لماذا أبعد أفلاطون “المهاويل” والشعراء بكل صنوفهم عن مدينته؟ففي مشروعه لتأسيس المدينة الفاضلة القائمة على العدالة، لم يَر أفلاطون في التعبير الشعري بكل صنوفه بل الفن بشكل عام مجرد فن بريء، بل شَخّص فيه أداةً خطيرةً قادرةً على تشكيل الوعي الجمعي وإرباك المنظومة الأخلاقية للجمهور. وعند إسقاط هذا الطرح الفلسفي على ظاهرة “المهاويل و بعض الشعراء ” أو الخطباء الشعبيين في الواقع المعاصر، تبرز الأسباب التأسيسية التي دفعت أفلاطون لاتخاذ هذا الموقف الحاسم.يتلخص المأخذ الأول في تزييف الحقائق وهيمنة الإيهام؛ حيث اتهم أفلاطون الشعراء بصناعة صور زائفة عن الواقع.فالخطاب الحماسي غالباً ما يتوسل بالمبالغة والمداهنة لصالح القوة أو السلطة، فيُسبغ ألقاب البطولة والنزاهة على من لا يستحقها. هذا التزييف للواقع يُخدّر الوعي العام، ويستبدل البحث الفلسفي عن الحقيقة والعدالة بصور وهمية تُربك المعايير الأخلاقية للمجتمع.أما المأخذ الثاني فيكمن في تغليب العاطفة الانفعالية على العقل المنظم. تقوم المدينة الفاضلة عند أفلاطون على سيادة العقل والحكمة، في حين يعتمد الخطاب الحماسي الشعبي على استثارة الانفعالات وتأجيج مشاعر الفخر أو الغضب. هذا الشحن العاطفي يُعطل التفكير النقدي لدى الأفراد، ويدفع الجماعات نحو التصرف بدافع الحميّة والتعصب، بدلاً من الاحتكام إلى منطق القانون والمؤسسات.ويتمثل المأخذ الثالث في ترسيخ النعرات وتمجيد القوة الغاشمة؛ فقد رفض أفلاطون النماذج الشعرية التي تُصوّر الحروب والنزاعات الفردية كأعلى درجات الفضيلة. فالخطاب الذي يقتصر على تمجيد السلاح وتغذية الصراعات العشائرية أو الفئوية يهدد السلم الأهلي، ويحول دون انتقال المجتمع من منطق “القوة” إلى دولة “الحق والعدالة”.لم يكن أفلاطون معادياً للجمال أو الكلمة البليغة بذاتها، بل كان يرفض توظيف البلاغة كأداة للتضليل والتلاعب بالعقول. ومن هذا المنطلق، لم يسمح في مدينته إلا بالنصوص والأناشيد التي تحث على الفضيلة، وتدعم الاستقرار الأخلاقي، وتُعلي من قيمة العقل على حساب الانفعال الشعبي المندفع.#افلاطون#مجلة ايليت فوتو ارت.


