(((Happy as Lazzaro(( (2018 ليس مجرد فيلم عن الفقر أو الاستغلال، ولا هو حكاية ريفية بسيطة تنقلب إلى فانتازيا. إنه عملٌ أشبه بحكاية دينية قديمة، أو أسطورة شعبية تُروى حول النار، ثم تتسلل فجأة إلى عالمنا الحديث لتسأل: هل بقي مكان للبراءة في هذا العالم؟
تُقدّم المخرجة الإيطالية أليس رورفاخر فيلمها ببطء شديد، كأنها تريد للمشاهد أن يتنفس هواء القرية ويعيش بين سكانها قبل أن تبدأ الحكاية في كشف وجهها الحقيقي. في البداية يبدو كل شيء واقعيًا؛ مجموعة من الفلاحين يعيشون في عزلة، يعملون في أرض تملكها مركيزة تستغلهم بلا رحمة، حتى إنهم لا يعلمون أن نظام المشاركة الزراعية الذي يحكم حياتهم انتهى منذ سنوات. إنهم يعيشون خارج الزمن، أسرى جهلٍ فرضه عليهم الأقوياء.
وسط هؤلاء يظهر لازارو… الشاب الذي يبدو وكأنه لم يتعلم الكذب قط.
منذ اللحظة الأولى ندرك أننا أمام شخصية غير عادية. ليس لأنه يمتلك قوى خارقة، بل لأنه يخلو تمامًا من الشر. يساعد الجميع دون انتظار مقابل، يصدق الجميع، ولا يعرف كيف يشك في أحد. في السينما المعتادة تبدو مثل هذه الشخصية ساذجة، لكن الفيلم يرفض أن يسخر منها. بل يجعلها معيارًا أخلاقيًا نقيس به فساد العالم.
اسم “لازارو” ليس اختيارًا عشوائيًا، فهو يستدعي الشخصية الإنجيلية التي أعاد المسيح إحياءها. ومن هنا يبدأ الفيلم في بناء طبقاته الرمزية دون أن يصرح بها مباشرة. لازارو ليس قديسًا بالمعنى التقليدي، لكنه يمثل الإنسان الذي لم تلوثه الحضارة الحديثة بعد.
أكثر ما يدهش في الفيلم هو انتقاله المفاجئ من الواقعية الاجتماعية إلى الواقعية السحرية. هذا التحول قد يبدو غريبًا لمن ينتظر قصة تقليدية، لكنه في الحقيقة هو قلب الفيلم وروحه. فجأة يصبح الزمن نفسه عنصرًا دراميًا، وتتحول الحكاية من نقد اجتماعي إلى تأمل فلسفي عميق في معنى البراءة، والزمن، والتغير.
حين يصل لازارو إلى المدينة، لا يبدو العالم أكثر تحضرًا مما كان عليه في القرية. تغيرت الملابس، وارتفعت المباني، لكن الاستغلال بقي كما هو. الفرق الوحيد أن الظلم أصبح أكثر أناقة، وأكثر قانونية، وأقل وضوحًا.
وهنا تكمن عبقرية الفيلم.
إنه يقول إن المشكلة ليست في الريف ولا في المدينة، ولا في الإقطاع ولا في الرأسمالية وحدها، بل في الإنسان نفسه حين يفقد رحمته.
لازارو يمر بين الناس كما يمر الضوء بين الأشجار. الجميع يستفيد منه، لكن قليلين فقط يرونه حقًا. إنه لا يغضب، ولا ينتقم، ولا يطالب بحقه. وهذا ما يجعل وجوده صادمًا. نحن اعتدنا على أبطال يقاومون الشر بالقوة، أما لازارو فيقاومه بمجرد بقائه إنسانًا.
الفيلم أيضًا يتأمل العلاقة بين الطيبة والسذاجة. هل الطيب شخص ضعيف؟ أم أن العالم هو الذي أصبح عاجزًا عن فهم الطيبة؟ كل من يقابل لازارو يظنه أحمق، بينما الحقيقة أن الآخرين هم من فقدوا شيئًا أساسيًا من إنسانيتهم.
التصوير السينمائي مذهل في بساطته. الكاميرا تتحرك بهدوء، وتترك الطبيعة تتحدث بنفسها. الحقول، الأشجار، الجبال، وضوء الشمس كلها ليست مجرد خلفية، بل شخصيات حقيقية داخل الفيلم. هناك إحساس دائم بأن الطبيعة أكثر نقاءً من البشر، وكأنها الشاهد الوحيد الذي لم يفسده الزمن.
أما الموسيقى، فهي تأتي بحذر شديد، فلا تفرض مشاعرها على المشاهد، بل تفتح له بابًا للتأمل. وحتى الصمت هنا يؤدي وظيفة موسيقية، لأن الفيلم يؤمن أن بعض الحقائق لا تحتاج إلى كلمات.
على المستوى الرمزي، يمكن قراءة الفيلم بطرق لا تنتهي. يمكن اعتباره نقدًا للرأسمالية الحديثة، أو مرثية لاختفاء البراءة، أو تأملًا دينيًا في القداسة، أو حتى قصة عن الإنسان الذي بقي خارج التاريخ بينما العالم كله يركض نحو الخراب. وكل قراءة تبدو صحيحة، لأن الفيلم لا يغلق أبوابه أمام تفسير واحد.
النهاية من أكثر النهايات تأثيرًا في السينما الأوروبية الحديثة. ليست نهاية تبحث عن الدهشة، بل عن الحقيقة. تترك المشاهد أمام سؤال مؤلم: ماذا يحدث حين يدخل إنسان نقي إلى عالم لم يعد يؤمن بالنقاء؟ هل ينجو؟ أم يصبح وجوده نفسه إدانة لهذا العالم؟
Happy as Lazzaro ليس فيلمًا سهل المشاهدة، لأنه لا يقدم الإثارة ولا المفاجآت التقليدية، بل يطلب من المتفرج أن يتخلى قليلًا عن منطقه اليومي، وأن يقبل الدخول إلى عالم يشبه الحلم والأسطورة. ومن يفعل ذلك سيجد نفسه أمام تجربة إنسانية نادرة، تتسلل إلى القلب بهدوء، ثم تبقى فيه طويلًا.
إنه من تلك الأفلام التي لا تنتهي مع ظهور شارة النهاية، بل تبدأ بعدها. تظل تستعيد ملامح لازارو، وابتسامته، وصمته، وطريقته في النظر إلى الناس، فتدرك أن الفيلم لم يكن يحكي عن شاب بسيط، بل عن صورة الإنسان كما كان يمكن أن يكون… لو لم يتعلم القسوة.
فيلم شديد الرقة، عميق الفلسفة، يمزج الواقعية بالسحر دون افتعال، ويقدم واحدة من أنقى الشخصيات التي عرفتها السينما. إنه تذكير مؤلم بأن البراءة ليست ضعفًا، بل ربما تكون آخر فضيلة فقدها العالم.
#السينما كمايجب ان تكون#مجلة ايليت فوتو ارت..

