إسحاق بابل: رائد الحداثة السردية

بقلم جودت هوشيار

لم تكن المكانة التي احتلها إسحاق بابل في الأدب الروسي والعالمي وليدة الصدفة، بل ثمرة موهبة سردية استثنائية أعادت تعريف القصة القصيرة في القرن العشرين. فقد جمع بابل بين التكثيف اللغوي، والحدة الأسلوبية، والرؤية الأخلاقية الملتبسة، ليؤسس شكلاً حداثيًا خاصًا، يقوم على الاقتصاد الشديد في العبارة، وعلى التوتر بين العنف والجمال، وبين الواقعي والأسطوري.

كان الناقد والشاعر والمترجم الروسي البارز إيفان كاشكين أول من نقل أعمال إرنست همنغواي إلى اللغة الروسية، وكتب عنها دراسات نقدية لافتة نالت إعجاب همنغواي نفسه، إلى حدّ أنه عدّ كاشكين أفضل مترجم لأعماله، بل وذهب أبعد من ذلك حين أطلق اسمه على أحد أبطال روايته الشهيرة «لمن تُقرع الأجراس». غير أنّ العلاقة بين همنغواي والأدب الروسي لم تتوقف عند هذا الحد، إذ كان إعجابه بإسحاق بابل عميقًا واستثنائيًا.

في رسالة بعث بها همنغواي إلى كاشكين بتاريخ 12 كانون الثاني/يناير 1936، كتب يقول:

«عرفتُ بابل منذ قرأتُ قصصه الأولى مترجمة إلى الفرنسية، ثم نُشرت الفرسان الحمر. إنني أحب أعماله حقًا. موضوعاته مدهشة، وهو يكتب على نحو ممتاز».

ونظرًا إلى شُحّ همنغواي في الثناء على الكتّاب، مهما علت مكانتهم، تكتسب هذه الكلمات المقتضبة وزنًا نقديًا خاصًا، وتدلّ على إدراكه العميق لقيمة تجربة بابل الفنية.

ويعزز هذا التقدير ما رواه إيليا إهرنبورغ، حين قال إنه كان برفقة همنغواي في أحد فنادق مدريد أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، وهناك اطّلع همنغواي لأول مرة على أعمال بابل، فعلق قائلًا:

«لم أكن أعتقد يومًا أن الإيجاز مهم إلى هذا الحد في فهم الأدب. يلومونني لأنني أكتب باقتضاب، لكنني وجدت أن بابل يكتب القصة بصورة أكثر ضغطًا من قصصي. قصصه تقول أكثر مما تقوله قصصي… وهذا دليل القدرة. يمكنك عصر الجبن بقوة عند تحضيره لكي يترشح منه كل ما يحتويه من ماء».

هذه المقارنة، الصادرة عن كاتب جعل من الإيجاز سمة أسلوبية، تكشف بوضوح موقع بابل في قلب الحداثة السردية، وتبيّن كيف تحوّل الاقتصاد اللغوي عنده إلى أداة كثافة دلالية، لا إلى نقص أو اختزال.

بلغت شهرة بابل في الغرب ذروتين واضحتين. كانت الأولى في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، حين تُرجمت عام 1929 مجموعة من قصصه القصيرة إلى اللغة الإنجليزية، وفي مقدمتها سلسلة «الفرسان الحمر»، ثم تلتها ترجمات إلى الفرنسية والألمانية والإسبانية. وقد قوبلت هذه الترجمات بترحيب حار من كبار الكتّاب والنقاد والقراء على حدّ سواء. وفي أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، سافر بابل إلى فرنسا وإيطاليا، حيث التقى بعدد من الكتّاب الغربيين، واطّلع عن كثب على أحدث التيارات الأدبية والفكرية في أوروبا.

وفي عام 1930، حين نشرت مجلة «نوفي مير» الموسكوفية مجموعة من آراء الكتّاب الغربيين حول الأدب الروسي، احتل إسحاق بابل موقع الصدارة، إذ كُتب عنه أكثر مما كُتب عن أي كاتب روسي آخر في تلك المرحلة. وبوجه عام، لقيت مجموعته القصصية «جيش الخيالة» (الفرسان الحمر) احتفاءً واسعًا في الغرب، وأثنى عليها أعلام من طراز توماس مان، وأندريه موروا، وأندريه جيد، ورومان رولان، الذي رأى أن بابل «دفع بالأدب الروسي إلى الأمام».

وفي عام 1935، عُقد في باريس مؤتمر «الدفاع عن الثقافة»، الذي دُعي إليه كبار الكتّاب والشعراء والنقاد من مختلف أنحاء العالم. ولم يكن اسم بابل ضمن الوفد السوفييتي المشارك، الأمر الذي أثار استغراب منظمي المؤتمر والكتّاب الفرنسيين، فوجهوا مناشدة ملحّة إلى السفارة السوفييتية في باريس لإدراجه ضمن الوفد. استُجيب لهذا الطلب، فوصل بابل إلى المؤتمر في يومه الثالث، وألقى كلمة لافتة باللغة الفرنسية، التي كان يتقنها بطلاقة، استغرقت نحو خمس عشرة دقيقة، وقوبلت بحفاوة كبيرة وعاصفة من التصفيق المتواصل.

إن تجربة إسحاق بابل، بما تنطوي عليه من جرأة فنية، وكثافة أسلوبية، ورؤية إنسانية قاسية وعميقة، لا تمثل مجرد فصل لامع في تاريخ الأدب الروسي، بل تشكّل أحد الجسور الأساسية التي عبرت منها الحداثة السردية إلى الأدب العالمي.

أخر المقالات

منكم وإليكم