استرجاع الزمن لمحاولة تصحيح أخطاء في الماضي في مسرحية الشيطان يعظ لنجيب محفوظ


ذكر نجيب محفوظ في مقدمته لهذه المسرحية أنه استلهم أحداثها من إحدى حكايات كتاب ألف ليلة وليلة؛ ولهذا نرى أجواء حكايات كتاب ألف ليلة وليلة الفنتازية حاضرة في هذه المسرحية في وجود العفاريت بقدراتهم الخارقة، ونرى أيضا عملا خارقا يقوم به عفريت فيها باسترجاع الزمن لمدينة النحاس التي كان يعيش أهلها منذ عشرين ألف سنة، وعاقبهم ذلك العفريت على تجبر سيداتهم النبيلات لا سيما ملكتهم، وحولهم إلى تماثيل من النحاس.
وتبدأ أحداث هذه المسرحية بحضور طالب بن سهل رسولا من قبل الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان إلى بلاد المغرب العربي؛ لمقابلة أميرها موسى بن نصير؛ حتى يحضر له قمقما من قماقم العفاريت ببلاد المغرب.
ويستعين موسى بن نصير بشيخ من أهل المغرب على علم بأمر هذه القماقم وعفاريتها، وهو الشيخ عبد الصمد بن عبد القدوس الصمودي الذي يصطحبها إلى صحراء بعيدة عن العمران، ويرون في موضع بها تماثيل نحاسية لأشخاص كثيرين.
ويخرج الشيخ عبد الصمد بشبكة معه من بحيرة في هذا المكان قمقما، ويخرج منه عفريتا، ويسأله هو وسهل وموسى بن نصير عن شأن هذه التماثيل النحاسية، فيخبرهم أنها كانت لبشر كانوا يعيشون منذ عشرين ألف سنة في مملكة تحكمهم فيها ملكة مستبدة، وأخبرهم أيضا أن النساء هن اللائي كان لهن الأمر والسيطرة على الرجال فيها، وأنهن اللائي كن يتقدمن لخطبة الرجال والزواج منهم، كما ذكر لهم أن سيدات هذه المملكة كن متجبرات، ويسئن إلى العبيد، وقال لهم أيضا: إن ملكتهم كانت قد حصلت على قمقم وأخرجتني منه، وحاولت أن تستغلني في أعمال الشر، ولكنني رفضت، كما لم أطق أنها حاولت أن تدعي الألوهية؛ ولهذا حولتها مع أهل مملكتها لتماثيل من النحاس.
وعندما أبدى موسى بن نصير وطالب بن سهل وعبد الصمد تشككهم فيما قاله هذا العفريت قال لهم: إنه يستطيع أن يريهم هذه المدينة قبل تحويله كل من فيها لتماثيل من النحاس بقدراته الخارقة لو رغبوا في ذلك، فوافقوه على ذلك، فأعاد وجود هذه المدينة في اليوم الأخير الذي تم في نهايته تجميد كل من فيها لتماثيل بواسطة هذا العفريت.
وقد حاول موسى بن نصير وطالب بن سهل وعبد الصمد أن ينبهوا أهل هذه المملكة للدمار الذي سيلحق بهم من خلال ما يعلمونه عن مستقبلهم؛ عسى أن يرتدعوا عن ظلمهم، ولكنهم لم يعبئوا بهم، واتهموا موسى بن نصير وطالب بن سهل أنهما جاسوسان واتهموا عبد الصمد أنه عراف، وقبضوا عليهم. وفي نهاية هذا اليوم عادت هذه المملكة للصورة التي كانت عليها، بتحول كل من فيها لتماثيل من النحاس.
وطلب ذلك العفريت إلى موسى بن نصير ألا يأخذه معه في ذلك القمقم للخليفة عبد الملك بن مروان؛ وطلب إليهم جميعا أن يعيدوه لتلك البحيرة؛ حتى لا تستغل قدراته الخارقة في الشر، كما أخبرهم أن من لديه القرآن فليس بحاجة لأي جني بقوى خارقة، ويقتنع موسى بن نصير بهذا الكلام من ذلك الجني؛ مما يجعل عبد الصمد يعيد ذلك الجني بذلك القمقم لتلك البحيرة.
والجانب الوعظي ظاهر في هذه المسرحية في أهمية الاعتماد على الله، والاستعانة بكتابه القرآن الكريم لحل أي مشكلة دون الاستعانة في حلها بقدرات أي جني له قدرات خارقة.
أما عن وصف هذا الجني بالشيطان – كما جاء في عنوان هذه المسرحية – فأراه غير مقبول؛ لأنه جني صالح، ولا يطلق اسم الشيطان إلا على الجني الشرير.

بقلم د علي خليفة

أخر المقالات

منكم وإليكم