أكبر عملية نهـب دولة في التاريخ 500 مليون فرنك فرنسي ذهبي،يوم سقطت الجزائر العاصمة عام 1830م تحت الاحتلال الفرنسي.

500 مليون فرنك فرنسي ذهبي… هي أكبر عملية نهـ..ب دولة في التاريخ الحديث، يوم سقطت الجزائر العاصمة سنة 1830م تحت الاحتلال الفرنسي.

فرنسا اعترفت رسميًا بأنها استولت على 48 مليون فرنك فرنسي ذهبي، غير أن ما تكشفه الوثائق المحفوظة في الأرشيف، والتي تحدث عنها باحثون فرنسيون مثل بيار بيون وآخرين، يروي قصة مختلفة تمامًا؛ إذ تؤكد تلك الوثائق أن الفرنسيين عثروا في خزينة القصبة وحدها على ما يقارب 500 مليون فرنك فرنسي ذهبي، وهي ثروة قُدّرت بما يعادل مجموع ثروات فرنسا في ذلك الزمن. تخيلوا فقط: ما يعادل ثروة فرنسا كلها كان موجودًا في خزينة الداي وحدها.

بعد احتلال مدينة الجزائر سنة 1830م، أرسلت الحكومة الفرنسية لجنة تحقيق خاصة لإحصاء أموال خزينة الدولة الجزائرية تمهيدًا لنقلها إلى فرنسا ونهبها. ويصف المؤرخ الفرنسي غالبير تلك اللحظات قائلًا:
“وأينما جال المقتصد دينيي في الأرجاء المختلفة لخزينة الدولة الجزائرية، صُعق وانبهر بكمية الذهب والفضة التي كانت تقع عليها عيناه”.

لكن الحقيقة الأكثر رعبًا أن هذا الكنز الأسطوري لم يكن سوى خزينة واحدة من خزائن الدولة الجزائرية. فبعد احتلال المدينة، تحولت الجزائر العاصمة لمدة عشرة أيام كاملة إلى ساحة نهب مفتوح ومنظم للجيش الفرنسي ؛ قصور أعضاء الحكومة والجيش تعرضت للسلب، وبيوت الأغنياء و كبار التجار اقتُحمت، وحتى الأوقاف الإسلامية لم تسلم من النهب.

أطنان من المقتنيات الثمينة، ومجوهرات نادرة للغاية، وقطع ذهبية لا تُقدّر بثمن، جرى الاستيلاء عليها من مختلف أحياء المدينة المنكوبة، حتى أصبح من المستحيل تقريبًا تقدير الحجم الحقيقي للثروة الهائلة التي نُهبت من الجزائر العاصمة، ثم أضيفت إلى أموال الخزينة العمومية الجزائرية التي تم نقلها لباريس .

تلك الثروات الضخمة كانت أساس بناء رأس المال الذي قامت عليه القوة الصناعية الفرنسية لاحقًا، بعدما جرى تبييض الأموال المنهوبة عبر بنوك خاصة مثل La Maison Seillière ، التي استُخدمت في تمويل الصناعات الفرنسية الثقيلة والخفيفة.

إن ذهب الجزائر العاصمة كان أحد الأعمدة التي سمحت لعائلة شنايدر مثلا ببناء إمبراطوريتها العملاقة في الحديد والصلب، وأن الثورة الصناعية الفرنسية، وأولى خطوط السكك الحديدية في فرنسا، وأول المصانع الكبرى، وحتى السروح و النصب الوطنية الفرنسية الحديثة، شُيدت بأموال الذهب الجزائري المنهوب.

ولكي تُبرَّر فرنسا هذه الجريمة التاريخية، جرى اختراع أسطورة كاملة وتزوير صورة الجزائر في الوعي الغربي؛ إذ تم وصف الأبطال الإسلاميين والضباط الكبار المعروفين بالرياس الجزائريين بأنهم “قراصنة بربريون”، وأُعيد تقديمهم للعالم باعتبارهم خارجين عن القانون، تمامًا كما يصف الغرب اليوم كل من يحاول مقاومة الاحتلال بلادنا بالإر..هاب.

تقول الباحثة الجزائرية سامية بن تركي إن الغرب كان يستخدم أصلًا المصطلح العربي “أمير البحار”، الذي تحوّر لاحقًا إلى كلمة “أميرال” في اللغات الأوروبية، لوصف أبطاله البحريين، بينما أُلصق مصطلح “القراصنة” بأبطال الجزائر من أجل شرعنة نهب البلاد وإضفاء طابع “قانوني” على الجريمة.

أما الحقيقة، فهي أن الجزائر العاصمة سنة 1830م كانت مركزًا حضاريًا عالميًا، وأن فرنسا لم تأتِ لتحضير الجزائر كما ادعت، بل جاءت لتتخلص من دين مالي كبير كانت الجزائر تطالبها بسداده لها منذ عهد نابليون بونابرت، ولتستولي على كنز ضخم ينقذ الدولة الفرنسية من الإفلاس ويدفعها إلى مصاف القوى الاستعمارية الكبرى.

وهكذا تحولت صورة “القراصنة البربريين” إلى سلاح دعائي قاتل؛ فقدمت فرنسا نفسها للعالم على أنها لا تسرق حضارة كاملة، بل “تنظف” البحر المتوسط من القراصنة… وكما يحدث كثيرًا، كتب اللصوص التاريخ بأقلامهم.

أخر المقالات

منكم وإليكم