأسواق، وأخرى بالبحر، وأخرى بالعمارة.
أما حمص فقد ارتبط اسمها، في جزء من المخيال الشعبي السوري والعربي، بالمرح والطرافة.
لكن المدينة الحقيقية أكبر من الصورة النمطية التي صنعتها النكات.
حمص مدينة التاريخ، والثقافة، والعلم، والفن، والموسيقى، والمسرح، والحياة الاجتماعية المتنوعة.
ومن هنا يمكن أن نقرأ «عيد الأربعاء» لا بوصفه حكماً على أهل المدينة، بل باعتباره أحد الرموز الفولكلورية التي صنعتها الذاكرة الشعبية حول حمص.
فالمدينة لا تختزل في نكتة، كما أن الإنسان لا يختزل في صورة واحدة.
عدسة المصور تلتقط الأربعاء
لو أردنا تحويل «عيد الأربعاء» إلى مشروع فوتوغرافي، فلن تكون الصورة مجرد مجموعة من الأشخاص وهم يضحكون.
بل يمكن أن تصبح دراسة بصرية للذاكرة الحمصية:
وجوه كبار السن وهم يستعيدون حكاياتهم.
أطفال يسمعون النكتة للمرة الأولى.
مقهى قديم يحتفظ بأصوات رواده.
شارع حمصي يحمل آثار الزمن.
أبواب ونوافذ وأسواق وأمكنة تختزن الذاكرة.
ثم تأتي الصورة لتجمع كل ذلك في إطار واحد.
هنا يتحول التصوير من تسجيل بصري إلى أركيولوجيا للذاكرة الشعبية.
فالكاميرا لا تصور الضحكة فقط، بل تصور الظروف التي جعلت الإنسان يضحك.
الأربعاء بين الأسطورة والذاكرة
قد لا نستطيع أن نحدد بدقة متى بدأ «عيد الأربعاء» في حمص، ولا أي الروايات الثلاث كانت أصل الحكاية، وربما كانت جميعها محاولات متعاقبة لتفسير ظاهرة شعبية نشأت وتطورت عبر الزمن.
لكن عدم اليقين التاريخي لا يلغي القيمة الثقافية للحكاية.
فالأسطورة، في علم الثقافة، لا تُدرس فقط من أجل معرفة ما إذا كانت وقعت بالفعل، وإنما أيضاً لمعرفة لماذا احتفظ بها الناس؟ ولماذا استمرت؟ وما الصورة التي تعكسها عن المجتمع الذي رواها؟
وهنا تصبح حكاية الأربعاء وثيقة من نوع آخر:
وثيقة للخيال الشعبي.
خاتمة: حين تبتسم حمص في وجه الزمن
في حمص، يبدو الأربعاء أكثر من يوم في الأسبوع.
إنه موعد صغير من مواعيد الذاكرة؛ يوم تستعيد فيه المدينة واحدة من أكثر صورها شعبية، وتفتح نافذة على عالم الحكايات والنكات والمفارقات.
وربما لهذا بقي «عيد الأربعاء» حياً؛ لأن المدن لا تعيش بالعمارة والتاريخ وحدهما، وإنما تعيش أيضاً بما ترويه عن نفسها.
وحين تروي حمص حكايتها، لا تختار دائماً لغة التاريخ الجاد، بل قد تختار لغة النكتة.
تضحك…
ثم تروي.
وتروي…
ثم تحفظ ذاكرتها.
وهكذا تصبح الضحكة، في النهاية، نوعاً من أنواع البقاء.
فحمص، المدينة التي تتوسط سورية، احتفظت لنفسها بيومٍ لا يحتاج إلى عيدٍ في التقويم؛ لأن الذاكرة الشعبية نفسها جعلت من الأربعاء عيداً، ومن النكتة تراثاً، ومن الابتسامة صورةً أخرى لمدينة عرفت كيف تواجه ثقل التاريخ بخفة الروح.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


